القاهرة – “القدس العربي”: في مقطع فيديو بثه مواطن مصري على “فيسبوك”، اشتكى فيه من أسعار الخضراوات، ظهر يحمل حقيبة بلاستيكية صغيرة بها حبات من الطماطم والخيار، وهو يصرخ: “يا سيادة الرئيس، يا رئيس الوزراء، يا سيادة المحافظ، هذه الخضراوات ثمنها 70 جنيهًا”.
المقطع يلخص حالة الغضب لدى المواطنين؛ بسبب ارتفاع أسعار الطماطم التي تشكل مكونًا رئيسيًا في مائدة المصريين.
فقد قفزت أسعار الطماطم في الأسواق لتسجل مستويات غير مسبوقة بوصول سعر الكيلو إلى 60 جنيهًا، ومثّل هذا الارتفاع المفاجئ عبئًا يضاف إلى الأعباء التي تتحملها الأسر المصرية، إذْ لم تعد السلعة الأساسية في متناول المواطن البسيط، وباتت الوجبات الشعبية التقليدية تحتاج إلى ميزانية قائمة بذاتها، ترهق المستهلكين في شتى المحافظات.
قفزت أسعار الطماطم في الأسواق لتسجل مستويات غير مسبوقة بوصول سعر الكيلو إلى 60 جنيهًا
وقفت سعدية، إحدى ربات البيوت في محافظة الجيزة، تشتكي من الأسعار، وقالت: “جئت إلى السوق ومعي 200 جنيه، لأجد سعر الطماطم يتعدى الـ60 جنيهًا، وكنت أنوي شراء كيلوغرامين من الطماطم، وكيلو من أي نوع من الخضار والبصل، وكيلو من الأرز لإعداد وجبة من دون لحوم لأطفالي، لكنني فوجئت بالأسعار، وسأعود من دون أن أشتري احتياجاتي”.
وأضافت: “لم نعد قادرين على مواجهة الغلاء الذي طال كل شيء. في السابق، كانت الأزمات التي تعيشها الأسر مرتبطة بالإنفاق على التعليم والصحة، أما الآن فالأمر وصل للطعام”.
سعدية، المواطنة الخمسينية، لديها 4 أبناء في مراحل التعليم المختلفة، تقول لـ”القدس العربي”: “راتب زوجي 8 آلاف جنيه، مطلوب منا أن ننفقه على التعليم وفواتير الكهرباء والغاز والمياه التي ارتفعت بشكل جنوني، وبات الطعام يحتاج لميزانية كبيرة، وحتى محاولاتنا اللجوء للوجبات البسيطة كالفول بالطماطم لتوفير النفقات باتت الآن تتطلب ميزانية خاصة تتجاوز قدرة الكثيرين”.
حيال شكوى السيدة، يقف محمد بائع الطماطم، يدافع عن نفسه أمام اتهامات البعض، ويقول: “المشكلة تشمل السوق بأكمله، لكون التجار يشترون المحصول بأسعار مرتفعة من المزارعين بالتزامن مع زيادة تكاليف النقل والشحن، ومن ثَمَّ يضطر الباعة لرفع الأسعار رغمًا عنهم لتجنب الخسارة، لا سيما وأنَّ الزبائن يصابون بالصدمة بمجرد معرفة السعر ويغادرون دون شراء، مما يترك البضاعة معرضة للتلف”.
الغضب حول ارتفاع أسعار الطماطم دفع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي لإصدار بيان توضيحي للرأي العام
الغضب حول ارتفاع أسعار الطماطم دفع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي لإصدار بيان توضيحي للرأي العام.
إذ أكدت أن الارتفاع الحالي في الأسعار هو “أمر مؤقت، ويعود بالأساس إلى انخفاض حجم المعروض نتيجة تضافر عدة عوامل مناخية وفنية متداخلة، تزامنت مع زيادة معدلات الطلب الاستهلاكي”.
وبينت أن “نقص المعروض جاء نتيجة تعرض البلاد خلال الأشهر الماضية لارتفاعات غير معتادة في درجات الحرارة والتذبذب الكبير بين طقس الليل والنهار، مما أثر سلبًا على عملية عقد الثمار والإنتاجية خاصة في الزراعات المكشوفة”.
ووفق البيان، “شهدت الفترة الحالية إطالة ملحوظة لفترة فاصل العروات بين نهاية العروة الشتوية وبداية الإنتاج الاقتصادي للعروة الصيفية، إلى جانب تراجع إنتاجية بعض مناطق الوجه القبلي بسبب الإجهاد الحراري مما رفع نسبة الفاقد في المحصول”.
وطمأنت وزارة الزراعة المواطنين بتوقع بدء تراجع الأسعار تدريجيًا خلال الفترة المقبلة، وذلك مع دخول مساحات جديدة من العروة الصيفية إلى مرحلة الإنتاج الفعلي، وزيادة الكميات الواردة للأسواق بما يسهم في تحقيق التوازن السعري المطلوب وضمان استقرار الأسعار.
وشددت على تبنيها خطة عاجلة لتعزيز استدامة الإنتاج، تشمل التوسع في الزراعات المحمية لتقليل التأثر بالطقس المكشوف، واعتماد أصناف تقاوٍ جديدة متحملة للحرارة العالية والإجهاد البيئي. كما تتضمن الخطة تفعيل نظم الإنذار المبكر للتقلبات المناخية لتوجيه المزارعين استباقيًا، وتطبيق برامج المكافحة المتكاملة للآفات، وتطوير منظومة التداول والنقل للحد من الهدر، مؤكدة استمرار جهودها لتعزيز قدرة القطاع الزراعي على التكيف مع المتغيرات المناخية وتوفير السلع للمواطنين بأسعار منخفضة.
لكن الوزارة لم تكتف البيان، بل أخرجت المتحدث باسمها، خالد جاد، عبر وسائل الإعلام، ليؤكد أن “السوشيال ميديا تصنع الأزمة”.
وأوضح أن “الطماطم من السلع التي تشهد تفاوتًا سريعًا في الأسعار”، واصفًا إياها بـ”السلعة المجنونة”، نظرًا لتغير أسعارها خلال فترات قصيرة.
وبين أن الطماطم تُزرع في مصر عبر 4 عروات زراعية على مدار العام، لافتًا إلى أن التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة أثرت مؤقتًا على بعض الزراعات.
الطماطم تُزرع في مصر عبر 4 عروات زراعية على مدار العام
وأكد أن ارتفاع الأسعار الحالي مرتبط بعوامل مؤقتة، من بينها قرب حلول عيد الأضحى وزيادة الطلب، موضحًا أن العروة الجديدة ستبدأ في النزول قريبًا.
وتوقع أيضًا انخفاض أسعار الطماطم خلال الأيام المقبلة، قائلًا إن الأسعار بدأت بالفعل في التراجع، وستواصل الانخفاض مع زيادة المعروض في الأسواق.
إضافة للعوامل التي ذكرها بيان الوزارة وكلام جاد، ذكر التصدير كأحد أسباب ارتفاع أسعار الطماطم.
وقال أحمد زكي، الأمين العام لشعبة المصدرين: “مصر تحتل مكانة متقدمة عالميًا في صادرات الطماطم، حيث تأتي في المرتبة الخامسة عالميًا في تصدير الطماطم الطازجة، بينما تحتل المركز الثاني عالميًا في تصدير الطماطم المجففة”، مؤكدًا أن “قطاع الحاصلات الزراعية المصرية يواصل تحقيق أرقام قوية في الأسواق الخارجية”.
وبيَّن في تصريحات متلفزة أن “صادرات مصر الزراعية تسهم بشكل كبير في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير العملة الصعبة”، لافتًا إلى أن “إجمالي الصادرات الزراعية المصرية يصل إلى نحو 13 مليار دولار سنويًا، منها ما يقارب الـ 50 مليون دولار صادرات طماطم طازجة، إلى جانب نحو 100 مليون دولار صادرات من منتجات الطماطم المصنعة”.
ولفت إلى أن “الارتفاع الملحوظ في أسعار الطماطم داخل الأسواق المحلية خلال الفترة الحالية يرتبط بعدة عوامل متزامنة، أبرزها التعاقدات التصديرية السابقة مع دول الخليج والسعودية بالتزامن مع موسم الحج، ما أدى إلى زيادة الطلب على المحصول خلال هذه الفترة”.
وأضاف أن “ارتفاع درجات الحرارة خلال الأسابيع الأخيرة تسبب في حدوث فاقد كبير بالمحصول، وهو ما أدى إلى انخفاض الكميات المعروضة في الأسواق المحلية مقارنة بحجم الطلب”.
وأكد أن “قلة المعروض بالتزامن مع زيادة الطلب ساهمت بصورة مباشرة في رفع الأسعار”، موضحًا أن “الطماطم من المحاصيل التي تشهد بطبيعتها تذبذبًا مستمرًا في الأسعار على مدار العام”.
إجمالي الصادرات الزراعية المصرية يصل إلى نحو 13 مليار دولار سنويًا
وقال إن “الطماطم تُعرف دائمًا بتقلباتها السعرية الحادة”، مضيفًا: “الطماطم طول عمرها مجنونة”.
وأوضح أن الأسواق من المتوقع أن تشهد انفراجة ملحوظة عقب انتهاء عيد الأضحى، مع زيادة حجم المعروض ودخول كميات أكبر من الإنتاج الجديد للأسواق، وهو ما سيسهم في تراجع الأسعار بصورة تدريجية.
وشدد على أهمية تحقيق التوازن بين التصدير وتلبية احتياجات السوق المحلية، مؤكدًا أن الصادرات الزراعية تمثل مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية، لكنها في الوقت نفسه يجب ألا تؤثر على احتياجات المواطنين خلال فترات الذروة وارتفاع الأسعار.
ولفت إلى أن الدولة المصرية حققت نجاحات كبيرة في ملف الصادرات الزراعية خلال السنوات الأخيرة، بفضل التوسع في الأسواق الخارجية وتحسين جودة المنتجات الزراعية المصرية، ما عزز من تنافسية المحاصيل المصرية عالميًا.
المزارعون، من جهتهم، يربطون بين ارتفاع أسعار الطماطم، بارتفاع تكاليف مستلزمات إنتاجها الزراعي.
نقيب الفلاحين، حسين عبد الرحمن أبو صدام، أكد أن الإقبال المتزايد على شراء الطماطم خلال الفترة الحالية يأتي بالتزامن مع استعدادات الأسر لعيد الأضحى، بالإضافة إلى زيادة الطلب من مصانع الصلصة والتصنيع الغذائي، وهو ما يضغط بقوة على الكميات المطروحة في الأسواق.
المزارعون يربطون بين ارتفاع أسعار الطماطم، بارتفاع تكاليف مستلزمات إنتاجها الزراعي
ولفت إلى أن ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج الزراعي لعب دورًا كبيرًا في زيادة الأسعار، لافتًا إلى أن أسعار الأسمدة والبذور والعمالة الزراعية والنقل شهدت زيادات متتالية خلال الفترة الماضية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تكلفة إنتاج المحصول.
وأكد أن تعدد حلقات التداول بين المزارع وتاجر الجملة ثم تاجر التجزئة يؤدي إلى زيادة الأسعار بشكل أكبر، مشيرًا إلى أن بعض الأسواق تشهد هوامش ربح مرتفعة نتيجة التضخم العام وارتفاع تكاليف النقل والتوزيع.
ولفت إلى أن التغيرات المناخية أصبحت من أخطر التحديات التي تواجه محصول الطماطم في مصر، موضحًا أن ارتفاع درجات الحرارة المفاجئ يساعد على انتشار بعض الأمراض والآفات الزراعية التي تؤثر على الإنتاجية وجودة الثمار.
وأضاف أن ضعف دور الإرشاد الزراعي، وعدم تطبيق بعض المزارعين لأساليب الزراعة الحديثة، يسهمان أيضًا في تراجع الإنتاج، إلى جانب الاعتماد على طرق بدائية في الجني والتداول تتسبب في فقد كميات كبيرة من المحصول قد تصل أحيانًا إلى 25%.