كان – «القدس العربي» : في العام الماضي 2025 شاهدنا في مهرجان كان فيلم «قيمة عاطفية» للمخرج النرويجي يواكيم ترير، الذي تناول العلاقة المتوترة الصعبة بين مخرج كبير وابنته الممثلة. وفي دورته الحالية لعام 2026، وهي الدورة التاسعة والسبعين للمهرجان (12 إلى 23 مايو/أيار الجاري) يتناول المخرج الإسباني رودريغو سوروغويين علاقة إشكالية مشابهة بين مخرج إسباني كبير وابنته الممثلة أيضاً. قد يتشابه الطرح الرئيسي للفيلمين ولكن التناول مختلف بصورة كبيرة.
في فيلمه «المحبوب»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان، يبدو سوروغويين مشغولاً بالتوتر الإنساني أكثر من اهتمامه بالعلاقة الصعبة بين الأب وابنته. كما في فيلمه «الوحوش» (2022)، تعيش شخصيات سوروغويين داخل اختبارات نفسية قاسية، حيث تتآكل الحدود بين الحب والسلطة، وبين الرغبة في القرب والرغبة في السيطرة.
وفي فيلمه الجديد «المحبوب» يبدو الفيلم أكثر قسوة وأشد توتراً؛ ليس فقط لأنه فيلم عن أب وابنته، أو عن مخرج سينمائي متسلّط، بل لأنه فيلم عن الطريقة التي يمكن للفن نفسه أن يتحوّل بها إلى شكل من أشكال العنف العاطفي والنفسي المقنّع بالأناقة والثقافة والعبقرية.
منذ المشهد الأول، يضعنا سوروغويين داخل دعوة غداء متوترة بين المخرج الشهير استيبان مارتينيز، في أداء مميز وحضور مهيمن مخيف من خافيير بارديم،. المدعوة على الغداء هي إيميليا، ابنة استيبان التي لم يرها منذ ثلاثة عشر عاماً، إيميليا، التي تؤدي دورها فيكتوريا لوينغو بحساسية داخلية شديدة الذكاء.

لا ترتفع الأصوات، ولا يحتد أحدهما على الآخر في بداية الغداء، لكن شيئاً ثقيلاً يطفو فوق الكلمات العابرة. استيبان يدعو ابنته للغداء للمشاركة في فيلمه الجديد، فيلم تاريخي عن الصحراء الغربية والاستعمار الإسباني، بينما تحاول إيميليا فهم ما إذا كان هذا العرض المهني محاولة للمصالحة، أم مجرد فصل جديد من لعبة قديمة لم تنتهِ أبداً؟ نلاحظ طوال دعوة الغداء تلك، أن التصوير يركز على وجه استيبان في لقطات مقربة، بينما نرى أجزاء مقتطعة من وجه إيميليا، كما لو أن وجه استيبان يكاد يبتلعها أو يخفيها تماماً. رغم دماثة الحديث، يبدو لنا كما لو أن مجرد وجود استيبان يقوض وجود إيميليا ويخفيها تماماً. سوروغويين لا يتعامل مع السينما هنا بوصفها فناً رومانسياً، أو مساحة رحبة للإبداع والتعبير عن الذات. على العكس تماماً، يبدو موقع التصوير في «المحبوب» أقرب إلى ساحة حرب نفسية، الكاميرا تراقب الممثلين والتقنيين وكأنها ترصد نظاماً كاملاً قائماً على الخوف والهيمنة، حيث يصبح المخرج أشبه بإله يطالب الجميع بالطاعة المطلقة.
وهنا تكمن عبقرية أداء بارديم، فهو لا يقدّم شخصية طاغية بالصورة التقليدية الصاخبة، بل يقدم رجلاً هادئاً، مثقفاً، كاريزماتياً، يعرف تماماً كيف يخفي عنفه داخل لغة ناعمة ونظرات باردة. استيبان ليس رجلاً شريراً أو قاسياً بصورة فجة، بل رجل يخفي جانبه السلطوي القاسي داخل صورته كفنان حساس وعميق وإنساني، بينما يدمّر الآخرين من حوله ويقوض ثقتهم بنفسهم بهدوء وثقة أخلاقية كاملة.
استيبان مدمن كحول سابق، يتحدث كثيراً عن النضج والتغيير، يشرب الماء الفوّار بدلاً من النبيذ، ويبدو كما لو أنه تجاوز ماضيه المضطرب. لكن الفيلم يكشف تدريجياً أن الرجل لم يتغير بقدر ما تعلّم كيف يغلّف غضبه بشكل أكثر تهذيباً. عندما تذكّره ابنته بحادثة قديمة اصطحبها فيها إلى مشاهدة فيلم في السينما وهو مخمور وتحت تأثير المخدرات، لينتهي الأمر بعراك مهين ترك فيها ندبة نفسية دائمة، لا يعتذر استيبان، بل يفعل ما هو أقسى من ذلك بكثير، فهو يلتجأ إلى ما يلتجأ إليه النرجسيون والمتلاعبون بالعواطف، فبدلاً من تطييب خاطرها والاعتذار، يشككها في نفسها وفي ذاكرتها، ويخبرها بأنها تتذكر الأمور بشكل خاطئ. هنا يصبح الفيلم شيئاً أكبر من مجرد دراما عائلية، إنه عن ممارسة التلاعب النفسي بوصفه ممارسة يومية، وعن الطريقة التي يستطيع بها الآباء إعادة كتابة الماضي بما يناسب صورتهم عن أنفسهم. إيميليا لا تواجه فقط أباها، بل تواجه روايته عن حياتها.
الفيلم الذي يصوره استيبان داخل الفيلم يدور حول الاستعمار الإسباني للصحراء الغربية، أي عن علاقات الهيمنة والقمع والاستغلال. لكن سوروغويين يبني مفارقة لاذعة هنا: الرجل الذي يصنع فيلماً تقدمياً عن العنف الاستعماري يمارس بدوره استعماراً عاطفياً على ابنته وعلى فريقه بأكمله. وكأن المخرج يقول إن الوعي السياسي لا يمنح أحداً حصانة أخلاقية، وإن أكثر الرجال قدرة على الحديث عن السلطة قد يكونون الأكثر افتتاناً بممارستها.
الفيلم داخل الفيلم في «المحبوب» ليس خلفية للأحداث، بل قلبها الحقيقي. سوروغويين مهووس بتفاصيل التصوير: ارتباك الممثلين، توتر مواقع التصوير، العلاقات الهشة بين الطاقم الفني. أحياناً يبدو الفيلم وكأنه دراسة تشريحية لفكرة المخرج العبقري نفسها، ذلك النموذج للمخرج الإله الذي كان يُسمح له بالصراخ والإذلال وتدمير الآخرين لأن الفن يتطلب ذلك، بل إن سوروغويين يسخر من تلك الفكرة في أحد أكثر مشاهد الفيلم سخرية في الفيلم. أثناء تصوير الفيلم داخل الفيلم يوجد مشهد غداء وتجمع للشخصيات الرئيسية على مائدة طعام. ويصر استيبان بصراخ غاضب على أن الممثلين، ومن بينهم إيميليا، يجب أن يمضغوا الطعام بصورة تبدو طبيعية، ويعيد تصوير المشهد العديد من المرات، حتى يضج الممثلون من أسلوبه الآمر المهين في الحديث ويبدأون في الضحك. يبدو الأمر كما لو أن سوروغويين يقول لنا، إن أفضل أسلوب للتعامل مع مثل ذلك السلوك الطاغي هو السخرية منه.
الممثلون يضحكون من التعب، والشمس حارقة، والإعادة تتكرر بلا نهاية. فجأة يتحول التصوير إلى طقس إذلال جماعي. استيبان يصرخ لأن الممثلين لا يأكلون الطعام بإحساس حقيقي أمام الكاميرا. يبدو الأمر سخيفاً ومخيفاً في الوقت نفسه. والعبقرية هنا أن سوروغويين يجعلنا نشعر بما يشعر به الجميع في الموقع: ذلك الرعب الصامت من رجل يعتقد أن نزواته الشخصية مرادفة للحقيقة الفنية. ورغم كل هذا، لا يتحول الفيلم إلى محاكمة أخلاقية يسيرة يبدو فيها استيبان مجرد وحش شرير. فاستيبان ليس وحشاً بغيضاً دوماً، بل إنسان مكسور أيضاً، عاجز عن الاعتراف بالندم الذي يسكنه. بارديم يمنح الشخصية لحظات هشاشة صغيرة وسط قسوتها، كأننا نرى رجلاً أدرك متأخراً جداً أن الفن الذي كرّس حياته له ابتلع كل شيء آخر: زوجته الأولى، ابنته، وربما حتى قدرته على الحب نفسه. نراه يحاول أن يكون أباً جيداً لطفليه الصغيرين من زيجته الثانية. ونراه رجلاً يحاول بقوة الابتعاد عن الكحول الذي كاد أن يدمر سنين شبابه، وأفسد علاقته بزوجته الأولى، والدة إيميليا.
أما فيكتوريا لوينغو، فهي القلب العاطفي الحقيقي للفيلم. أداؤها لا يعتمد على الانفجار، بل على تراكم الصمت والارتباك والنظرات المكسورة. إيميليا تدخل الفيلم وكأنها تحاول إقناع نفسها بأنها قادرة على التعامل مع والدها كممثلة محترفة وليس كابنته، لكن غضب الطفلة التي هجرها والدها يظل يطفو تدريجياً حتى يصبح وجودها كله مواجهة مفتوحة مع الماضي. ما تريده إيميليا ليس تبريرات أو قصص مختلقة من الأب عن أسباب غيابه، بل مجرد اعتراف منه أنه تسبب لها في الكثير من الحزن والألم وبأن غيابه عن عالمها أوجعها بصورة بالغة.
ما يجعل «المحبوب» فيلماً مؤلماً إلى هذا الحد هو أنه لا يمنحنا راحة الخلاص، لا توجد مصالحة كبيرة، ولا اعتراف كامل، ولا تطهير عاطفي نهائي. سوروغويين يبدو كما لو أنه يقول لنا، إن بعض الجروح لا تُشفى فعلاً، وإن الفن، رغم كل ادعاءاته النبيلة، قد يكون أحياناً مجرد طريقة أخرى للهروب من مواجهة الذات.
في النهاية، يبدو عنوان الفيلم ساخراً إلى حد القسوة. من هو «المحبوب» فعلاً؟ الابنة؟ السينما؟ صورة الفنان عن نفسه؟ أم السلطة التي يمنحها الإبداع لصاحبه؟ ربما الجواب الأكثر إيلاماً هو أن استيبان لا يحب أحداً بقدر ما يحب صورته كمخرج عظيم. وكل ما عداه، حتى ابنته، يتحول إلى مادة خام داخل هذا المشروع الأناني الكبير المسمى الفن.