تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الحرب على إيران تصلح للدخول في متاحف التاريخ بوصفها قاعة التناقضات القصوى، ليس على امتداد أسابيع هذه الحرب وحدها منذ 8 شباط/ فبراير الماضي فحسب، بل أحياناً على مدى نهار واحد فقط، وبين ليلة وضحاها، أو بين جملة في الصباح وأخرى في المساء.
صحيح أن هذه الحال ليست جديدة على ترامب، من حيث تقلّب مواقفه طبقاً لما يُصبّ في أذنيه من تقديرات مستشاريه والمقربين منه، أو لأن انسياقه المأثور إلى العبارة الطنانة والبلاغة الجوفاء يدفعه إلى رأي ونقيضه في آن معاَ، أو كذلك لأن شخصيته ذات النرجسية الطاغية تسوّل له الانزلاق بسهولة إلى نبرة التهديد والوعيد قبيل اتضاح المخاطر والعواقب.
صحيح تماماً، في المقابل، أن مسلسل تناقضات ترامب حول الحرب على إيران يتكرر حلقة بعد أخرى بتأثير مباشر وحاسم من حقيقة أن خيارات الرئيس الأمريكي العسكرية، ومعها التأثيرات الاقتصادية واللوجستية والسياسية لتلك الحرب داخلياً وعالمياً، وصلت إلى طريق مسدود أو تكاد. إنها اليوم أدنى شعبية على امتداد المجتمع الأمريكي، كما تستقر أسباب رفضها لدى الشرائح ذاتها التي تتكون فيها جماهير ترامب وكتلة ناخبيه الأوسع.
الأحدث في هذا المضمار تصريحات الأمس القريب، حين أعلن ترامب أنه أعطى الأمر بتوجيه موجة جديدة من الضربات ضد إيران، لكي يتراجع بعد ساعات متذرعاً بإفساح المجال أمام «مفاوضات جادة للغاية»، ونزولاً عند طلب قادة قطر والسعودية والإمارات. وفي الآن ذاته كانت إعلانات على غرار صورته وهو يوشك على ضغط أزرار حرب نووية، أو توجيه إصبع الإنذار على متن حاملة طائرات أمريكية، تتابع إرسال إشارات الويل والثبور.
وبمعزل عن أقوال سابقة حصرت أمد الحرب في 4 أو 5 أسابيع، أو تغنت بتحقيق النصر ودحر إيران و»انتهاء» الحرب، لم يتردد ترامب في إطلاق تصريحات ترقى إلى مستوى جريمة حرب معلنة ضد «حضارة بأكملها» هدد بأنها سوف تندثر في إيران، ثم تراجع عن التهديد قبل انتهاء توقيت الإنذار الذي فرضه بنفسه.
وبينما ردد مراراً بأن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى أحد من أجل الانتصار على إيران، فإنه اندفع في حالات عديدة إلى تصريحات عدائية ضد دول أوروبية مثل إسبانيا وألمانيا وفرنسا، أو دولة حليفة تاريخياً مثل بريطانيا، عدا عن سحب آلاف الجنود الأمريكيين من ألمانيا، وتوبيخ الحلف الأطلسي والتهديد بالانسحاب منه.
ورغم أن قبضة ترامب تظل محكمة على الحزب الجمهوري وهو الآمر الناهي في معظم شؤون الحزب وسياساته وقراراته، فإن أحدث استطلاعات الرأي داخل أعضاء الحزب تؤكد معدلات انفضاض ملموسة عن قيادته، والتطلع إلى مرشح رئاسي جمهوري ذي مقاربات مستقلة عن نهج ترامب، خاصة حين تتصل المخاوف بالاقتصاد والسياسة الخارجية. وليس خافياً بالتالي أن قرار التراجع عن استئناف الضربات ضد إيران مرتبط مباشرة بانتخابات الكونغرس التمهيدية التي بدأت أمس في عدد من الولايات الحاسمة.