أحمد مراني يطلب مناظرة أبو جرة سلطاني.. خلاف تاريخي بين وزيرين من التيار الإسلامي في الجزائر يشعل سجالا واسعا


الجزائر- “القدس العربي”: تفجر السجال بين اثنين من قيادي التيار الإسلامي في الجزائر، أحمد مراني وأبو جرة سلطاني، على خلفية شهادة أدلى بها الأول عن طريقة استوزار الثاني في بودكاست مصور يتعرض لسنوات التسعينيات التي عانت فيها الجزائر من الأزمة الأمنية، قبل أن يتحول الخلاف إلى تبادل اتهامات علنية ودعوات إلى مناظرة تلفزيونية.

القضية بدأت بعد تصريحات أدلى بها أحمد مراني، الوزير الأسبق للشؤون الدينية وأحد القياديين السابقين المنشقين الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي فازت بالدور الأول لانتخابات 1991 قبل أن يتم حلّها لاحقا. وذلك خلال ظهوره في بودكاست “للتاريخ” على قناة “الخبر”، حيث تحدث عن ظروف تعيين أبو جرة سلطاني وزيرا في الحكومة عن حركة مجتمع السلم خلال تسعينيات القرن الماضي.

وقال مراني إن سلطاني “جاءه إلى المنزل باكيا” بسبب حديث عن إمكانية طرده من إقامة نادي الصنوبر التي كانت مخصصة لمسؤولي وإطارات الدولة في الضاحية الغربية للعاصمة الجزائرية، مضيفا أنه تدخل شخصيا لدى رئيس الحكومة الأسبق مقداد سيفي، ومدير الإقامة من أجل إبقائه هناك. وأضاف أن هذا الوضع دفعه لاحقا إلى ترشيح اسم سلطاني لتولي حقيبة وزارية، لأنه كان “قريبا منه” و“لم يكن له مكان يذهب إليه في حال طرده”، على حد قوله.

كما تحدث مراني عن اتصالات قال إن قياديين من حركة مجتمع السلم أجروها مع مسؤول كبير في جهاز المخابرات آنذاك، معترضين على تعيين أبو جرة سلطاني في الحكومة رغم أنه ينتمي لحزبهم، لكنهم فوجئوا بعد ذلك بتعيينه، حيث إن ذلك المسؤول أكد لهم أن القرار “جاء من فوق”.

ولأن هذه التصريحات عدّت “مهينة” في حقه، نشر أبو جرة سلطاني الذي يشغل منصب سيناتور حاليا، ردا مطولا تحت عنوان “خللي البير بغطاه يا سي مراني”، اتهم فيه مراني بإطلاق “أوهام من نسج خياله” وبتقديم “تصريحات غير مسؤولة” تتضمن أحكاما وصفها بالجزافية في حق شخصيات تاريخية ودينية وسياسية.

وقال سلطاني إن مراني لجأ إلى الحديث عن شخصيات متوفاة أو أخرى لا تستطيع الرد، معتبرا أنه تهرب من الإجابة عن أسئلة وصفها بالمفصلية خلال البودكاست، خاصة عندما تعلق الأمر بوقائع تاريخية أو بأشخاص ما زالوا على قيد الحياة. كما اتهمه بالتناقض، مشيرا إلى أن حديثه عن “بكاء” سلطاني لا ينسجم مع قوله في الوقت نفسه إن قرار تعيينه “جاء من فوق”.

وفي رده، نفى سلطاني بشكل قاطع الرواية التي قدمها مراني بشأن وساطته لبقائه في إقامة نادي الصنوبر، مؤكدا أن تلك القصة “مفبركة ولا أساس لها من الصحة”، وأنه كان يقيم هناك “بأمر من الباب العالي”، وهي العبارة التي استخدمها في الإشارة إلى مسؤولين أكبر من مراني منحوه امتياز الإقامة في نادي الصنوبر.

وأكد سلطاني أن الشخص الذي اقترحه لشغل المنصب الوزاري هو الشيخ محفوظ نحناح، مؤسس حركة مجتمع السلم، وليس أحمد مراني، مضيفا أن شاهده على ذلك ما يزال حيا، في إشارة إلى الحاج لخضر بكار. كما أوضح أنه تعرف على مراني في منزل نحناح، نافيا أن يكون بحاجة إلى وساطته أو إلى تدخل منه لدى أي جهة رسمية.

وفي معرض تفنيده لرواية مراني، قال سلطاني إنه لم يكن يعاني من أي مشاكل مادية أو تنظيمية خلال تلك الفترة، سواء من حيث راتبه كأستاذ جامعي أو إقامته أو علاقاته مع المسؤولين، مضيفا أنه “لم يكن بحاجة إلى ذرف الدموع أمام موظف بسيط”، في إشارة إلى مراني الذي كان يشغل آنذاك منصب مستشار في الوزارة الأولى.

وحذر سلطاني من فتح ملفات المرحلة الأمنية، معتبرا أن قانون المصالحة الوطنية يمنع الخوض في قضايا من شأنها “تغذية الأحقاد أو المساس بالسلم العام”، قبل أن يلمح إلى امتلاكه معطيات إضافية قد يكشف عنها لاحقا إذا استمر الجدل.

ولم يتوقف السجال عند هذا الحد، إذ عاد أحمد مراني للرد عبر اتصال هاتفي مع قناة “الحياة”، متمسكا بروايته، ومؤكدا أن أبو جرة سلطاني زاره مرتين في منزله “وهو يبكي بالدموع”، بحسب تعبيره، بسبب محاولة بعض قياديي “حمس” طرده من إقامة الدولة بالصنوبر البحري.

وقال مراني إنه تدخل شخصيا عندما كان مستشارا في رئاسة الحكومة لمنع طرده، مضيفا أنه هو من اقترح اسم سلطاني عندما طُلب منه تقديم أسماء للمشاركة في الحكومة ضمن الحصة الممنوحة لحركة “حماس”.

وأضاف أن كشفه لهذه الوقائع جاء “عمدا”، لأن سلطاني ـ حسب قوله ـ كان قد اشترط على رئيس الحكومة الأسبق أحمد أويحيى إبعاده من وزارة الشؤون الدينية مقابل دعم حركة “حمس” للحكومة بعد الانتخابات التشريعية لسنة 1997.

وفي رسالته إلى سلطاني، قال مراني إن من حاولوا إبعاده من إقامة الصنوبر البحري “لم يكونوا هو، بل أصدقاءه داخل حمس”، قبل أن يتحداه في مناظرة تلفزيونية مباشرة، متعهدا بالكشف عن “كل الحقائق والوثائق” التي يمتلكها بشأن تلك المرحلة.

ورد أبو جرة سلطاني مجددا عبر اتصال هاتفي مع قناة “الحياة”، معلنا رفضه الدخول في مناظرة تلفزيونية مع مراني، ومؤكدا أنه لا يريد تحويل الخلاف إلى “قضية إعلامية مفتوحة”. وقال سلطاني إن مراني عبر عن رأيه “بأسلوب لا يليق”، مضيفا أنه يفضل أن يتوقف السجال عند هذا الحد، من دون تصعيد إضافي أو فتح ملفات جديدة تتعلق بفترة التسعينيات.

ويعيد هذا السجال إلى الواجهة الخلافات القديمة بين شخصيات إسلامية لعبت أدوارا مختلفة خلال سنوات الأزمة الأمنية في الجزائر، كما أعاد النقاش حول طبيعة العلاقة التي كانت تربط بعض الأحزاب الإسلامية بمراكز القرار في تلك المرحلة، وسط استمرار الجدل بشأن كثير من الوقائع المرتبطة بتلك الفترة، والتي أعادت إحياءها برامج البودكاست التي تستضيف شخصيات كانت فاعلة في تلك الفترة.

وكانت حركة مجتمع السلم قد دخلت الحكومة في الجزائر منتصف التسعينيات في عز فترة الأزمة الأمنية، وهو الخيار الذي كلفها آنذاك انتقادات واسعة من أطراف داخل التيار الإسلامي، خاصة من قبل الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة، التي اعتبرت مشاركة الحركة في مؤسسات السلطة نوعا من المساندة للمسار السياسي الذي أعقب توقيف المسار الانتخابي مطلع سنة 1992 بعد فوز الجبهة في الدور الأول من الانتخابات التشريعية.

ورغم أن أحمد مراني كان قد انشق مبكرا عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ ودخل في مواجهة علنية مع عدد من قادتها، قبل أن ينحاز إلى السلطة ويتولى مناصب رسمية خلال تلك المرحلة، إلا أن الخلاف التاريخي بين مكونات التيار الإسلامي ظل يتجدد مع مرور الوقت بأشكال مختلفة، سواء عبر ملفات المشاركة السياسية أو تقييم مرحلة الأزمة الأمنية أو طبيعة العلاقة مع السلطة، بما يظهر أن إرث تسعينيات القرن الماضي لا يزال حاضرا بقوة في الذاكرة السياسية الجزائرية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *