المصريون يغرقون بدوامة تطبيقات التمويل الاستهلاكي… أقساط وفوائد وغرامات


القاهرة – “القدس العربي”: “اشترِ الآن وادفعْ لاحقاً”، شعار ترفعه شركات التمويل الاستهلاكي في مصر التي تقدم قروضاً وتقسيطاً غير مصرفي للمواطنين.

الشعار الذي رفعته الشركات جذب ملايين المواطنين، في ظل الأزمة الاقتصادية وانخفاض الأجور في مصر خلال السنوات الماضية، لتوفير احتياجاتهم، سواء لشراء أجهزة كهربائية أو دفع أقساط مدرسية، وسط تحذيرات من نواب واقتصاديين من تأثير هذه الشركات على الاقتصاد بشكل عام واستقرار الأسر بشكل خاص، في ظل أوضاع اقتصادية قد تؤدي بالكثيرين إلى تعثر في السداد.

إحدى الشركات الكبرى التي تستحوذ على 27% من السوق ذكرت بأن نسبة تعثر العملاء بلغت 1.25%

وقال محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، إن كل شركات التمويل الاستهلاكي تخضع لرقابة هيئة الرقابة المالية طبقاً لقانون 18 لسنة 2020، لكنه حذر من أنه ليس لكل الشركات معايير الجدارة الائتمانية، أو تمارس الفحص الائتماني بشكل سليم.

وأضاف في تصريحات متلفزة أن نسبة التعثر في القطاع بلغت 3% بموجب بيانات “الرقابة المالية”.

وأوضح أن إحدى الشركات الكبرى التي تستحوذ على 27% من السوق ذكرت بأن نسبة تعثر العملاء بلغت 1.25% ما يعني أن نسبة تعثر باقي الشركات قد تصل إلى 4% وفق التقديرات.

“الفرصة الأخيرة”

“السداد اليوم فقط هو الفرصة الأخيرة”، الجملة الأولى في رسالة تلقاها محسن عبدالقادر، بعد تعثره في سداد أقساط قرض قيمته 30 ألف جنيه حصل عليه من 6 أشهر، لشراء أجهزة كهربائية من أحد تطبيقات التمويل الاستهلاكي على شبكة الأنترنت.

يقول إن الرسالة حملت تهديداً صريحاً بأن اليوم الذي وصلت فيه كان الفرصة الأخيرة لوقف كافة الإجراءات القانونية.

يحكي أن موعد القسط يحل في الأول من كل شهر مع فترة سماح 5 أيام، وأنه لم يتمكن من السداد في الموعد المحدد قبل 3 أشهر، وفوجئ بأن فوائد جديدة أضيفت إلى القرض.

حاول محسن حل الأمر من خلال الاتصال بخدمة العملاء لكنه فوجئ بتطاول الموظف عليه وسبه، بعد اعتراضه على نسبة الفوائد التي تخطت قيمتها أصل القرض فقرر التوقف عن السداد.

وتضمن غروب على “فيسبوك” حمل اسم “متضرري تطبيقات القروض والنصب الإلكتروني في مصر” عشرات الشكاوى من تهديدات بالحبس والحجز على الممتلكات، يتلقاها المواطنون بمجرد تأخرهم في موعد سداد القسط لأيام، فيما يتحدث آخرون عن إرسال التطبيقات موعد جلسات في المحكمة بسبب التعثر في سداد الأقساط.

تهديدات بالحبس والحجز على الممتلكات، يتلقاها المواطنون بمجرد تأخرهم في موعد سداد القسط لأيام

هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، حذر من التوسع السريع لشركات التمويل غير المصرفي وما قد يحمله من مخاطر ائتمانية تهدد بتكوين “فقاعة تمويلية” داخل السوق، في وقت يسجل فيه القطاع معدلات نمو قياسية مدفوعة بالتوسع الكبير في خدمات التقسيط.

وشدد على أن الشرارة الصغيرة في قطاع التمويل غير المصرفي قد تهز الاقتصاد بأكمله، مشبهًا الوضع بما حدث في أزمة “الساب برايم” في الولايات المتحدة، حيث أدى انهيار بعض المؤسسات الصغيرة إلى أزمة عالمية.

ولفت إلى أن هناك حالات حقيقية لمواطنين حصلوا على قروض بدون ضمانات أو استعلام بنكي، مشيراً إلى أن سائقاً من بورسعيد حصل على قرض بقيمة 400 ألف جنيه دون تطبيق نظام “آي سكور” لتقييم قدرتهم الائتمانية، واضطر لبيع أثاث منزله وسيارته لسد القرض وفوائده.

وأكد العرب أن البنوك تلتزم بقواعد مثل نسب الاحتياطي وكفاءة رأس المال، وهي إجراءات غير مطبقة على شركات التمويل أو الصناديق.

توسع كبير

البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية كشفت عن التوسع الكبير في نشاط التمويل الاستهلاكي خلال العامين الماضيين.

وحسب بيانات هيئة الرقابة المالية، بلغ عدد الشركات والجهات الخاضعة لرقابتها نحو 2532 شركة وجهة، تخدم أكثر من 64 مليون عميل في مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك المناطق الأكثر احتياجاً. كما أوضحت البيانات أن بنهاية عام 2025 بلغ حجم محافظ التمويل غير المصرفي نحو 417 مليار جنيه، بعدد عقود تمويلية تجاوز 9.8 ملايين عقد، في حين سجلت نسب التعثر أقل من 3%.

نحو 2532 شركة وجهة، تخدم أكثر من 64 مليون عميل في مختلف أنحاء البلاد

وتجاوزت قيمة التمويلات الممنوحة 55 مليار جنيه خلال أول 11 شهراً من عام 2024، مقارنة بنحو 43 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام السابق مع وصول عدد العملاء إلى نحو 3.7 ملايين عميل.

 وخلال عام 2025، استمرت معدلات النمو بوتيرة أكبر، حيث تجاوز حجم التمويلات 38 مليار جنيه خلال النصف الأول فقط من العام قبل أن يصل إجمالي التمويل الاستهلاكي إلى نحو 87 مليار جنيه بنهاية العام بنسبة نمو تجاوزت 58 % مقارنة بعام 2024. هذه الأرقام تعكس التحول السريع للتمويل الاستهلاكي إلى واحد من أكثر الأنشطة المالية نمواً داخل السوق المصري، في وقت تتراجع فيه القوة الشرائية للأجور والدخول الحقيقية بفعل التضخم والارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.

تدخل برلماني

الأزمة وصلت أروقة البرلمان، وقدم حسن عمار، عضو مجلس النواب، طلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ومحافظ البنك المركزي، ورئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، بشأن التوسع غير المنضبط في نشاط شركات التمويل الاستهلاكي والتقسيط غير المصرفي، وما يمثله من تهديدات اقتصادية واجتماعية متزايدة تطال الاستقرار المالي للأسر المصرية، وتدفع المجتمع نحو الاعتماد المفرط على الديون والاستهلاك.

وأكد أن السنوات الأخيرة شهدت انتشاراً واسعاً وغير مسبوق لشركات التمويل الاستهلاكي، سواء عبر الفروع المنتشرة بالمولات والأسواق أو من خلال التطبيقات الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، حتى تحولت الديون إلى منتج يومي يتم تسويقه للمواطنين باعتباره أسلوب حياة، في ظل حملات دعائية ضخمة تدفع نحو الشراء بالأجل والاقتراض بصورة تثير القلق.

طلب إحاطة وجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ومحافظ البنك المركزي، ورئيس الهيئة العامة للرقابة المالية

وبين أن تفاقم الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة دفعا قطاعات واسعة من المواطنين للاعتماد على القروض والتمويلات لتغطية الاحتياجات الأساسية والكمالية، بما ينذر بتحول خطير في طبيعة المجتمع المصري، من مجتمع يقوم على العمل والإنتاج والادخار إلى مجتمع مثقل بالديون والأقساط والتعثرات المالية.

وأشار إلى أن بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية كشفت عن وصول حجم التمويل الممنوح عبر نشاط التمويل الاستهلاكي إلى نحو 1.4 تريليون جنيه لصالح ما يقارب 64 مليون عميل من خلال 2532 شركة، وهو ما يعكس اتساعاً ضخماً في هذا النشاط يفرض تساؤلات حقيقية حول قدرة الجهات الرقابية على المتابعة الدقيقة والفعالة لهذا السوق المتشعب.

وحذر من خطورة لجوء بعض شركات التمويل إلى تسهيل منح القروض دون دراسة حقيقية لقدرة العملاء على السداد، بما يدفع آلاف الأسر إلى دوامة مستمرة من الأقساط والفوائد والغرامات، ويهدد بارتفاع معدلات التعثر المالي بصورة قد تنعكس على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، مضيفاً أن التراجع الحاد في معدلات الادخار داخل مصر، والتي انخفضت من 15% إلى نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي، يعكس تنامي ثقافة الاستهلاك بالدين، بالتزامن مع التوسع في عمليات “التوريق” وتحويل الديون إلى أوراق مالية قابلة للتداول، الأمر الذي يثير مخاوف من تكرار أزمات مالية مشابهة لما شهده الاقتصاد العالمي في أزمة 2008 إذا غابت الرقابة الصارمة والضوابط الحاكمة.

ناقوس خطر

ولفت إلى أن التحذيرات الأخيرة الصادرة عن عدد من الخبراء المصرفيين، ومن بينهم هشام عز العرب، بشأن مخاطر التوسع في إقراض الأفراد خارج القطاع المصرفي، تمثل ناقوس خطر حقيقي يستوجب تحركاً رقابياً وتشريعياً عاجلاً لحماية الاستقرار المالي والنقدي للدولة.

كما تساءل عمار، من يراقب هذا السوق المتسع بوتيرة متسارعة، وهل تمتلك الجهات الرقابية القدرة الكافية لمتابعة أكثر من 2500 شركة تمويل، وما الضوابط التي تحمي المواطنين من الوقوع في فخ الديون المفرطة، وهل توجد رؤية واضحة لمنع تحول المجتمع إلى مجتمع غارق في الاستدانة والتعثرات المالية، وما مدى تأثير التوسع في نشاط التوريق على الاستقرار المالي مستقبلاً؟

نائب طالب بإعداد تقرير رسمي شامل يعرض على البرلمان والرأي العام بشأن مخاطر التوسع غير المنضبط في نشاط التمويل الاستهلاكي

وطالب عضو مجلس النواب بإعداد تقرير رسمي شامل يعرض على البرلمان والرأي العام بشأن مخاطر التوسع غير المنضبط في نشاط التمويل الاستهلاكي، مع مراجعة الضوابط المنظمة لمنح التمويل للأفراد خارج القطاع المصرفي، وتشديد الرقابة على الشركات والتطبيقات الإلكترونية العاملة في هذا المجال، ووضع قواعد صارمة للإعلانات والحملات التسويقية التي تشجع المواطنين على الاستدانة المفرطة.

إلى ذلك، تقدمت ولاء هرماس، عضو مجلس الشيوخ، بطلب رسمي لإجراء دراسة قياس الأثر التشريعي لقانون تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020، في ضوء ما أفرزه التطبيق العملي من تحديات تمس المواطنين بشكل مباشر.

وبينت أن التوسع في نشاط التمويل الاستهلاكي يعكس جانباً من تعزيز الشمول المالي وتسهيل حصول المواطنين على السلع، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر متزايدة تتعلق بارتفاع معدلات التعثر في السداد، ما يتطلب مراجعة دقيقة للتطبيقات العملية للقانون.

مئات الشكاوى

وكشفت النائبة عن تلقي مئات الشكاوى من مواطنين بشأن ممارسات وصفتها بأنها غير منضبطة لبعض شركات التحصيل، مشيرة إلى تحول بعض المندوبين من دورهم القانوني إلى أساليب ضغط تتعارض مع الدستور والقانون.

ولفتت إلى رصد حالات تضمنت الاتصال بجهات عمل العملاء وأقاربهم، والتهديد بالإساءة إلى السمعة الاجتماعية والوظيفية، بهدف إجبارهم على السداد، وهو ما اعتبرته مخالفة صريحة لمبادئ الأمانة والنزاهة.

كشفت نائبة عن تلقي مئات الشكاوى من مواطنين بشأن ممارسات وصفتها بأنها غير منضبطة لبعض شركات التحصيل

وأضافت أن شكاوى أخرى تضمنت مطالبة المواطنين بمبالغ تفوق أصل الدين بثلاثة أضعاف، تحت مسمى “غرامات ومصاريف إدارية” غير واضحة أو مبررة في العقود، بما يمثل إخلالاً بمبدأ الشفافية والإفصاح.

ولفتت إلى وجود وقائع استخدام ألفاظ غير لائقة وسب وقذف وتهديد بالحبس عبر المكالمات الهاتفية من بعض المندوبين، مؤكدة أن هذه الممارسات تخرج عن إطار التحصيل المشروع وتندرج ضمن جرائم يعاقب عليها القانون.

وطالبت بإطلاق حملة قومية للتوعية بمخاطر التمويل الاستهلاكي غير المدروس، وتعريف المواطنين بحقوقهم، إلى جانب تشديد الرقابة على شركات التحصيل.

وأكدت أن تقنين عمل هذه الشركات لا يتعارض مع تشجيع الاستثمار، بل يمثل ضرورة لضمان استدامة القطاع بشكل منظم، داعية إلى “تمويل مسؤول” يحمي المواطن ويحافظ على استقرار السوق دون الإضرار بكرامة الأفراد.

 

 

 

 



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *