تعود قصيدة «عاشق من فلسطين» التي ألفها محمود درويش عام 1966 إلى مراحله الشعرية الأولى، وهي من القصائد الجميلة التي تحمل عاطفة قوية تجاه الوطن، فيها لا تكون فلسطين الأرض والوطن فحسب، وإنما حبيبة تتجسد وذاكرة وهوية، وتمتزج المقاومة بالرومانسية، ويتحول العشق إلى شكل من أشكال التشبث بالوطن والحياة. عندما نقرأ هذه القصيدة الرائعة التي كتبها الشاعر عندما كان شاباً لا يزال في الخامسة والعشرين من عمره، نتذوق جمالياتها الشعرية الخاصة وحرارة الصدق والشعور الوطني الجارف، ودقة التعبيرات التي تجري على لسان شاعر عاشق من فلسطين، بل هو عاشق فلسطين ومن أجلها كرّس العمر والشعر.
يبدأ محمود درويش قصيدته قائلاً: «عيونك شوكة في القلب»، وهكذا يمتزج الحب بالألم منذ مطلع القصيدة، ورغم ذلك الألم الذي يصرح به الشاعر فإنه يعبد معشوقته التي هي أعز عليه من روحه. في المقطع التالي من القصيدة يحضر الحزن والألم أيضاً، يخاطب الشاعر معشوقته ويشبه كلامها بالغناء وبالسنونو، وكان الشاعر يحاول الإنشاد، لكن الشقاء أحاط بشفتيه.
يرسم درويش صورة شعرية تتفجر حزناً وألماً حين يقول: «وانكسرت مرايانا.. فصار الحزن ألفين.. ولملمنا شظايا الصوت.. لم نتقن سوى مرثية الوطن.. سنزرعها معاً في صدر قيثار.. وفوق سطوح نكبتنا سنعزفها».
في المقطع الثالث من القصيدة يسترسل الشاعر في حديثه ومخاطبته للمعشوقة التي يراها في كل شيء وفي كل مكان، فهو يراها في جبال الشوك وفي الأطلال، وفي خوابي الماء والقمح، وفي شعاع الدمع والجرح، ويراها عند باب الكهف وعند الغار، يراها في المواقد والشوارع ودم الشمس، ويراها في أغاني اليتم والبؤس وملء ملح البحر. بعد المقطع الطويل الذي يعدد فيه الشاعر حالات رؤيته لوجه الوطن في كل مكان، يكتب مقطعاً قصيراً يفيض حباً وغزلاً هو من أجمل مقاطع القصيدة، وفيه يقول: «وأقسم.. من رموش العين سوف أخيط منديلا.. وأنقش فوقه شعراً لعينيك.. واسماً حين أسقيه فؤاداً ذاب ترتيلاً.. يمد عرائش الأيك.. سأكتب جملة أحلى من الشهداء والقبل.. فلسطينية كانت ولم تزل».
في وجه ليل الأعاصير
في المقطع التالي يقف درويش في وجه العاصفة وظلمة الاحتلال، يتحدى الليل ويثق في نور الحرية المقبل، وفلسطين التي لا تنكسر، فيقول: «وأنت كنخلة في الذهن.. ما انكسرت لعاصفة وحطاب.. وما حزت ضفائرها وحوش البيد والغاب». يصف الشاعر وطنه بالنخلة القوية الصامدة في وجه الريح، لا تنكسر ولا تتزعزع، ويراها جنة طاهرة وقمحاً وفياً، أمام قوة الوطن وصموده يرغب الشاعر في الالتحام والاحتماء به، فيخاطب فلسطين هو المنفي خلف السور والباب مكررا كلمة «خذيني»، يطلب من فلسطين أن تأخذه تحت عينيها، أن تأخذه أينما كان وكيفما كان، يعترف الشاعر بوجعه الإنساني كمنفي ويطلق صرخة الألم التي يتوسل فيها للوطن، طلباً للانصهار الكامل ليسترد لون الوجه والبدن، وضوء القلب والعين، وملح الخبز واللحن، وطعم الأرض والوطن. يرى الشاعر في هذا الانصهار سبيلاً للتخلص من غربة الروح والجسد، واستعادة وجوده الإنساني المفقود وتذوق طعم الحياة، ويرضى بأن يكون مجرد لوحة في كوخ من الحسرات، أو آية من سفر المأساة، أو لعبة أو مجرد حجر صامت من ركام البيوت المهدمة.
في المقطع الأخير من القصيدة، الذي هو أشبه بذروة شعرية عارمة، يقول درويش: «فلسطينية العينين والوشم.. فلسطينية الاسم.. فلسطينية الأحلام والهم.. فلسطينية المنديل والقدمين والجسم.. فلسطينية الصوت.. فلسطينية الميلاد والموت». في هذا المقطع الأول من خاتمة القصيدة يكرر الشاعر كلمة «فلسطينية» سبع مرات، ويخلق التكرار موسيقاه الخاصة وإيقاعه الشعري المميز، هنا يتجاوز درويش حدود الغزل التقليدي، فالحبيبة هي التجسيد الحي لفلسطين في كل تفاصيلها، يرى الشاعر الهوية الفلسطينية في كل ما يخص هذه الحبيبة، في الملامح والعينين والقدمين والجسم، والتراث المتمثل في الوشم والمنديل، والوجدان الذي يحمل الأحلام والهموم، بل حتى في الصوت والصمت والولادة والموت، تحمل هذه الأبيات تكثيفاً شعرياً يحول القضية الفلسطينية الوطنية إلى قصة عشق أبدية.
قلم الشاعر وسيف الفارس
في المقطع الأخير من خاتمة القصيدة يمتزج الشاعر بالفارس، وينتقل من مفردات الغزل إلى مفردات الحرب والفداء، فيقول: «حملتك زاد أسفاري.. وباسمك صحت في الوديان.. خيول الروم أعرفها.. وإن يتبدل الميدان.. خذوا حذراً من البرق الذي صكته أغنيتي على الصوان.. أنا زين الشباب.. وفارس الفرسان أنا.. ومحطم الأوثان.. حدود الشام أزرعها قصائد تطلق العقبان.. وباسمك صحت بالأعداء». يبدو الشاعر كأنه استمد قوة هائلة من الالتحام بالوطن، فتحول إلى فارس مقاتل لم يعد يذكر الألم بل يذكر ما يخيف العدو ويرعبه، لكنه يتخذ من قصائده سلاحاً يهدد الأعداء الذين يشبههم بخيول الروم، ويحذرهم من أن قصائده ليست للبكاء أو النواح، بل هي برق وشرر يتصاعد، وأن الكلمة المقاومة قادرة على زعزعة أركان الاحتلال. بعد ذلك يفاجئنا الشاعر بصورة صادمة قوية حيث يقول: «كلي لحمي إذا ما نمت يا ديدان.. فبيض النمل لا يلد النسور.. وبيضة الأفعى يخبئ قشرها ثعبان»، وفي تلك الصورة ذروة التحدي والاستهانة بالموت والعدو الصهيوني الذي يشبهه بالديدان، فحتى إن نجح العدو في قتله فإن الجسد هو كل ما سيحصل عليه، لكن المقاومة لن تموت بموت الجسد. ثم يقول فيما يشبه الحكمة، «بيض النمل لا يلد النسور، فالنسور الذين هم الشعب الفلسطيني الحر لا يمكن أن ينجب جيلاً ضعيفاً أو مستسلماً، فالأحرار لا ينجبون سوى الأحرار. وفي خاتمة القصيدة يعود درويش ليكرر قوله: «خيول الروم أعرفها.. وأعرف قبلها أني أنا زين الشباب وفارس الفرسان»، ليختتم قصيدته كفارس شجاع فخور، واثق من هويته وعدالة قضيته الفلسطينية وحتمية انتصار الحق، وأن المحتل الصهيوني مهما طال زمنه سينهزم أمام فرسان لا ينكسرون.