مفهوم الرواية السيرية
رغم أهمية الوقائع المرجعية التي تختزنها البنية السردية في رواية «أحببتُ أنسي الحاج» للكاتبة السورية نهلة كامل (دار التكوين، دمشق، 2026)، فإن صياغة هذه الوقائع وإعادة تشكيلها في نص أدبي معين ينبغي أن تكون له الأولوية الأولى من منظور علم النص؛ لأن هذه الرواية لا تستمد قيمتها الأدبية من أهمية شخصياتها ووقائعها المرجعية، التي تُحيل إلى محضن اجتماعي محدد، بل تستمدها من آلية تشكيلها الفني التي نهضت على المزج بين «السيري» و»المُتخيل» في نص سردي يتكئ على تقنيات الكتابة في جنسين أدبيين متغايرين هما «الرواية» و»السيرة الذاتية»، وفي ظني أن هذا المنحى من الكتابة هو الذي جعل هذا النص ينضوي تحت مفهوم «الرواية السيرية»، التي تستعير وقائعها من حياة كاتبها، وتحاول استثمارها في توليد بنية نصية جديدة تجمع بين المرجِعي والمُتخيل معا في نص سردي واحد.
حول مفهوم الرواية
في ظني أن مفهوم «الرواية»، عموما، ينهض أساسا على اختلاق وقائعه، وتخيل حدوثها في زمكان محدد، ثم إعادة زجها واستثمارها في بنية فنية مُختلَقة من اجتراح الكاتب نفسه، وإنْ كان من الممكن أن يستعير هذه الوقائع من محضن اجتماعي خبِره، وعاش فيه، وذاق حلوه ومره، كما فعل غائب طعمة فرمان في «النخلة والجيران»، وصنع الله إبراهيم في «تلك الرائحة»، وجبرا إبراهيم جبرا في «صيادون في شارع ضيق»، ونبيل سليمان في «ينداح الطوفان»، وأحمد يوسف داود في «الأوباش»، ولميس الزين في «الفناء الخلفي»، ومفيد عيسى أحمد في «الدوار الجنوبي»، غير أن الوقائع المذكورة لا تكتسب حمولتها الدلالية من السياق المرجعي الذي تُحِيل عليه، بل تكتسبها من خلال وضع وقائعها في نسق مجازي شكله الكاتب بنفسه، متكئا على استعادة هذه الوقائع من ذاكرته، وإعادة تشكيلها وفق رؤية جمالية مُحددة تعيد تشبيك ماضيه وحاضره معا.
وفي مثل هذا النص الأدبي لا تبقى الوقائع كما هي، بل يُعَاد تخليقُها من جديد بحيث تكتسب هُـوِية وحمولة دلالية جديدة بعد تعالُقها مع النسق اللغوي الذي تناسَجتْ معه؛ كما أنها تفارق مرجعها الأصلي الذي استُقِيتْ منه، وتغدو عناصر سردية جديدة في بنية نص أدبي مُتخيل، وتكتنز بدلالة مغايرة لما كانت عليه في مرجعها الواقعي، وهذا يعني أنه يطرأ عليها تحول كبير على المستويين الشكلي والدلالي، وتغدو قادرة على منح النص الذي تناسجت معه مفهوما جديدا لم يكن يكتنزه من قبل.
آلية تشكيل النص
ويرشح نص «أحببتُ أنسي الحاج» بتقديم أدلة تؤكد هذا، ذلك أن نهلة كامل استعارت بعض شخصياتها من الذاكرة والواقع الموضوعي الذي خبِرتْه، وعاشت فيه قبل عقود، وأقامت مسافة جمالية بينها وبين هذه الشخصيات، وأفقدتها أسماءها التي كانت تُعرَف بها في الواقع الموضوعي، ومنحتْها أسماء جديدة لم تكن لها من قبل، وجعلت هذه الشخصيات تلتقي بشخصياتها المُتخيلة في فضاء مجازي مصنوع من الورق واللغة، وأمست هذه الشخصيات نفسها شخصياتٍ مُتخيلة، لأنها انفصلت عن المرجع الواقعي الذي استُمِدتْ منه، واكتسبت وظيفتها السردية وحمولتها الدلالية من التحاقها ببنية سردية مُتخيلة، لا من انتسابها إلى مرجع خارجي مُحدد. فأنسي الحاج بقي في نص نهلة كامل محتفظا باسمه الذي عُرف به في الواقع الموضوعي، وظل هو الشاعر نفسه الذي تعرف إليه المتلقي في الفضاء الثقافي العربي، وقرأ له بعض قصائده ودواوينه الشعرية، وقد أسندت إليه الكاتبة دورا سرديا مهما في النص، وجعلته يلتقي مع راويتها المشاركة (إيفا)، ويُقِـيم معها علاقة حب تتسق مع كونه شخصية سردية لا شخصية مرجعية وحسب؛ ولذا اكتسب قيمته الفنية وأهميته السردية من خلال هذه العلاقة لا من خلال كونه صوتا خارجيا يحيل على شخص مرجعي له اسم مُحدد يُعرَف به بين الناس، والأمر نفسه ينطبق على شخصيات أخرى استدعتْها الكاتبة من ذاكرتها، وأدخلتها إلى نصها، وجعلتها تحمل الأسماء نفسها التي عُرِفت بها في المرجع الخارجي الذي عاشت فيه، كمحمود درويش، وناجي العلي، وحنا مينة، وبندر عبدالحميد، ودعد حداد، وخليل صويلح، وغيرهم، وإنْ كانت الكاتبة لم تُسنِد إلى هذه الشخصيات أدوارا وظيفية فارقة في بنية النص، وأتت على ذكرها عرضا، ولذا بقيت هذه الشخصيات طافية على سطح النص، ولا تأثير لها في مسار الأحداث، أو في تطور الحبكة، بخلاف أسماء مرجعية أخرى أدخلتها الكاتبة إلى المتن الحكائي، وجعلتها تلتقي مع شخصيتها المحورية (إيفـا) لقاء دائما أو عابرا، غير أنها مع ذلك أحدثت تغييرا في طبائع هذه الشخصيات وأسمائها وأدوارها الوظيفية، لكي تمنع القارئ من إحداث نوع من المطابَقة بينها وبين الشخصيات الواقعية التي تُحِيل عليها، وإذا كان قد صعب على المتلقي معرفة أسماء بعض هذه الشخصيات ومعرفة أصحابها الحقيقيين، بسبب غياب المؤشرات الوثائقية الدالة على هُويتها الحقيقية في متن النص، وإذا كان القارئ أيضا قد أخفق في معرفة أن «حسين» في النص هو القاص حسن. م يوسف وأن «محمود» هو الشاعر عادل محمود، إلا أنه لم يخفق في معرفة أن «نبيل عبدالله» في النص هو سعدالله ونوس، لأن الوقائع التي أسندتها الكاتبة إلى «نبيل» في متنها الحكائي قام بها «سعد الله ونوس» نفسه في الواقع المرجعي الذي يُوهِم به النص، ولذلك سهل على المتلقي أن يقوم بالمطابَقة بين «نبيل» وسعد الله، ويتعامل معهما على أنهما شخص واحد، وهو ما قام به سامر محمد إسماعيل في مقاله المنشور عن الرواية في صحيفة الـ»INDEPENDENT عربية» (السبت، 25 أبريل/نيسان 2026) حين قرأ الرواية في ضوء نظرية المطابَقة بين المرجِع والمُتخيل.
حول آلية المطابقة
وفي ظني أن هذه المطابقة لا تُثري النص نفسه، ولا تضع يديها على جمالياته السردية؛ لأنها لم تستنبط أهميته من آلية تشكيله الفني، ومن الدور الذي أسنِد إلى شخصيته المُتخيلة في المتن الحكائي للنص، بل استنبطتْها من كون «نبيــل» شخصية مُتخيلة لا شخصية واقعية من لحم ودم، وقد انصب اهتمامُها على إيجاد ملامح التشابُه بينه وبين سعد الله، وتمت قراءة الشخصية نفسها والحكم عليها في مقال سامر محمد إسماعيل في ضوء كون النص وثيقة تاريخية واجتماعية لا نصا مجازيا، ولذا لم تُعِــر القراءةُ اهتماما إلى ما بين النموذجين المُتغايِرين من تفاوت نوعي بسبب كون أحدهما، وهو «نبيــل»، موجودا في بنية سردية مُتخيلة، ويستقي أهميته من كونه عنصرا سرديا في هذه البنية، في حين أن الثاني، وهو سعدالله، شخصية حقيقية من لحم ودم، وينتسب إلى محضن واقعي محدد، وقد حرص النص على موضعة جوانب من حياة هذه الشخصية في نصه، وأغفل جوانب أخرى، ولم يرَها ضرورية لاكتشاف مناحي التقاطُع والاشتباك بين نموذجه الفني، والنموذج الواقعي الذي يُحِيل عليه.
وفي ظني أيضا أن أي قراءة تقوم بالمطابقة المذكورة تنهض على آلية في الوصف والحكم لا علاقة لها بآلية تشكيل النص في الأدب، وتتعامل مع النص على أنه وثيقة تاريخية واجتماعية، وتُغفِل الخصائص النوعية الموجودة فيه، وتقرؤه في ضوء العوامل الخارجية الموجودة في محيطه، وتتعامى عن آلية تشكيله الأجناسية، وتصفه بما ليس فيه، وتطلق عليه أحكاما لا تنبثق من طبيعته النصية، وتتكئ على آلية في القراءة والتوصيف والحكم تجاوزتها السرديات المعاصرة، وأمست مُستهلَكة ولا قيمة نقدية لها في الوقت الحالي.
كاتب سوري