أمام عيني.. جرائم حرب وتطهير عرقي تنتهجه دولة


لم أسافر إلى الضفة الغربية منذ سنوات، ربما كي لا أرى ما يحدث هناك. ولكني لم أتمكن من رفض طلب اللواء المتقاعد ماندي أور لمرافقته في “رحلة” هناك، كما وصفها. فذهبت. في 2005 قدمت للحكومة التي كانت برئاسة أريئيل شارون، بناء على طلب منه، تقريراً عن البؤر الاستيطانية غير القانونية التي أقيمت في الضفة الغربية. في تلك السنوات كانوا ما زالوا يعتقدون أنه عندما كشف غير قانونية “مشروع” البؤر الاستيطانية حسب القانون الإسرائيلي، فلن يشك أحد في ضرورة إزالتها، كما طلب الرئيس الأمريكي في حينه جورج بوش. أثناء هذه الرحلة، عرفت ماذا أصاب إسرائيل منذ ذلك الحين، وهو أمر يقلق كل مواطن إسرائيلي يهتم بمستقبل الدولة.

 عندما عبرنا الخط الأخضر، رحمه الله، استقبلتنا أعلام إسرائيل التي تغطي الآلاف منها أرجاء الضفة الغربية، منتشرة على كل حجر وشجرة صغيرة. وإلى جانبها لافتات ترفرف كتب عليها المسيح، وهذه الكتابة مكتوبة أيضاً على الحواجز الإسرائيلية. كل نقطة تفتيش تحمل نجمة داود وشكل أرض إسرائيل الكاملة، وكأن خط حدود إسرائيل ابتلع الضفة الغربية وهضبة الجولان. شاهدنا ملصقات كثيرة على طول الطريق تدعو للاستيطان في كل الضفة الغربية، بما في ذلك المناطق “أ” و”ب” (بصورة تخالف اتفاق أوسلو). أو تدعو إلى إعادة الاستيطان في قطاع غزة.

  كل خيمة يعيش فيها بدو أو مجموعة بيوت فلسطينية على أطراف قرية أو مدينة، باتت محاطة ببؤر استيطانية أو “مزارع” أو كرفانات مجهولة، مزروعة على قمم الجبال المحيطة بها. كل بيت فلسطيني محاط بسياج محكم حتى لو كان يفصله عن حقل الزيتون الذي يملكه. بعض هذه الأسوار أقامها مستوطنون “رفعوا” حولها أعلام إسرائيل، ويمنعون عبورها، وإلا فسيأتون على الفور في مجموعات، يركبون سيارات دفع رباعي فاخرة اشتروها بأموالنا، ويمنعون الفلسطيني من الخروج. إذا تجرأ على الكلام فسيفتعلون استفزازاً ينتهي بالضرب (على الأقل)، بعد ذلك اعتقاله على يد الجيش الإسرائيلي. هو لا يملك إلا مشاهدة زيتونه الذي هو أغلى ما يملكه، وهو يُنهب.

  الفكرة الأساسية واضحة: محاصرة الفلسطينيين في أماكن إقامتهم وتقييد حركتهم وجعل حياتهم لا تطاق. لا حماية شخصية لهم، لا مياه، لا كهرباء، وحتى أعلاف الحيوانات تتم سرقتها. كل ذلك لإجبارهم على الرحيل. وحتى ذلك الحين، يتعرضون أيضاً للاعتداءات الجنسية بين حين وآخر، ويتم ضرب الفتيات الصغيرات والأمهات. ويتم نهب ممتلكاتهم القليلة ويقتل بعضهم.

 في أماكن كثيرة تشاهد أكوام القمامة أو الحجارة. وقد شرح فلسطيني مسنّ، خرج من هناك فجأة، بأن هذا المكان كان قبل شهر مدرسة أو بيتاً أو عدة خيام وروضة أطفال. لقد هرب السكان. في وسط المجمع ما زال علم إسرائيلي ممزقاً. المشهد يتكرر في عشرات الأماكن. التقينا مع رعاة وقطعانهم على جبل قفر، ينظرون حولهم بخوف كي يروا من أين سيأتي المستوطن في هذه المرة وهو يحمل العصا.

 عندما وصلنا (برفقة ثلاثة جنرالات احتياط في الجيش وثلاثة ضباط كبار متقاعدين من “الشاباك” واثنين من أعضاء الكنيست السابقين) إلى التلة التي تطل على موقع عسكري، ظهرت بعد خمس دقائق سيارة عسكرية إسرائيلية كبيرة، نزل منها عدد من الجنود الملثمين. قالوا إن هناك أمر منطقة عسكرية مغلقة، وطلبوا منا ترك المكان على الفور. سألنا عن السبب؟ لم يعرفوا كيف يردون. يبدو أنه لا أحد يطرح الأسئلة في هذا المكان، وبالتأكيد لا يعطون إجابات، خاصة لشخص لا يبدو أنه من أشد المؤيدين للاستيطان. أحد الموجودين سأل جندياً عن سبب ارتداء القناع. فأجاب بأنه يحمي نفسه هكذا حتى لا يتم اعتقاله بعد خدمته في الجيش عندما يسافر إلى البرازيل. كان على حق. من ناحيته، هو ينفذ الأوامر فقط.

 يبدو أن هناك خطة محكمة، وراءها عقل مدبر، شخص ما يجلس أمام خارطة وصور جوية، يحدد المناطق ويخطط لمواقع البناء. المزارع والمواقع الاستيطانية وأماكن نقل السيارات المخصصة للطرق الوعرة التي ستتسلق الجبال والصخور. وهناك من هو مسؤول عن الاتصال مع الجيش، الذي يخضع لأوامرهم تماماً. “الجيش”، الذي يضم فرق طوارئ في المستوطنات وضباطاً ومسؤولون عن الأمن الجاري، بعضهم بالزي العسكري، يعرف متى يظهر ومتى لا يأتي.

  لسبب ما، عندما يتعرض الفلسطينيون للضرب لا يصل الدعم عادة إلا بعد انتهاء الحادث. وإذا وصل الجنود عند وقوع الحادث يتجاهلونه، بل سمعت أنهم يندمجون أحياناً في السلوك العام القائم على رؤية أن كل فلسطيني عدو. تهدف الخطة إلى إخراج الفلسطينيين من أوسع مساحة ممكنة ودفعهم إلى المدن الفلسطينية المكتظة. يجب أن تكون مناطق الضفة الغربية حسب رأيهم “خالية من العرب”، وفقاً لأفضل أفكار مئير كهانا. هذا ما يسمى بالتطهير العرقي، وهو جريمة حرب. إن الأعمال التي ترتكب ضد الفلسطينيين هي جرائم حرب واضحة، وبعضها جرائم ضد الإنسانية، وهي أشد خطراً.

 لا يمكن القول بأن هذه أفعال لأقلية، لا، كل من يعيش في المستوطنات، ويعرف ما يحدث على الأرض ويصمت، هو شريك كامل في النشاط الإجرامي. كل مستوطن “طبيعي” يستيقظ صباح للعمل في القدس ويعود مساء، هو شريك في الأفعال الفظيعة التي ترتكب هناك. هو يمر بجانبها كل يوم.

  قادة الجيش الإسرائيلي، من رئيس الأركان إلى آخر القادة في الضفة الغربية، شركاء فيما يرتكب. التقاعس والاستسلام والصمت والتعاون الكامل، كل ذلك مسؤوليتهم. كل هذا يتناقض مع دورهم ويقوض أسس الجيش. رئيس الأركان والقادة شركاء عن علم فيما يرتكب بحق أولادنا. كيف يوافق رئيس الأركان على وضع يتجول فيه الجنود وهم ملثمون ويعرفون، وهو يعرف أيضاً، بأنهم يرتكبون جرائم حرب، وبالتالي، عليهم الاختباء، ولماذا يسمح بذلك من الأساس.

 سيسال أحد ما: أين الشرطة؟ إذا استوعبوا هذا جيداً: اختفت شرطة إسرائيل من المناطق المحتلة، ومكان وجودها مجهول فيما يتعلق بنشاطات المستوطنين ضد الفلسطينيين. أما جهاز “الشاباك” فقد وجد أيضاً مراكز احتلال أخرى. لا يتم إصدار أوامر اعتقال إدارية بحق اليهود بناء على طلب وزير الدفاع. هذا يعني أنه حتى لو توفرت معلومات استخبارية عن عمل إرهابي يخطط له مستوطن ضد الفلسطينيين، فلن يتخذ أي إجراء لمنعه من تنفيذه، ربما فقط بعد حدوثه. وعندها، يفترض أن تتحرك الشرطة ضده. ووفقاً للتقارير، يعتقد رئيس “الشاباك” دافيد زينيه، أن أعمال الإرهاب التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين ليست إلا “احتكاك”، وليست إرهاباً.

 هذه هي دولة “يهودا”. أقيمت بأموالنا، والجنود الذين يخدمون فيها هم أبناؤنا، يتم تلقينهم بأيديولوجيا تفيد بأن كل الفلسطينيين أعداء لنا، وأن الأرض ملكنا، وأننا عرق متفوق. وتؤدي تعاليم الحاخام كوك والحاخام تاو وغيرهما إلى الهدف نفسه: دولة تحكمها الشريعة اليهودية، وتسيطر على جيش من العلمانيين “الأغبياء” المملوئين بالدافعية للخدمة في الجيش والدفاع عن الدولة. هؤلاء العلمانيون قصيرو النظر إلى درجة أنهم لا يعرفون أن الدولة هي “دولة يهودا” وأن الجيش هو “جيش الله”. يستغلون مواردنا وقوانيننا (قانون التجنيد الإلزامي) وإيماننا الأعمى بوجوب الدفاع عن إسرائيل، ونحن نرفض أن نفهم بأننا اليد التي تطرد شعباً آخر من أرضه لتوريث الضفة الغربية لـ “الشعب اليهودي”. نحن من نحقق رؤية حركة كاخ.

 لكن الرأي العام العلماني في إسرائيل لا يرغب في رؤية ذلك. ومن الجدير إعلامهم بأنهم سلبوا دولتهم بالفعل. لن تشبع دولة يهودا أبداً وستبتلعنا جميعاً. الواقع في الضفة الغربية هو رؤيتهم لإسرائيل بعد سنوات قليلة. اذهبوا وشاهدوا، ولن تناموا بهدوء بعد ذلك.

 دولة يهودا هي دولة معادية للديمقراطية، دينية (لليهود فقط)، مع نزعة مسيحانية، منغلقة ومنبوذة دولياً، وتشجع على الجهل والفقر والفساد، وتفرض مواقفها على العرب واليساريين، وبالطبع على النساء. الطريقة الوحيدة لمواجهة رؤية “يهودا” هي سياسية في المقام الأول، والنضال من أجل الديمقراطية، من أجل التعاون الكامل مع الجمهور العربي. الإدراك بأن النضال الحازم الآن، قبل الانتخابات، هو وحده الكفيل بإنقاذ إسرائيل من الدمار. إذا لم ننجح الآن فلن تقوم قيامة لدولة إسرائيل برؤية وثيقة الاستقلال.

تاليا ساسون

رئيسة المجلس العام والدولي لصندوق إسرائيل الجديد

 هآرتس 21/5/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *