شركس سوريا يحيون ذكرى الإبادة الروسية بحقهم


دمشق – “القدس العربي”: أحيا شراكسة سوريا، الخميس، ذكرى حرب الإبادة الجماعية التي تعرض لها أجدادهم في وطنهم الأصلي شمال القفقاس، بفوهات بنادق ومدافع جيوش روسيا القيصرية لما يزيد عن قرن كامل.

والذكرى التي تم التوافق على تسميتها بيوم الحزن الشركسي، تصادف 21 أيار/ مايو من كل عام.

ونفذ المئات من الشركس مسيرا صامتا باتجاه ساحة الأمويين في العاصمة السورية دمشق، حيث وقفوا حدادا على الملايين من الضحايا الذين قتلتهم الجيوش الروسية ما بين عامي 1763 – 1864، وحدادا على مئات الآلاف من الضحايا الذين ماتوا على دروب التهجير القسري عبر السفن التي نقلتهم من سواحل البحر الأسود إلى بلاد الشتات.

نفذ المئات من الشركس مسيرا صامتا باتجاه ساحة الأمويين في العاصمة السورية دمشق

وكان لإحياء ذكرى حرب الإبادة الجماعية طعم خاص هذه السنة، حيث تمت بموافقات رسمية من وزارة الداخلية وتحت حماية عناصرها، ولم تقتصر على ساحة الأمويين، وإنما جرى تنفيذ وقفة صامتة ثانية أمام قلعة حلب، إلى جانب استضافة اتحاد الكتاب العرب في دمشق ندوة خاصة عن هذه الذكرى.

وحسب الباحث والأستاذ الأكاديمي عادل عبد السلام، فإن القصة تبدأ مع ظهور الأطماع الروسية لاحتلال بلاد الشركس والقفقاس سنة 1594، لكن البداية الفعلية للحرب على الشركس كانت سنة 1763، تنفيذا للسياسية التوسعية الروسية بهدف الوصول إلى المياه الدافئة في البحر الأسود، أي السواحل الشركسية، وبعد 101 سنة من الدفاع الشركسي المستميت ضد الغزو القادم من الشمال، قضى الجيش الروسي على مقاومة أسطورية وقف خلالها شعب صغير العدد لا يتجاوز عدد أفراده الملايين الخمسة، وفقير إلى العدة والعتاد والقوة، في وجه أطماع أكبر أمة في أوروبا مدعومة من قبل قوى أوروبية كبرى مثل ألمانيا وغيرها.

ويوضح أن النتيجة كانت سقوط أكثر من مليوني شركسي ضحايا المعارك وعمليات الإبادة الجماعية والأرض المحروقة والتجويع والسلب والنهب والمذابح، ثم عمليات التهجير والتشريد القسري لأكثر من 1,8 مليون شركسي أُخرجوا من ديارهم، مات منهم قرابة 950 ألف شركسي إما غرقاً في البحر، أو مرضاً بعد أن فتكت الأوبئة بهم أو قتلوا في البلقان والأناضول.

ووطّنت السلطات العثمانية المهجرين الشركس بمعظمهم في شبه جزيرة البلقان وحوض نهر الدانوب، وفي شبه جزيرة الأناضول في البداية، لكنها عادت ونقلتهم من دول البلقان إلى شبه جزيرة الأناضول وبلاد الشام والرافدين سنة 1878 بعد مؤتمر برلين، وضغوط مارستها القوى الأوروبية المنتصرة على العثمانيين، لإبعاد الشركس عن خطوط المواجهة مع القوى المذكورة وإخراجهم من أوروبا.

ويؤكد عبد السلام أنه نتيجة لحرب الإبادة وعملية التهجير هذه، تراجع عدد الشركس الأحياء في وطنهم الأصلي من خمسة ملايين نسمة إلى 457 ألف نسمة فقط.

الشراكسة يتمتعون بكامل المواطنة في سوريا، وغيرها من الدول العربية

ويعيش أحفاد الشركس المهجرين في معظمهم اليوم في تركيا، ويقدر عددهم ما بين 4 – 5 ملايين نسمة، إضافة إلى بضع مئات من الآلاف في كل من سوريا والأردن ولبنان وفلسطين والعراق ومصر وليبيا.

واستضاف الجولان أكبر تجمع للشركس في سوريا، لكن احتلال إسرائيل للهضبة عام 1967، جعلهم عرضة للتهجير مرة أخرى، كسائر سكان محافظة القنيطرة، ودمر الجيش الإسرائيلي جميع قراهم ومدينة القنيطرة، وهم يعيشون اليوم في تجمعات بدمشق وريفها، كما غادر قسم كبير منهم البلاد في السنوات الأخيرة، هربا من الحرب التي شنها نظام بشار الأسد، وحتى لا يخدموا في صفوف جيشه.

وإن كان الشراكسة يتمتعون بكامل المواطنة في سوريا، وغيرها من الدول العربية، إلا انه ورغم انقضاء كل هذه السنوات على حرب إبادتهم، لم تعترف روسيا إلى اليوم بتلك الإبادة ولم يتم إنصافهم بعد.

واتخذت موسكو خطوات جزئية، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لكنها لم تصل إلى الحد المقبول، فهي لا تمنح شراكسة الشتات “حق العودة” التلقائي أو الجنسية السهلة إلى وطنهم الأم في القفقاس، بل يخضعون لإجراءات معقدة وحصص إقامة ضيقة، وإن كانت لديهم بعض الحقوق الثقافية وحكم ذاتي محلي، إلا أن روسيا، من الناحية السياسية والقانونية والتاريخية، لم تنصف قضية التهجير القسري؛ ولا تعترف بالمسؤولية القانونية عن الإبادة، ولا تسهل عودة الشركس من دول الشتات إلى أرض أجدادهم.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *