لندن – “القدس العربي”:
نشرت مجلة “فورين أفيرز” مقالا لديفيد بي. روبرتس، الأستاذ المشارك في دراسات الشرق الأوسط بكلية كينغز في جامعة لندن، رسم فيه معالم النظام الجديد للخليج، والذي يقوم على أن تبني المنطقة أمنها لا أن تستورده.
وقال إن الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران وضعت دول الخليج في وضع لا تحسد عليه. وأصبحت القوات الأمريكية التي تستضيفها دول الخليج السبب الرئيسي وراء تعرض فنادقها وبنيتها التحتية للطاقة لهجمات إيرانية. ورغم تراجع القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير، فإن طهران ظلت قادرة على ضرب الخليج، إلى جانب سيطرتها القوية على مضيق هرمز.
ويعتقد روبرتس أن على قادة الخليج التوقف عن انتظار واشنطن لتحقيق نتيجة تخدم مصالحهم، والبدء في صياغة هذه النتيجة بأنفسهم.
أصبحت القوات الأمريكية التي تستضيفها دول الخليج السبب الرئيسي وراء تعرض فنادقها وبنيتها التحتية للطاقة لهجمات إيرانية
وأكد أن الخروج من هذا المأزق يتطلب التخلي عن الافتراض الذي هيمن على أمن الخليج لقرن من الزمان، وهو أن الأمن سلعة تباع وتشترى وليس قدرة تبنى. وهذا يستلزم من دول الخليج التعامل مع إيران بنفسها، بدلا من انتظار واشنطن للقيام بذلك نيابة عنها.
ومن هنا يجب أن يكون أي اتفاق بين دول الخليج وإيران على شكل معاهدة، يكون فيها الانسحاب العسكري الأمريكي التدريجي من قواعدها في الخليج حجر الزاوية في اتفاق إقليمي شامل. وعلينا التأكيد أن الانسحاب الأمريكي لن يكون تراجعا قسريا بفعل العدوان الإيراني، بل خطوة مدروسة. فلعقود رغبت إيران بمغادرة الولايات المتحدة للخليج. ولتحقيق ذلك، إلى جانب التخفيف التدريجي للعقوبات الدولية، ستقدم طهران تنازلات واسعة النطاق: قيود على برامجها النووية والصاروخية، ووقف عدوانها، وخطوات نحو تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع جيرانها.
ويرى روبرتس أن إعادة ضبط العلاقات الخليجية بشكل جذري ستكون بداية نظام إقليمي جديد. إلا أن التسوية وحدها غير كافية، إذ يجب إعادة تأهيل جيوش الخليج لخوض الحروب.
فلعقود طويلة، عهدت الأنظمة الملكية بأمنها إلى شركاء دوليين، وقواتها تعكس هذا الترتيب. وأشار الكاتب إلى سوابق تاريخية توضح كيف خان الرعاة الخارجيون دول الخليج، فقد تنازلت بريطانيا عن ثلثي الأراضي الكويتية عام 1922، وتخلت عن حلفائها في اليمن في ستينيات القرن الماضي، وعندما سحبت قواتها البريطانية من الخليج عام 1971، بعد وجود استمر بشكل أو بآخر لنحو 150 عاما، رضخت لاستيلاء إيران على ثلاث جزر إماراتية.
ولم يكن سجل واشنطن أفضل حالا، ففي عام 1979 وقفت الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي بينما أطاحت الثورة في إيران بشريكها الإقليمي الرئيسي آنذاك. وخلال الربيع العربي، لم تقدم واشنطن أي دعم لشركائها في البحرين ومصر. وفي عام 2019، امتنعت واشنطن عن الرد بشكل فعال بعد هجوم مدعوم من إيران على أكبر مصفاة نفط في السعودية، في بقيق. وفي عام 2025، تعرضت قطر، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة، للقصف من قبل إيران، ومن قبل إسرائيل بشكل منفصل.
وأشار إلى استثناء رئيسي واحد، وهو تحرير الكويت بقيادة الولايات المتحدة من القوات العراقية عام 1991، لكن قادة الخليج يبالغون في تقدير أهميته. فقد تدخلت الولايات المتحدة لأن ذلك كان يخدم مصالحها في لحظة هيمنة أحادية القطب. فهذا الحادث لا يشير إلى الطريقة التي ستتصرف فيها أمريكا عندما لا تتوافق مصالحها مع دول الخليج.
ويقول روبرتس إن فشل الحماية الخارجية ليس سوى جانب واحد من مشكلة أعمق. فكثيرا ما تعاني دول الخليج، كما هو الحال في أوروبا، من عدم الجدية في الشؤون العسكرية، حيث تكتفي بوهم أن الولايات المتحدة ستوفر لها الحماية إلى أجل غير مسمى. ولا يوجد أي مبرر استراتيجي يفسر لماذا لم تطور دول الخليج، التي تعتمد اعتمادا كبيرا على الصادرات البحرية، والتي ظلت لفترة طويلة عرضة لتهديدات زرع الألغام الإيرانية في مضيق هرمز، قدرات عالمية المستوى في مجال كشف الألغام. وبدلا من ذلك، تركت هذه الخبرة البحرية بالكامل تقريبا لبريطانيا وأمريكا.
فشل الحماية الخارجية ليس سوى جانب واحد من مشكلة أعمق. فكثيرا ما تعاني دول الخليج، كما هو الحال في أوروبا، من عدم الجدية في الشؤون العسكرية، حيث تكتفي بوهم أن الولايات المتحدة ستوفر لها الحماية إلى أجل غير مسمى
ويجب على جيوش الخليج، والحالة هذه، بناء قدرات قتالية حقيقية.
ونجت الجمهورية الإسلامية من حرب وجودية دامت ثماني سنوات مع العراق، دمرت اقتصادها وأودت بحياة مئات الآلاف من الإيرانيين، إلى جانب عقود من العقوبات وحملة اغتيالات إسرائيلية استهدفت شخصيات بارزة في النظام. والآن، وبعد مرور أشهر على واحدة من أطول حملات القصف التي شهدتها المنطقة على الإطلاق، لا يزال النظام قائما ويواصل إطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ على جيرانه. وعليه، فالرهان على انهياره بالضغط وحده رهان لا يدعمه التاريخ.
وتنتهي جميع الحروب، ولكن السؤال الوحيد هو: هل سيتحقق التوصل إلى تسوية بعد أشهر أم سنوات؟ وعادة ما يسعى الخصوم الألداء في النهاية للتوصل إلى حلول وسط، كما فعلت إيران ودول الخليج في الماضي. وقبل أن تتحول الحرب الحالية إلى كارثة، ينبغي لإيران ودول الخليج السعي إلى إبرام معاهدة تنسحب بموجبها الولايات المتحدة من قواعدها في المنطقة مقابل تنازلات مماثلة من إيران. ومن شأن هذه المعاهدة أن ترسي الأساس لنظام إقليمي جديد، تحدد فيه دول الخليج شروط أمنها بنفسها بدلا من الاعتماد على جهات داعمة قد لا تتوافق مصالحها دائما مع مصالحها.
وسيؤدي انسحاب أمريكي تدريجي على مدى خمسة أعوام إلى محو أحد أهم العوامل الهيكلية لانعدام الأمن في الخليج. ويتطلب ذلك مغادرة القوات الأمريكية للمنشآت الرئيسية في المنطقة: قاعدة العديد في قطر، ومقر الأسطول الخامس في البحرين، وقاعدة الظفرة في الإمارات، وقاعدة علي السالم ومعسكر عريفجان في الكويت، وقاعدة الأمير سلطان في السعودية، مع الحفاظ على البنية التحتية سليمة، وتعهدا بالعودة السريعة في حال ظهور أي تهديد خطير.
وتعتبر العقيدة الاستراتيجية الإيرانية الوجود العسكري الأمريكي الإقليمي تهديدا وجوديا وهدفا مهما في استراتيجيتها الردعية.
وفي حال أصبحت إيران تشعر بأنها لا تواجه تهديدات وجودية من الولايات المتحدة وإسرائيل، فستكون أقل ميلا إلى توسيع قدراتها العسكرية بشكل دائم.
وفي المقابل، فلن يكون أي انسحاب أمريكي من طرف واحد أو غير مشروط. ففي مقابل الانسحاب الأمريكي، وهو مكسب لم يعرض من قبل، من المرجح أن تكون طهران مستعدة لتقديم تنازلات أكثر مما قدمته بموجب أي اتفاق سابق.
وفي هذا السياق، تعتبر المسألة النووية محورية، فأي تسوية معقولة ستشهد عودة إيران للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشروط أكثر صرامة من تلك الواردة في خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015. ويمكن لبرامج دول الخليج النووية المدنية أن تشكل أساسا لإطار عمل للتفتيش المتبادل والشفافية وبناء الثقة. وهذا بدوره سيحد من العمليات الإسرائيلية الأحادية ضد إيران. وستكون طهران أقل سعيا لامتلاك القنبلة النووية إن شعرت أنها لم تعد تواجه تهديدا وجوديا.
ويجب أن توقع إيران على معاهدة شاملة لعدم الاعتداء تشمل تحديد مدى صواريخها الباليستية وحمولاتها، وأن تنهي دعمها للجماعات، مما يفتح المجال أمام التعاون الاقتصادي الإقليمي، ويمنح كلا الجانبين مصلحة مادية في استدامة الاتفاق. وتهدف المعاهدة إلى تحويل الخليج من ساحة صراع إلى منطقة اقتصادية متكاملة تتحمل فيها جميع الأطراف، بما فيها إيران، تكاليف النزاع.
وقد يعترض البعض على أن إيران لن تلتزم بمثل هذا الاتفاق، بحجة أن الجمهورية الإسلامية مدفوعة بمبادئ عقائدية لا يمكن لأي نظام حوافز تغييرها. ويشير السجل التاريخي إلى أن إيران مدفوعة بأيديولوجية، وهو ما يفسر استثمارها المستمر في شبكات الوكلاء في جميع أنحاء المنطقة ورفضها التخلي عن معاداة الصهيونية، وهي ركيزة أساسية للثورة، حتى لو كان ذلك سيخفف من عزلتها الدولية.
لكنها أيضا، من جهة أخرى، تتمتع بمرونة استراتيجية، فقد تشكلت سياستها الخارجية بفعل الحوافز والردع. ولطالما كانت إيران عملية، إذ تاجرت مع إسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي، وتمتعت بفترات من الانفراج الإقليمي في تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة، والتزمت بخطة العمل الشاملة المشتركة لأكثر من عام بعد انسحاب واشنطن عام 2018، ثم واصلت الامتثال جزئيا، وأعادت العلاقات مع المملكة العربية السعودية عام 2023.
السؤال ليس ما إذا كانت إيران جديرة بالثقة، بل ما إذا كانت الحوافز المعروضة كافية لجعل الامتثال هو الخيار الأسهل
والسؤال ليس ما إذا كانت إيران جديرة بالثقة، بل ما إذا كانت الحوافز المعروضة كافية لجعل الامتثال هو الخيار الأسهل. وفي هذا الصدد، فإن الهيكل المقترح هنا، المتمثل في تخفيف العقوبات على نطاق واسع وإزالة الوجود العسكري الأمريكي، يعرض على الطاولة أكثر مما طرحه أي إطار تفاوضي سابق.
وأكد الكاتب ضرورة مشاركة دول الخليج في أي تسوية، لا أن تكون متفرجة. ولكي ينجح ذلك، على دول الخليج أن تشترط تجديد التزامات الولايات المتحدة، المدونة في المعاهدة، مع الحفاظ على البنية التحتية العسكرية سليمة، وكذلك إلزام الولايات المتحدة بالعودة في حال ظهور تهديد خطير.
ويعتبر هذا الترتيب مكسبا واضحا لأنظمة الخليج، إذ يوفر لها الطمأنينة والردع دون وجود عسكري أمريكي استفزازي ترفضه طهران.
ومع تبلور ملامح التسوية وانسحاب الولايات المتحدة التدريجي لقواتها، يتعين على دول الخليج تعزيز قدراتها لردع إيران. فهي ليست عاجزة عن الدفاع عن نفسها، إذ تمتلك أنظمة دفاع صاروخي عالمية المستوى.
أما السؤال الأصعب فهو: كيف سيبدو التعاون بين دول شهدت تاريخا حديثا من الحصار دام ثلاث سنوات ونصف السنة على إحدى دولها؟ صحيح أن التكامل الكامل غير وارد، لكنه ليس النموذج الوحيد. فالتنسيق الثنائي، فضلا عن تحالفات الدول الراغبة المبنية على مهام محددة، يمكن أن يحقق الكثير من الأثر العملي دون الحاجة إلى اتحاد سياسي أثبتت المنطقة عجزها عن تحقيقه.
ويمكن أن يتخذ التعاون أشكالا عديدة: الأمن البحري في مضيق هرمز، وتبادل بيانات الإنذار المبكر بشأن عمليات الإطلاق الإيرانية، والتدريبات المشتركة للدفاع عن الموانئ والمصافي، واعتراض أسراب الطائرات المسيرة، وإزالة الألغام. ولا يتطلب هذا مشاركة كل دولة خليجية في كل مبادرة، بل يكفي مشاركة عدد كاف منها في المبادرات المناسبة.
وبالنسبة لواشنطن، يقدم الانسحاب التدريجي المدعوم بتسوية إقليمية شاملة ما لا يقدمه المسار الحالي: خروجا مشرفا يعبر عن حنكة سياسية لا تراجعا، وتسوية تقيد طموحات إيران النووية بشكل ملموس، وتنهي عقودا من الانتشار المتقدم، وتنتج اتفاقا خليجيا مستداما. من شأن كل ذلك أن يعالج معظم المشاكل التي برزت بسبب الحرب الحالية.
كما أن الجائزة بالنسبة لإيران هي ما لم تحققه أربعون عاما من الموقف الثوري وسياسة حافة الهاوية النووية. فتخفيف العقوبات بشكل كاف لإعادة تنشيط النمو أهم بالنسبة للنظام من أي نصر عسكري خارجي، ذلك أن التهديد الداخلي من شعب شاب متعلم يظل خطرا أكبر على الجمهورية الإسلامية من أي تحالف أجنبي.
وفي النهاية، ستساعد المعاهدة دول الخليج على الإقلاع عن عادة الاعتماد على الأمن الأمريكي، وتذكرها بأن الأمن لا يشترى من الخارج، بل يبنى في الداخل.