دمشق – “القدس العربي”: تشهد قضية مشروع تنظيم منطقة “شمال السكة” في الرقة تفاعلاً واسعاً، ففي حين تقول السلطات السورية إن هدف المشروع معالجة العشوائيات وتحسين البنية التحتية وتأمين مساكن حديثة، يخشى سكان محليون من هدم آلاف المنازل التي يسكنها نحو 25 ألف شخص، وذلك وسط خلاف على ملكية الأرض نفسها، والتي تؤكد المحافظة أنها تعود للجهات حكومية ومنحت سابقاً للأهالي لأغراض زراعية، فيما الأهالي يتحدثون عن عمليات بيع وشراء جرت على مدى سنوات طويلة.
تطوير البنية التحتية
وأكد محافظ الرقة، عبد الرحمن سلامة، خلال اجتماع مع وفد من سكان منطقة شمال السكة، أن المشروع المزمع تنفيذه يهدف إلى تطوير البنية التحتية وتحسين الواقع الخدمي والعمراني بما يحقق الاستقرار ويحفظ حقوق الأهالي، مشدداً على أن المحافظة لن تخرج أي عائلة من منزلها قبل تأمين البديل المناسب بشكل كامل.
وأوضح أن المشروع يأتي ضمن خطة لمعالجة الانتشار الكبير للعشوائيات في المدينة، وتأمين مساكن جديدة ومنظمة للأهالي دون تحميلهم أعباء مالية، لافتاً إلى أن جميع خطوات المشروع ستعرض على السكان قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأنها.
تجمع المحتجون، الجمعة، عند دوار حزيمة شمال مدينة الرقة، مطالبين بإلغاء قرار التنظيم ورفض عمليات الهدم
وتجمع المحتجون، الجمعة، عند دوار حزيمة شمال مدينة الرقة، مطالبين بإلغاء قرار التنظيم ورفض عمليات الهدم، مؤكدين رفضهم لأي مشروع يتضمن إزالة منازلهم أو نقلهم من المنطقة تحت مسمى التطوير والتنظيم. كما دعا المشاركون في الوقفة إلى إيجاد حلول تحافظ على استقرار الأهالي الاجتماعي والمعيشي وتراعي الواقع السكاني القائم منذ عشرات السنين.
وأكدوا أن اعتراضهم على المشروع لا يأتي رفضاً للتنظيم أو تحسين الخدمات، وإنما لأي خطة تتضمن هدم المنازل أو الانتقاص من حقوق الملكية التي يقولون إنها قائمة منذ عقود. وشدد الأهالي على أنهم يطالبون بمخطط تنظيمي عادل يراعي الواقع السكاني والعمراني للمنطقة، ويحفظ حقوق السكان ضمن تسوية قانونية واضحة.
وحول أسباب الاحتجاجات ومطالب الأهالي، أوضح المتحدث الرسمي ورئيس لجنة أحياء شمال السكة، مالك الخضر، لـ”القدس العربي”، تفاصيل ما يجري في المنطقة، وموقف الأهالي من مشروع التنظيم.
وقال إن بلدية الرقة بدأت خلال الفترة الماضية بتنفيذ عمليات هدم في بعض مناطق شمال السكة، موضحاً أن جزءاً من تلك الأعمال طال أراضي تعرضت للتعدي عليها من قبل بعض الأشخاص خلال فترة سيطرة “قسد”.
وأضاف أن البلدية قامت أيضاً بهدم أربعة منازل ذات ملكية خاصة وتحمل “محاضر تسليم زراعي”، وذلك بحجة أن هذه المنازل شيدت بعد تحرير الرقة من سيطرة “قسد”. ولاحقاً، أخطرت البلدية ما يقارب 20 منزلاً أو أكثر بقرارات هدم وإزالة، مشيراً إلى أن الأهالي بدأوا بالاستفسار عن أسباب تلك الإجراءات، ليتبين لهم، حسب قوله، وجود قرار يقضي بهدم المنطقة بالكامل بهدف إقامة مشروع استثماري كبير مكان ما وصفته الجهات الرسمية بمناطق العشوائيات.
وأشار إلى أن الأهالي بادروا فور ذلك إلى تنظيم اعتصام ومظاهرة عند دوار حزيمة احتجاجاً على المشروع ورفضاً لقرارات الهدم. حيث تواصل مكتب المحافظ بعد ذلك مع المعتصمين وطلب من الأهالي إرسال وفد لبحث القضية وتوضيح ملابسات المشروع، الأمر الذي ساهم في تهدئة حالة الغضب الشعبي التي كانت سائدة في المنطقة.
اجتمع الوفد لاحقاً مع نائب المحافظ ورئيس بلدية الرقة عبد الرحمن الحسن، حيث أكد الطرفان، حسب الخضر، أن قرار الهدم موجود بالفعل، وأن الدولة تتجه لتنفيذ مشروع استثماري كبير في المنطقة، مشيراً إلى أن عدد المنازل التي يشملها المشروع يصل إلى نحو 3200 منزل.
وأوضح الخضر أن الوفد دخل في مفاوضات مع نائب المحافظ ورئيس البلدية، وتم خلال الاجتماع الاتفاق على وقف أي عمليات هدم مؤقتاً، والتوجه نحو المسار القانوني عبر المحكمة وتقديم الشكاوى القانونية المتعلقة بالقضية.
وأشار إلى أن تأكيد وجود قرار هدم شامل للمنطقة أدى إلى تصاعد حالة الاحتقان الشعبي بين الأهالي، ما دفع السكان لاحقاً إلى تشكيل لجنة تمثل الحي بهدف متابعة الملف والتواصل مع الجهات الرسمية، لافتاً إلى أن وفداً من لجنة الأحياء التقى بعد نحو شهر من الاعتصام الأول محافظ الرقة عبد الرحمن سلامة، موضحاً أن المحافظ استقبل الوفد “بحفاوة واحترام”، وقدم شرحاً تفصيلياً حول المشروع وآلية التعويض المقترحة.
طلب المحافظ من لجنة الأحياء، حسب المصدر، “نقل تفاصيل الاجتماع وموقف المحافظة إلى السكان بكل أمانة”
وتحدث المحافظ خلال الاجتماع عن تعويض السكان عبر منحهم شققاً سكنية جاهزة مع “طابو أخضر” باسم المالك، كما تطرق إلى ما وصفه بأضرار العشوائيات والصعوبات المرتبطة بتنظيمها عمرانياً وخدمياً.
وأضاف الخضر أن أعضاء الوفد استمعوا إلى كامل تفاصيل المشروع، موضحاً أن موقف اللجنة داخل الاجتماع كان رافضاً للمشروع من قبل أربعة أعضاء، مقابل موافقة عضو واحد فقط، مع امتناع شخصية أخرى حضرت الاجتماع بصفة ضيف، وهو جاسم العسكر.
وأشار إلى أن الاجتماع انتهى بالاتفاق مع المحافظ على إجراء استفتاء شعبي بين سكان المنطقة لتحديد موقف الأهالي من المشروع، بحيث تكون نتيجة الأغلبية هي الفيصل في تقرير تنفيذ المشروع أو إلغائه.
وطلب المحافظ من لجنة الأحياء، حسب المصدر، “نقل تفاصيل الاجتماع وموقف المحافظة إلى السكان بكل أمانة”، موضحاً أن اللجنة قامت بعد انتهاء اللقاء بإبلاغ الأهالي بجميع تفاصيل الاجتماع عبر مجموعات “واتساب” ومن خلال لقاءات مباشرة مع السكان في الحي.
وأضاف أن رد فعل الأهالي، حسب اللجنة، كان “رفضاً قاطعاً للمشروع من قبل الأغلبية العظمى من السكان”.
لكن الأهالي تفاجؤوا بعد نحو أسبوع من اللقاء مع المحافظ بإعلان المشروع عبر مقابلة تلفزيونية على “الإخبارية السورية”، وهو ما اعتبره السكان، وفق قوله، “إعلاناً أحادياً” للمشروع قبل انتهاء النقاشات مع الأهالي، مشيراً إلى أن ذلك دفع السكان في اليوم التالي إلى التجمع مجدداً عند دوار حزيمة والتعبير عن رفضهم الكامل للمشروع.
وعن مطالب الأهالي، أكد الخضر أن لجنة أحياء شمال السكة تؤيد تطوير المدينة وتحسين البنية التحتية والخدمات العامة، لكنها في الوقت نفسه تتبنى مطالب الأهالي الداعية إلى إيقاف مشروع الهدم، والعمل بدلاً من ذلك على إعداد مخطط تنظيمي للمنطقة وفق وضعها الحالي، كما تدعو اللجنة إلى معالجة أوضاع السجل العقاري وتسوية الملكيات ودفع الرسوم والمستحقات القانونية للدولة، معتبراً أن هذه الموارد يمكن أن تشكل قاعدة لتمويل مشاريع خدمية وتنموية تخدم أحياء المنطقة دون الحاجة إلى إزالة المنازل أو تهجير السكان.
تشريد 25 ألف شخص
الناشط الميداني مراد العايد وهو أحد المحتجين على القرار، قال لـ “القدس العربي”: “نرفض هدم 4000 منزل، ولن نقبل بتشريد 25 ألف إنسان وسلب ملكية مقاسم يملكها أصحابها منذ سنوات طويلة تحت عنوان التطوير أو المشاريع”، مؤكداً أن الأهالي يعتبرون أنفسهم أصحاب حق ولن يتراجعوا عن مطالبهم.
وأضاف العايد: “سكان شمال السكة يرفضون وصف المنطقة بأنها أملاك دولة”، موضحاً أن الأراضي الموجودة في المنطقة هي أراض خاصة جرى تسليمها بموجب محاضر رسمية ضمن ما يعرف بالمشروع الرائد، مشيراً إلى أن الظروف والأحداث التي مرت بها مدينة الرقة خلال السنوات الماضية حالت دون استكمال تسجيل هذه الأراضي بشكل رسمي بطابو أخضر.
وأشار إلى أن ما يعتبره الأهالي أملاك دولة يقتصر على مواقع محددة مثل المطار الزراعي والفرقة 17 وحديقة النخيل، مؤكداً أن الوثائق المتعلقة بملكية الأراضي موجودة ومتوفرة لدى السكان.
وأوضح العايد أن الأهالي لا يريدون تعويضات مالية أو شققاً سكنية جاهزة وصغيرة المساحة، معتبراً أن فرض هذا النوع من الحلول على السكان “يتم وكأنه منّة عليهم”، في حين أن مطالب الأهالي تتمثل بالحفاظ على منازلهم ومقاسمهم وتنظيم المنطقة بشكل عادل ورسمي، مع تثبيت الملكيات بطابو أخضر يضمن حقوق السكان وكرامتهم.
الخلاف حول الملكيات
وأثار ملف الملكيات واحداً من أبرز جوانب الخلاف بين الأهالي والجهات الرسمية، إذ يؤكد السكان أن المنطقة تضم أملاكاً خاصة تعود لعشرات السنين، بينما تشير المحافظة إلى أن ملكية الأرض تعود أساساً إلى جهات حكومية وتم منحها سابقاً للأهالي لأغراض زراعية.
ويقول الأهالي إن وجود محاضر تسليم رسمية وعمليات بيع وشراء جرت على مدى سنوات طويلة، إضافة إلى استقرار آلاف العائلات في المنطقة، يمنح السكان حقوقاً قانونية يجب أخذها بعين الاعتبار في أي مشروع تنظيمي جديد.
كما يشير السكان إلى أن المنطقة تضم بنية خدمية قائمة منذ سنوات طويلة، تشمل مدارس ومساجد ومستوصفاً صحياً ومرافق عامة، ما يعكس طبيعتها كحي سكني مستقر وليس مجرد تجمع عشوائي حديث.
الموقف الرسمي
وحسب بيان صادر عن المكتب الإعلامي لمحافظة الرقة، أوضح سلامة أن المشروع لا يهدف لإزالة منازل الأهالي أو التضييق عليهم، وإنما إيجاد بيئة أكثر أماناً واستقراراً للأسر والأطفال بعد سنوات من المعاناة والإهمال، مؤكداً أنه لن يتم إخراج أي عائلة من منزلها قبل تأمين البديل المناسب بشكل كامل.
وأشار المحافظ إلى أن حقوق الأهالي محفوظة بالكامل، وأن التعويض سيكون عبر شقق سكنية حديثة تضمن الاستقرار والكرامة لكل عائلة. وبيّن أن المحافظة حريصة على الاستماع إلى مطالب الأهالي وآرائهم خلال مختلف مراحل تنفيذ المشروع، بما يضمن تحقيق المصلحة العامة والحفاظ على كرامة المواطنين واستقرارهم.
سلامة: المشروع يأتي في إطار معالجة الانتشار الكبير للعشوائيات في المحافظة، ويشمل بناء مساكن جديدة للأهالي دون أي أعباء مالية
وأكد أن المشروع يأتي في إطار معالجة الانتشار الكبير للعشوائيات في المحافظة، ويشمل بناء مساكن جديدة للأهالي دون أي أعباء مالية، لافتاً إلى أن جميع خطوات المشروع ستعرض على الأهالي قبل اتخاذ أي قرار نهائي فيها، بما يضمن عدم فرض أي حلول دون التوافق عليها.
وأوضح في لقاء على قناة “الإخبارية السورية” السبت، أن تحسين واقع العشوائيات والأتربة يمثل أولوية قصوى للمحافظة في الفترة المقبلة، مبيناً أن منطقة شمال السكة تفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية، إذ لا يوجد فيها صرف صحي ولا زفت للطرقات ولا حدائق ولا مدارس ولا مساجد ولا مراكز صحية، لافتاً إلى الفارق الكبير بين واقع هذه المنطقة وقلب المدينة المنظم نسبياً.
ولفت إلى أن فكرة المحافظة تقوم على إعداد مخطط تنظيمي جديد للمنطقة، مؤكداً أن الهدف نقل الأهالي إلى مساكن جديدة منظمة في نفس المنطقة شمال السكة بمساحات جيدة، دون أن يدفعوا أي رسوم، مع الحفاظ الكامل على حقوقهم في الأراضي التي يملكونها، حيث كان الاقتراح نقل الأهالي إلى مكان في المنطقة نفسها وليس بعيداً عنها.
مراحل تنفيذ المشروع
كل خطوات المشروع ستخضع لاستفتاء عام وجلسات استماع مفتوحة مع جميع الأهالي
وأوضح أن المشروع سيُنفَّذ على مرحلتين، تشمل الأولى تنظيم المنطقة وتأمين الخدمات الأساسية من صرف صحي وطرقات وكهرباء، بينما تتضمن المرحلة الثانية أعمال التشييد والبناء، مبيناً أن المشروع قد يستغرق ما بين 3 إلى 5 سنوات حسب الطلب والإمكانيات.
وأكد المحافظ أن كل خطوات المشروع ستخضع لاستفتاء عام وجلسات استماع مفتوحة مع جميع الأهالي قبل اتخاذ أي قرار نهائي، مشدداً على أن المحافظة لن تفرض أي حلول وستستمع لكل الآراء، وأن الخطة قابلة للتعديل في حال وجود معارضة من الأهالي.