لندن – “القدس العربي”: نشرت مجلة “بوليتيكو” مقالا لناحال توسي قالت فيه إن المسؤولين العرب والأجانب يخشون من ترك الرئيس دونالد ترامب ملف إيران معلقا.
وتقول إنها عندما تتخيل المشهد العالمي الذي سيتركه الرئيس دونالد ترامب لخليفته، غالبا ما تفكر بالجدل الذي تثيره خططه لقاعة احتفالات في البيت الأبيض. فهل ستكون القاعة عند رحيله هيكلا غير مكتمل أم بناء قائما ومكتملا؟ وهل سيكون تصميمها معيبا للغاية أم مثيرا للجدل السياسي، بحيث لا يستطيع الرئيس القادم الاحتفاظ بها؟ وهل ستبرر كل الأموال المنفقة عليها في نهاية المطاف؟
وتجيب أن ترامب، على الأقل، هو في جوهره رجل عقارات، ولديه اهتمام شديد بقاعة الاحتفالات ويريد إكمالها قبل كانون الثاني/يناير 2029. إلا أنه يبدو أقل استعدادا لصياغة حلول دائمة للأزمات الجيوسياسية العالمية، بما في ذلك الأزمة التي ساهم في خلقها هذا العام في إيران.
وقالت إن ترامب وفريقه يقدمان رؤى عامة تبدو جميلة من الناحية النظرية، لكن ليس لديهم الكثير ليقدموه، وينتهون بحلول جزئية. صحيح أنهم قادوا اتفاقيات وقف إطلاق النار في مناطق بعيدة مثل جنوب شرق آسيا وقدموا رؤية لغزة، لكن الصراعات البنيوية العميقة لا تزال قائمة.
ترامب وفريقه يقدمان رؤى عامة تبدو جميلة من الناحية النظرية، لكن ليس لديهم الكثير ليقدموه، وينتهون بحلول جزئية
وأمام ترامب سنوات في منصبه ويمكنه التوصل إلى اتفاقيات مستدامة، ومن الصعب على أي رئيس حل العديد من التحديات العالمية المستمرة منذ عقود.
لكن ترامب أيضا يسارع إلى إعلان النصر والمضي قدما لمواجهة قضية أخرى.
وقال في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، في معرض حديثه عن وقف إطلاق النار في غزة: “أخيراً تحقق السلام في الشرق الأوسط”، لكنه أضعف، من جهة أخرى، قدرة الحكومة الأمريكية على القيام بجهود بناء السلام. وهذا يعني أن موجات من عدم الاستقرار ستتبع، على الأرجح، اتفاقياته الفضفاضة.
ونقلت الكاتبة عن دبلوماسي عربي قوله: “الإطار العام يمكن أن يكسبنا الوقت، أما الاتفاق الحقيقي فيغير السلوك”، مضيفا: “في الشرق الأوسط، يخشى الكثيرون أن تصبح “الأطر العامة” وسيلة لإدارة الأزمات بدلا من حلها”.
وقالت إن المسؤولين في الشرق الأوسط ودول أخرى يشعرون، في الوقت الراهن، بقلق بالغ من أن ينسحب ترامب من الحرب مع إيران دون حلها بشكل كامل.
صحيح أنه قد يوافق على وقف إطلاق نار غير محدد المدة. وربما قدم فريقه عرضا يتضمن نقاطا رئيسية تعد بمعالجة التحديات الكبرى في نهاية المطاف، مثل برامج إيران النووية والصاروخية الباليستية.
إلا أن قليلا من المسؤولين الأجانب يرون أن فريق ترامب سيحول هذا الإطار إلى اتفاق دائم وعميق يلبي مخاوف مختلف الأطراف، مثل المخاوف الإسرائيلية والعربية من استخدام إيران للميليشيات الوكيلة.
وهذا لأن ترامب يقصر النقاش على عدد محدود من الأشخاص الذين يثق بهم. فهو لا يثق بالبيروقراطية الأمريكية التي يمكنها توفير الكوادر والخبرات اللازمة. فمن خلال تخفيض الميزانية وإعادة هيكلة الإدارات والتسريح المباشر، طرد ترامب العديد من موظفي الحكومة المتخصصين في حل النزاعات العالمية أو في دول مثل إيران.
من خلال تخفيض الميزانية وإعادة هيكلة الإدارات والتسريح المباشر، طرد ترامب العديد من موظفي الحكومة المتخصصين في حل النزاعات العالمية أو في دول مثل إيران
ولا تزال العديد من السفارات الأمريكية تفتقر إلى سفراء قادرين على المساعدة في الحفاظ على مسار المفاوضات. إضافة إلى ذلك، دأب ترامب على إهانة دول رئيسية كان بإمكانها مساعدته في التوصل إلى اتفاق جاد، بل وعزلها.
وتوقع مسؤول خليجي قائلا: “سننتهي إلى هذه المنطقة التي نحن فيها، وهي منطقة لا سلام فيها ولا حرب، مع مناوشات صغيرة هنا وهناك. هذا هو الوضع الذي سنعيش فيه لفترة من الزمن”.
وعندما طلبت الكاتبة من البيت الأبيض التعليق على هذه المخاوف، تساءلت المتحدثة باسمه، أوليفيا ويلز، عن توقيت المقالة، وقالت: “هذه مقالة كتبت بعد أقل من عامين على تولي الرئيس ترامب منصبه، وبينما يستمر الذعر بين الأمريكيين، أثبت الرئيس ترامب أكثر من مرة أن الثقة به ضرورية”.
وتقول المجلة إن ترامب لديه أسلوبه الخاص في ادعاء النصر بغض النظر عن الظروف.
فهو يقول إنه أنهى بالفعل ثماني حروب على الأقل، وربما عشرا. لكن في العديد من تلك الحالات، لم يفعل سوى تعليق العمليات أو تخفيف حدة التوترات في نزاعات طويلة الأمد. فلم تحل الهند وباكستان خلافهما حول كشمير، ولا تزال الحدود بين تايلاند وكمبوديا غير مستقرة، فيما تواصل القوات الكونغولية قتال المتمردين الروانديين.
وإحدى الحروب التي يقول ترامب إنه أنهاها هي الحرب بين إسرائيل وإيران في حزيران/يونيو الماضي، والتي انضمت إليها الولايات المتحدة في أيامها الأخيرة. صحيح أن ترامب ساعد في التوصل إلى وقف إطلاق النار خلال ذلك النزاع الذي دام 12 يوما، لكن هل كانت تلك حربا بحد ذاتها أم مجرد بداية لحرب أخرى جارية الآن؟
ثم هناك غزة. فقد وضع ترامب ومبعوثاه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وكلاهما من رجال الأعمال في مجال العقارات ممن شاركوا في المفاوضات مع إيران، إطارا عاما متعدد المراحل يهدف إلى التوصل إلى حل طويل الأمد.
وللوهلة الأولى، يبدو هذا مخططا جيدا، فلا يزال وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه، رغم تعرضه لاختبارات متكررة، ساري المفعول. إلا أن الوقت الذي تم كسبه لم يحرز تقدما يذكر نحو سلام دائم.
فقد عانى “مجلس السلام” من مشاكل في تحديد هويته وسط نقص التمويل والعقبات اللوجستية والتساؤلات حول شرعيته الدولية والقانونية. فيما ترفض حماس نزع سلاحها، وأعادت فرض سيطرتها إلى حد كبير على أجزاء غزة التي لا تسيطر عليها إسرائيل.
عانى “مجلس السلام” من مشاكل في تحديد هويته وسط نقص التمويل والعقبات اللوجستية والتساؤلات حول شرعيته الدولية والقانونية
ولم تشكل قوة استقرار دولية بعد، إذ تتردد الدول في إرسال قوات إلى منطقة لا تزال تعاني من انعدام الأمن. ولا يزال المدنيون في غزة يعيشون في بؤس، محشورين في مساحة أضيق من ذي قبل.
ووصف أحد الدبلوماسيين الأوروبيين هذه السيناريوهات بأسلوب شعري قائلا: “ربما تفضل هذه الإدارة التعامل مع الغموض، كما في حالة القدرة السلبية عند كيتس، ولكن لأغراض سياسية”.
ولكن الغموض ليس الخيار الأسوأ في صنع السياسات، وقد اختاره العديد من الرؤساء السابقين عندما يكون اتخاذ موقف واضح محفوفا بالمخاطر لأسباب سياسية أو أمنية، كما في حالة تايوان. مع ذلك، قد يبدو الغموض أيضا غير فعال، ويؤدي إلى شلل في السياسات، كما في عجز إدارة بايدن عن اتخاذ موقف واضح بشأن الصحراء الغربية.
وتقول إنها عندما تشرح للمسؤولين الأمريكيين والأجانب أن الغموض والحلول الجزئية قد لا يؤديان إلا إلى تأجيل المشكلة، يجيبون بأن هذا غالبا ما يكون الخيار الوحيد المتاح لهم. فبعض التحديات عصية على الحل خلال ولاية رئاسية واحدة، والطموح المفرط إلى اتفاق سلام شامل قد يؤدي إلى الفشل.
وينصح مسؤولو إدارة ترامب والمقربون منهم بالصبر، مؤكدين أن أمامه ومساعديه متسعا من الوقت للمتابعة وتحقيق اختراقات. ويشيرون إلى اتفاقيات أبراهام والخطوات المتشددة التي اتخذها ترامب ضد الصين في ولايته الأولى كأمثلة على نجاحات مدروسة.
وعلق أليكس غري، الذي شغل منصبا في مجلس الأمن القومي خلال ولاية ترامب الأولى: “لا أعتقد أنه ينبغي لنا تجاهل اتفاقيات وقف إطلاق النار والمفاوضات الأخرى المصممة لحل المشاكل العاجلة، لأنه فقط من خلال حل هذه القضايا يمكننا أن نأمل في بناء أطر سلام أكثر استدامة وإحداث تغييرات جوهرية في النظام العالمي”.
وتعلق الكاتبة أن الصبر مهم في حالات مثل غزة وإيران وغيرها من الصراعات المستمرة. لكن الأهم هو كيفية استغلال هذا الوقت الثمين.
ويقول خبراء المفاوضات إن الأمر يتطلب دبلوماسية مستمرة واستعدادا لاتخاذ موقف حازم أحيانا مع الحلفاء، كما يتطلب خبرة وكفاءة. ويحتاج الأمر أيضا إلى مبعوثين يركزون تركيزا دقيقا على قضايا محددة، لا مبعوثين يتعاملون مع أزمات ضخمة كإيران وأوكرانيا وغزة في آن واحد.
وفي الوقت نفسه، يرى العديد من المسؤولين الأمريكيين والأجانب الحاليين والسابقين أن إدارة ترامب، بالتعاون مع إسرائيل، فاقمت المشكلة المعقدة أصلا التي تمثلها إيران، بدخولها في حرب دون استعداد كاف.
ويؤكد مسؤولون في المنطقة ضرورة أن يواصل الرئيس ومساعدوه السعي للتوصل إلى حل طويل الأمد ومتعدد الأوجه للحرب مع إيران. فالتداعيات واسعة النطاق لدرجة أن ترامب سيجد صعوبة في تجاهلها.
وعلق دبلوماسي عربي بارز قائلا إن الحرب تركت “آثارا محلية وعالمية مهمة جدا ولا يمكن تجاهلها، بل هي أكبر من آثار روسيا وأوكرانيا وغزة وفنزويلا”.
وأضاف دينس روس، المفاوض المخضرم في شؤون الشرق الأوسط، أن خليفة ترامب سيواجه، على الأرجح، بعض الأسئلة الجوهرية، من بينها: “هل فقدت القوة مصداقيتها كخيار؟ هل نسحب قواعدنا من المنطقة؟”.