القاهرة ـ «القدس العربي»: تشير عبارة (ابن البطة السودا) في العامية المصرية إلى الشخص المختلف عن المجموع، وهو ما يدعو هذا المجموع إلى نبذه بداية، وصولاً لاحتقاره، وقد يتعدد هذا الاختلاف من الأقل حظاً في الحياة إلى اختلاف اللون والجنس والطبقة، أو الفئة الاجتماعية التي ينتمي إليها أو يمثلها. ومن هذه العبارة ودلالتها يستمد العرض المسرحي عنوانه «ولاد البطة السودا»، ليستعرض العديد من أشكال التدمير الإنساني، فقط لكون هذا أو ذاك يبدو مختلفاً.
من ناحية أخرى لا يقتصر الأمر على الأفراد في المجتمع الواحد، بل وجهة النظر نفسها بين حاكم ومحكوم، يرى أنهم أقل مكانة، وكذلك بين دول غنية تدّعي التحضر، لكنها ترى جميع الشعوب الأخرى «ولاد البطة السودا».
العرض أداء .. محمد علي حزين، فرح رجب، محمد عبد المعز، جمال عبد الناصر، ولاء الجندي، وهمس شاكر. تصميم استعراضات علي جيمي، مايم مصطفى حزين، ديكور وملابس عبد الله محروس، إضاءة محمد عبد المحسن، صوت محمد جامع. دراماتورج وإخراج عبير علي. يُقام العرض على مسرح الهناجر في دار الأوبرا المصرية.

قابل للكسر
مجموعة من الشخصيات تتبدل مواقعهم داخل العرض أو الحكايات المنفصلة، وكذا المواقف المتعددة، رجال ونساء مقهورات، وحالة دائمة من المعاناة في أبسط حقوق وتفاصيل الحياة، التي قد تبدو عادية. رجل تركته زوجته لعاهة لا حيلة له فيها (عقيم)، وأخريات يتم التخلص منهن وفق مفهوم (الشرف)، حتى لو كان مرضاً يقتضي تدخلاً جراحياً لإنقاذ حياة فتاة، إلا أن هذا سيجعلها تفقد أعز ما تملك عائلتها، فتكون النتيجة أن تفقد روحها وتموت من المرض، إضافة إلى حالات مختلفة، بداية من الديانة ووصولاً إلى المزحات التي يطلقها القاهريون على الفلاحين والصعايدة، أو التي يطلقها الجميع على بعضهم بعضا، ليتضح أن المجتمع المصري مضروب بآفة العنصرية، وليس نسيجاً واحداً كما يتم الترويج له، هذا النسيج الذي ربما يتوحد أفراده في المصائب التي تطولهم جميعاً. وهكذا حالات، أبسطها طريقة ملابس الفتيات، ورفضهن صديقة تدخن، بينما هن يدخنّ خلسة، المهم، «ما حدش يعرف ويبقى شكلنا محترم قدام الناس». ومن فكرة تكوين الرأي العام هذه، تأتي المصائب والعقد النفسية وهشاشة الشخصيات من الداخل، وهو ما أدى إلى ترجمة هذه الفكرة بوضع الممثلين في صناديق خشبية كبيرة كصناديق البضائع والأشياء، مكتوب عليها.. (قابل للكسر).
أمل
وفي دائرة مغلقة ومكرورة الأفعال بعد استعراض المشكلة وبالكاد محاولة الوصول إلى حلٍ لها عن طريق مناقشتها وكشفها، بأن نصبح أكثر إنسانية، تأتي جرّافات ودبابات على شاشة في عمق المسرح، ليحاول الجميع الاختباء تفادياً لطلقات الرصاص التي يدوي صوتها ويصم الآذان. فهناك قوى أكبر تفتعل حروباً وإبادات لكل ما هو مختلف، من المجاعات إلى إبادة أهل غزة، أو بمعنى أدق كل مَن يُخالف مصالحها، فلا مكان ولا مكانة لبشر مختلفين. فالأمر يبدو آفة إنسانية أو فسادا لا يمكن تفاديه، ولكن يظل هناك أمل المحاولة في أن نليق ولو بالكاد بإنسانيتنا.
البناء الدرامي
رغم جديّة الموضوع والأفكار التي يناقشها العرض، إلا أنه لم يخلُ من سخرية ـ سوداء بالطبع ـ سخرية تدعو إلى الرثاء وتطلب من المُشاهِد أن يعيد النظر في بعض أفكاره في الحياة. ومن الحياة نفسها تتألف المشاهد المسرحية أو المواقف المتتابعة، من قضايا في الصحف، إلى مواقف وحكايات على صفحات فيسبوك، خاصة حكايات وتدوينات الممثل (ناجي شحاتة) عن مواقفه الحياتية وأزماته النفسية، وكيف نجح في تجاوزها، فقط بمساعدة أسرته وآخرين لم يزل لديهم الكثير من إنسانية، فالحياة لا تحتمل كل هذا الكُره والعداء لمجرد أنك لست مشابهاً مع الجميع.
من هذه المصادر المتنوعة جاء فعل (الحكي) المسرحي ليحتل المساحة الأكبر من العرض، إضافة إلى الاستعراضات الراقصة والأداء الحركي والغناء، وهو أمر محسوب لأصحاب العمل المتناغم إلى حدٍ كبير في أداء ممثليه وتفاصيل الحكايات، إضافة إلى كسر الإيهام من حين لآخر، حتى يُصبح المُشاهِد مُشاركاً فعلياً في العرض، من دون الاكتفاء بدوره كمتلقٍ فقط، وهي حيلة مُبررة كشكل من أشكال أن يُشارك ويتحمل مسؤولية ما يُعرض أمامه، ربما تتزحزح عنصريته، أو يكتشف فجاة كم هو عنصري من دون أن يدري!
ولكن.. مسألة الحكي نفسها يمكنها أن تمتد وتطول إلى ما شاء الله، وهو ما أثقل العرض وأصاب إيقاعه ببعض المشكلات.

