تصاعد هجرة العقول من إسرائيل تحد استراتيجي لها


الناصرة- “القدس العربي”: يحذّر باحثان إسرائيليان من أن ظاهرة هجرة العقول من إسرائيل تتفاقم في الأعوام الأخيرة، وتشكل تحديا استراتيجيا، ولا تجد من يوقفها.

وفي مقال مشترك نشره موقع القناة 12 العبرية، تقول الطبيبة الأستاذة الجامعية رفكاه كارمي (رئيسة سابقة لجامعة بن غوريون في بئر السبع) ومدير عام منظمة العلماء الإسرائيليين الباحث نداف دواني، إن التغيّرات والتحديات التي تواجهها إسرائيل في الأعوام الأخيرة عزّزت شعور كثيرين بعدم اليقين حيال المستقبل.

ويؤكدان ما يُنشر في الشهور الأخيرة بشكل متزايد، أنه بالنسبة إلى كثيرين من الإسرائيليين، وبينهم العلماء والأطباء والباحثون، أصبحت مسألة بناء مستقبلهم المهني والشخصي في إسرائيل أكثر تعقيدا وإرباكا من أي وقت مضى.

ويعود الباحثان الإسرائيليان للبدايات: “على مدى عقود، افتخرت إسرائيل، بحق، بكونها أمة الشركات التكنولوجية المتطورة، وهي دولة بُنيت وحُفظت وتعززت بفضل أبنائها في المقام الأول: علماء طوروا تقنيات رائدة، وأطباء ساهموا في تطوير علاجات طبية جديدة وحافظوا على صحة المجتمع، وباحثون وأكاديميون عززوا الصمود الفكري للدولة. وفي دولة صغيرة، مثل إسرائيل، ذات موارد محدودة وتحديات أمنية مستمرة، يُعَد رأس المال البشري الثروة الوطنية الأهم”.

يشار إلى أن المعطيات الإسرائيلية الرسمية تؤكد وجود هجرة سلبية، أي ازدياد عدد المغادرين على الوافدين منذ بدء الحرب في نهاية 2023، لأسباب تتعلق بفقدان الشعور بالأمن، واستمرار النزيف، وجبهات القتال المفتوحة، واستشراء العنصرية، وغلاء الأسعار وغيرها.

وكشفت تقارير صحافية عبرية في العامين الأخيرين، عن جماعات من الإسرائيليين يغادرون ويستقرون في كريت وجزر يونانية وقبرص وغيرها.

تحد استراتيجي

على خلفية ذلك، يوافق الكاتبان على اعتبار قضية هجرة العقول في إسرائيل تحديا وطنيا استراتيجيا من الدرجة الأولى، ويكشفان أنه في كل عام، يغادر المئات من الباحثين والأطباء ورواد الأعمال الأكثر تميزا في إسرائيل من أجل إتمام دراسات ما بعد الدكتوراة، أو الحصول على تدريبات متقدمة، أو اغتنام فرص مهنية في الخارج.

ويوضحان أن هذه الخبرة العالمية ليست هي المشكلة، بل بالعكس تماماً؛ فالانكشاف على المختبرات والمستشفيات والصناعات الرائدة عالميا يعزز التميز الإسرائيلي ويضمن مكانته الدولية، لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعدم عودة عدد كبير جدا من هؤلاء الأشخاص الاستثنائيين إلى إسرائيل.

وضمن تحذيرهما، يقولان إنه عندما تخسر إسرائيل عالما أو طبيبا، فهي لا تخسر فقط ضريبة الدخل لعائلة واحدة، بل تخسر أبحاثا متقدمة، وبراءات اختراع مستقبلية، واختراقات طبية، وتأسيس شركات تكنولوجية ناشئة، وقيادة أكاديمية، وابتكارا في مجالات الأمن والتكنولوجيا.

كما يقولان إن دراسة أُجريت لمصلحة منظمة “سيانس أبروود” قد أظهرت أن كل عالِم إضافي يعود إلى إسرائيل خلال مسيرته المهنية يحقق قيمة وطنية هائلة، في حين أن كل عالِم لا يعود يمثل خسارة اقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد.

ويتابعان في استعراض الخسائر: “يقدّر أحد التحليلات أن الخسارة الاقتصادية المباشرة تصل إلى نحو 20 مليون شيكل على مدى الحياة لكل عالِم يبقى في الخارج، لكن الثمن الحقيقي أكبر من ذلك كثيرا؛ فهو اجتماعي وتعليمي وجيوسياسي أيضا. لقد استند التفوق النوعي لإسرائيل في مجالات العلوم والطب والتكنولوجيا والأمن دائما إلى منظومة دقيقة من التميز. فدولة يقل عدد سكانها عن عشرة ملايين نسمة، لا تستطيع المنافسة بالحجم، بل بالإبداع والابتكار والذكاء”.

تآكل الذكاء

ويحذّران من أنه إذا تآكل هذا الذكاء بالتدريج، مع انتقال الكفاءات إلى دول أُخرى، فيمكن أن تضعف الأسس التي تقوم عليها قوة إسرائيل الاقتصادية، ونظامها الصحي، وأمنها القومي، وتماسُكها الاجتماعي.

وطبقاً لهما، يشكل العلماء والأطباء الإسرائيليون في الخارج أحد أكبر مصادر القوة الاستراتيجية لإسرائيل؛ وهم في معظمهم لا يغادرون لأنهم يريدون التخلي عن الدولة، بل لأنهم يسعون للتطور المهني والتخصص والتميز، ثم العودة للإسهام في المجتمع الإسرائيلي.

ويريان أيضاً أن مهمة إسرائيل تتمثل في ضمان بقائها في المكان الذي تستطيع فيه هذه الكفاءات بناء مستقبلها، وهذا يعني إنشاء مسارات حقيقية للعودة: فرص أكاديمية تنافسية، وتحسين الاندماج في الصناعة، وإعادة دمج الأطباء في النظام الصحي، وبناء شبكات مهنية داعمة، واعتماد سياسة وطنية تعتبر استعادة الكفاءات هدفا استراتيجيا.

ويؤكدان أن هذا الأمر أكبر كثيرا من مجرد قضية اقتصادية؛ فإعادة العقول إلى الوطن تعزز المجتمع الإسرائيلي من خلال تقوية الطبقة الوسطى، وتوسيع الفرص في المناطق الطرفية، وتقليص الفجوات الاجتماعية، وضمان أن ينشأ الجيل المقبل في إسرائيل داخل دولة تواصل ريادتها العالمية في مجالات العلوم والطب والابتكار.

إسرائيل بين الأمس واليوم والغد

ويقول الكاتبان إن إسرائيل لا تستطيع أن تسمح لنفسها بخسارة أفضل عقولها، لا من الناحية الأخلاقية، ولا من الناحية الاستراتيجية، وبالتأكيد ليس من الناحية الاقتصادية.

ويلفتان إلى أنها أُقيمت على أيدي أشخاص أتوا إليها ليبنوا أنفسهم ويساهموا في بنائها، ومهمة جيلها الراهن هي ضمان أن يواصل علماء إسرائيل وأطباؤها وباحثوها القيام بذلك.

ويقولان إن مستقبل إسرائيل لن يُضمَن من خلال الموارد الطبيعية، بل من خلال رأس مالها البشري؛ لذلك يشددان على أن إعادة العلماء ليست مجرد مسألة وقف لهجرة العقول، بل هي مسألة ضمان مستقبل دولة إسرائيل نفسها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *