الأمم المتحدة – “القدس العربي”: بدعوة من نقابة الصحافيين المعتمدين لدى الأمم المتحدة، عقد ممثلون عن ثلاث منظمات غير حكومية، بالإضافة إلى جرّاحة أمريكية عادت حديثاً من قطاع غزة، مؤتمراً صحافياً ظهر الخميس، بمناسبة انعقاد جلسة لمجلس الأمن لمناقشة تقرير “مجلس السلام” بعد ستة أشهر من اعتماد القرار 2803 (2025)، الذي تبنّى خطة السلام التي اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وشارك في المؤتمر الصحافي كل من: يانتو سوريبتو، المديرة التنفيذية ورئيسة منظمة “إنقاذ الطفولة” (Save the Children)، وآبي ماكسمان، المديرة التنفيذية لمنظمة “أوكسفام – أمريكا” (Oxfam America)، وجيريمي كونانديك، رئيس منظمة “اللاجئون الدوليون” (Refugees International). ، كما شاركت فيه الدكتورة الجرّاحة تيريسا سولدنر، المتخصصة في جراحة ما بعد الصدمات، وهي أمريكية من ولاية مينيسوتا.
وأكد ممثلو المنظمات الثلاث أن الوضع الإنساني في قطاع غزة لا يزال “كارثياً”. وقالوا إن هناك فجوة كبيرة بين الالتزامات المعلنة وتنفيذها على أرض الواقع. وأشاروا إلى أن قرار مجلس الأمن الذي أقرّ خطة السلام الأمريكية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 نصّ صراحة على استئناف توزيع المساعدات الإنسانية بشكل كامل، إلا أن سكان القطاع ما زالوا، بحسبهم، محرومين من الاحتياجات الأساسية.
وقدّم المشاركون عرضاً لمجالات عملهم في غزة والضفة الغربية، فيما تحدثت الجرّاحة الأمريكية عن تجربتها الميدانية في مستشفى الشفاء.
وقالت رئيسة “إنقاذ الطفولة” إنها استمعت إلى إحاطة نيكولاي ملادينوف، المنسق السامي لـ”مجلس السلام”، أمام مجلس الأمن بشأن ما تحقق من تقدم في تنفيذ القرار 2803، مشيرة إلى تحسن نسبي في الوضع المعيشي وتراجع القصف وتخفيف خطر المجاعة.
وأضافت: “هناك غذاء أكثر مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عامين عندما كنت هناك، وكان الأطفال يجوبون الشوارع بحثاً عن الطعام”. لكنها شددت على أن غياب المجاعة لا يعني تحسن الوضع الإنساني أو تراجع الاحتياجات. وأوضحت أن عيادات المنظمة في غزة ما زالت تستقبل أطفالاً يعانون من سوء تغذية حاد، مشيرة إلى ارتفاع نسبة المراجعين في أبريل/ نيسان 2026 بنسبة 4% مقارنة مع يناير/ كانون الثاني من العام نفسه.
وأكدت أن بعض المواد الغذائية متوافرة، لكنها لا تُشترى بسبب ارتفاع أسعارها بشكل كبير؛ إذ ارتفع سعر الطحين بنحو 50%، فيما اختفى البيض منذ أشهر. وأضافت أن النظام الصحي منهار، وأن النساء المرضعات يعانين من سوء التغذية، بينما تظل عمليات الإجلاء الطبي نادرة، مع وجود آلاف الحالات بانتظار التحويل.
وقالت سوريبتو إن السكان يعيشون وسط أكوام من القمامة والمياه العادمة المكشوفة، ما أدى إلى انتشار الحشرات والقوارض وظهور أمراض جديدة. وأضافت أن الحلّ موجود في القرار 2803، لكن تطبيقه لم يُحترم. وشددت على أن الاحتياجات الإنسانية يجب أن تُلبّى بمعزل عن التقدم السياسي، مضيفة: “لا شيء من ذلك قد تحقق”. وأشارت إلى أن نحو 600 ألف طفل محرومون من التعليم للعام الثالث على التوالي في ظل غياب النظام التعليمي.
من جانبها، قالت المديرة التنفيذية لمنظمة “أوكسفام – أمريكا” آبي ماكسمان إن الوضع في غزة “كارثي”، مضيفة أن “لا خطة النقاط العشرين ولا قرار مجلس الأمن 2803 تم الالتزام بهما”. وأكدت أن المعيار الحقيقي ليس عدد الشاحنات، بل قدرة العائلات على العيش بأمان، وتوفير الغذاء والمياه النظيفة، والحفاظ على الكرامة الإنسانية، معتبرة أن “وقف إطلاق النار فشل وفق هذه المعايير”.
وأضافت أن إسرائيل ما زالت تمنع دخول إمدادات أساسية، مثل أنابيب إصلاح شبكات المياه والخيام والمستلزمات الطبية بكميات كافية، مشيرة إلى أن نقص مواد النظافة والتعقيم يفاقم انتشار الأمراض المرتبطة بمياه الصرف الصحي.
وتابعت أن آلاف العائلات تعيش في ظروف قاسية، حيث ينام الأطفال في أكواخ من الصفيح قرب مجارٍ مفتوحة، محذرة من تفشي الأمراض في ظل غياب مواد التنظيف والحماية من الحشرات. وقالت إن نصف شبكات الصرف الصحي مدمّر، وإن أوكسفام تعمل مع شركائها لتقديم المساعدات رغم القيود المفروضة على دخول المواد الغذائية والمستلزمات الأساسية.
وأشارت إلى أن 80% من السكان في سنّ العمل عاطلون عن العمل، مضيفة أن الأزمة الحالية هي نتيجة قرارات سياسية متعمّدة، وأن أي مسار نحو سلام دائم يتطلب تلبية احتياجات السكان والاستماع لمعاناتهم، محذرة من أن غياب ذلك يعني “هدنة مؤقتة فقط”. وأضافت أن “الولايات المتحدة وإسرائيل تتحملان مسؤولية مباشرة عن الوضع، وعلى مجلس الأمن ضمان وقف إطلاق النار والانتقال إلى المرحلة التالية”.
أما الجرّاحة الأمريكية تيريسا سولدنر، فقالت إنها عملت في مستشفى الشفاء في غزة بين 14 و28 أبريل/ نيسان الماضي، مشيرة إلى أن زيارتها الأولى للقطاع تركت لديها صدمة كبيرة بسبب حجم الدمار.
وأضافت: “بسبب الغارات الجوية الإسرائيلية التي تتواصل بشكل شبه يومي، يتدفق الجرحى إلى المستشفيات يومياً، فيما تعرّض النظام الصحي الفلسطيني لتدمير شبه كامل”. وأشادت بتفاني الطواقم الطبية التي تعمل بلا توقف رغم الظروف القاسية.
وروت حادثة مؤثرة عن أحد الأطباء المتدربين الذي كان يستعد لزفافه، قبل أن يُصاب شقيقاه برصاص أدى إلى وفاته، قائلة إنها لم تتمالك نفسها أثناء السرد.
ودعت سولدنر المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة، إلى الضغط على إسرائيل للوفاء بالتزاماتها، محذرة من أن فشل ذلك سيؤدي إلى انهيار باقي بنود الاتفاق.
من جهته، قال جيريمي كونانديك، رئيس منظمة “اللاجئون الدوليون”، إن وقف إطلاق النار “يفشل لأنه يُسمح له بالفشل”، مشيراً إلى أن إسرائيل ما زالت تمنع دخول المساعدات وتتصرف دون مساءلة.
وأضاف أن تقرير “مجلس السلام” يحمّل الفلسطينيين المسؤولية دون تحليل كافٍ للأسباب التي أدت إلى عدم تعاون بعض الفصائل في مسألة تسليم السلاح، معتبراً أن الحكومة الإسرائيلية تعرقل تنفيذ القرار وترفض فتح المعابر وإدخال المساعدات، ما يفاقم الأزمة الإنسانية.
وأكد أن هذه الممارسات تشكل انتهاكاً للقرار 2803 وللقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر العقاب الجماعي للمدنيين.
وردّاً على سؤال “القدس العربي” بشأن تقرير “مجلس السلام” الذي لا يحدد بوضوح المسؤوليات عن الانتهاكات، قال كونانديك إن القرار الدولي واضح ويجب تحديد الجهة المنتهكة دون تعميم.
وأضاف: “لا أعتقد أن تقرير مجلس السلام صدر عن جهة محايدة”، مشيراً إلى خبرته السابقة في الخارجية الأمريكية، ومؤكداً أن المساعدات الإنسانية يجب ألا تُربط بأي شروط سياسية.