لندن- “القدس العربي”: ناقش المعلق في صحيفة “الغارديان” سايمون تيسدال في مقال له، أن هناك أملا في تراجع قوة الثلاثي دونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مشيرا إلى أن هذا التراجع لا يبدو في الأفق، لكن الإشارات تقودنا نحو هذا الاتجاه.
وقال الكاتب إن انخفاض معدلات التأييد لهؤلاء الحلفاء الثلاثة الذين ينفثون السموم، يعني أن الناخبين محبطون ومتعبون من الحروب التي لا تنتهي، وقد يتنفس الغرب الصعداء قريبا.
وتساءل تيسدال في البداية: “هل تشعر بالاكتئاب حيال ما يجري في العالم؟ هل يساورك القلق بشأن المستقبل؟”.
انخفاض معدلات التأييد لهؤلاء الحلفاء الثلاثة الذين ينفثون السموم، يعني أن الناخبين محبطون ومتعبون من الحروب التي لا تنتهي
ويجيب أنك لست الوحيد، فقد بات التشاؤم السياسي هو الوضع السائد بين شعوب الغرب، فالصراعات الكبرى في أوروبا والشرق الأوسط، والأضرار الناجمة عن التطرف اليميني واليساري، والركود الاقتصادي، وعدم المساواة، والفساد، والإرهاب، والعنصرية، وشركات التكنولوجيا العملاقة، والانقراض الجماعي، وأزمة المناخ، كلها كوابيس يشترك فيها الجميع.
وأضاف أن عدد الأشخاص الذين يرفضون ببساطة التفاعل مع الأحداث الجارية عبر وسائل الإعلام يتزايد، لأنها تثير القلق الشديد.
وأشار إلى استطلاع أجراه معهد رويترز العام الماضي، قالت فيه نسبة 40% من المشاركين في حوالي 50 دولة، إنهم يتجنبون الأخبار تماما في بعض الأحيان أو في كثير من الأحيان، بزيادة قدرها 29% عن عام 2017.
وقال إن المشاعر السياسية الأوروبية تتسم، وبدرجة أقل في أمريكا الشمالية، بسلبية شديدة.
ففي فرنسا، اعتقدت نسبة 90% ممن استطلعت آراؤهم شركة “إيبسوس” أن بلادهم تسير في الاتجاه الخاطئ. وفي بريطانيا، بلغت النسبة 79%. أما في ألمانيا فقد سجلت النسبة 77%، وفي الولايات المتحدة 60%.
وعلق تيسدال أن الأوروبيين يشعرون بتشاؤم مماثل حيال الصورة العالمية الأوسع، على عكس الصينيين والسعوديين والنيجيريين الذين يسود بينهم التفاؤل، وفقا لاستطلاع أجرته مؤسسة “غلوبسكان”.
وفي استطلاع رأي آخر أجراه مركز بيو للأبحاث في 25 دولة العام الماضي، وجد أن معظم الناس، وليس جميعهم، يعتبرون الولايات المتحدة وروسيا والصين من أكبر التهديدات الدولية.
وبالنسبة للأتراك، على سبيل المثال، تعد إسرائيل الخطر الرئيسي. أما بالنسبة لليونانيين، فالخطر هو الأتراك. ويزداد الأمر تعقيدا، فكندا واحدة من عدة دول تعتبر فيها الأغلبية الولايات المتحدة التهديد الرئيسي والحليف الرئيسي في آن واحد.
ويعتقد تيسدال أن خيبة الأمل من الديمقراطية وعدم الرضا عن القادة السياسيين ظاهرة غربية واسعة الانتشار وتثير الاستقطاب.
وتتفاقم الانقسامات، حيث يكافح كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، الذي تبلغ نسبة تأييده 27% وفقا لموقع “ستاتيستا”، من أجل البقاء. ومع ذلك، فإن شعبية المستشار الألماني فريدريش ميرتس، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أقل بكثير، حيث تبلغ 19% و18% على التوالي.
كما انخفضت شعبية دونالد ترامب إلى حوالي 38%، متخلفا عن خصمه اللدود، رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي بلغت شعبيته 54%.
وفي روسيا، تراجعت شعبية فلاديمير بوتين، التي كانت مرتفعة تاريخيا، بشكل كبير. ولا يمكن التأكد من أرقام ونسب شعبية شي جين بينغ، ذلك أن التعبير عن الآراء بحرية يعتبر خطيرا. وفي الهند يحظى ناريندرا مودي بشعبية بين أنصاره القوميين الهنود.
وقال الكاتب إن الوسيلة المتاحة للرأي العام هي التعبير عن الرفض للأحزاب والشخصيات السائدة في السياسة، من خلال البحث عن الأحزاب المناهضة للوضع الراهن والتي تسعى فعليا إلى هدم النظام، وتشمل هذه الأحزاب يساريين راديكاليين مثل حزب فرنسا الأبية، وقوميين شعبويين يمينيين مثل حزب البديل من أجل ألمانيا وحزب الإصلاح البريطاني وحزب الجمهوريين المؤيد لترامب، رغم أن هذه الأحزاب لا تقدم سوى وسيلة للتعبير عن الغضب لا الحلول، وهو ما يدعو للكآبة.
ولكن كيف يمكن تغيير وعكس هذا التيار الجارف من حالة التشاؤم وفقدان الأمل؟
ويجيب الكاتب أننا بحاجة إلى نماذج إيجابية، ملاحظا أن تحولات إيجابية تجري في كل من روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل، التي كانت في قلب الاضطرابات العالمية الكبرى في العقد الماضي.
وعليه، فتغيير الوجوه وتهميش كل من بوتين ونتنياهو وترامب، الذين يعدون أبرز رموز هذه الأزمة، قد يسهم إلى حد كبير في تغيير روح العصر.
ولو أخذنا روسيا أولا، فرئاسة بوتين لم تكن أضعف مما هي عليه في أي وقت مضى منذ غزوه الشامل لأوكرانيا قبل أكثر من أربع سنوات.
تغيير الوجوه وتهميش كل من بوتين ونتنياهو وترامب، الذين يعدون أبرز رموز هذه الأزمة، قد يسهم إلى حد كبير في تغيير روح العصر.
فقد طال أمد “عمليته العسكرية الخاصة”، التي تخيل أنها ستحقق نصرا سريعا، أكثر من “الحرب الوطنية السوفييتية العظمى” ضد النازيين، والتي يقول إنها تشبه حربه الحالية. فقد قتل ما لا يقل عن 350,000 جندي روسي حتى الآن فيها.
وكبدت الحرب روسيا تكاليف اقتصادية باهظة، فاقمتها العقوبات الغربية. وأدت إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب، فيما فرضت قيود على الإنترنت لكبح جماح الانتقادات.
وبطريقة أخرى، تمثل حرب بوتين إهانة وطنية كبيرة. فلم تصمد أوكرانيا فقط، بل أبدت مقاومة قوية، معتمدة على تكنولوجيا الطائرات المسيرة. وكان من المحرج لبوتين تخفيض مستوى عرض “يوم النصر” السنوي في الساحة الحمراء، تحسبا من هجوم جوي أوكراني.
كما تشير تقارير حديثة إلى أن بوتين، الذي قلص ظهوره العلني ويقال إنه يواجه معارضة من زعماء الفصائل المتنافسة و”المسؤولين الأمنيين” الذين يدعمونه في السلطة، يخشى الاغتيال أو الانقلاب.
وربما كان هذا تضليلا غربيا يهدف إلى زعزعة استقرار النظام، وسواء أكان هذا صحيحا أم لا، فإن تصريح بوتين الأسبوع الماضي بأن الحرب “تقترب من نهايتها” كان ردا، وإن كان غامضا، على ضغوط داخلية متزايدة.
أما نتنياهو، وهو شخصية محورية أخرى في المواجهات الجيوسياسية والعسكرية الأخيرة، فيواجه أيضا مأزقا قد يكون قاتلا، ويواجه رئيس الوزراء الأطول خدمة مواجهة انتخابية حاسمة مع توحد أحزاب المعارضة لإسقاط ائتلافه اليميني المتشدد الحاكم. ويجب إجراء انتخابات عامة بحلول نهاية تشرين الأول/أكتوبر، ومن المتوقع أن يكون محورها “بيبي”.
وتشمل قائمة القضايا ضد نتنياهو، هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتردده في إجراء تحقيق مستقل كامل فيه، وفشله في تحقيق وعده “بتدمير” حماس في غزة، حيث يتهم بارتكاب جرائم حرب هناك، وكذا تقويضه المزعوم للقضاء الإسرائيلي والعمليات الديمقراطية، وتأجيل محاكمته مرارا بتهم الفساد.
وفي الوقت الحالي، تتشكل آراء الناخبين الإسرائيليين من خلال قرار نتنياهو التنسيق مع ترامب لشن الحرب الكارثية على إيران، وفشل الولايات المتحدة وإسرائيل المشترك، حتى الآن، في القضاء على برنامج طهران النووي وصواريخها، والفوضى العالمية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب إصراره على مواصلة “الحروب الأبدية” واحتلاله غير الشرعي للبنان، وقد يجد صعوبة في النجاة من حكمهم.
أما ترامب، فلا يكاد يحتاج إلى معارضين، فهو العدو اللدود لنفسه. فبتجاهله الصارخ للمصاعب الاقتصادية التي فرضها فشله في إيران على الأمريكيين ذوي الدخل المحدود، يخون الشعب الذي انتخبه.
وقد ساهمت سياسة ترامب الخارجية المتهورة، من حروبه التجارية إلى إنكاره لأزمة المناخ وإساءة معاملته للحلفاء الأوروبيين وحلف الناتو وتهديداته بالتوسع الإمبريالي وتملقه للديكتاتوريين المستبدين، كما رأينا الأسبوع الماضي في بكين، في استياء الغرب وتشاؤمه الشعبي وشعوره باليأس.
إلا أن هذه القضايا لا تحسم الانتخابات الأمريكية، فالاقتصاد هو الفيصل دائما، ولأن ترامب يفسد الاقتصاد، فمن المرجح أن يخسر الجمهوريون السيطرة على مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر، وربما مجلس الشيوخ أيضا. ومن شأن انتصارات الديمقراطيين أن تحد من قدرة ترامب على إلحاق الضرر، وقد تنذر بعزله.
وعليه، هناك أمل في وضع يتحول فيه ترامب إلى بطة عرجاء.
لو تم التخلص من بوتين وهزيمة نتنياهو وتجريد ترامب من قوته، فعندها سيشعر العالم بأنه أصبح مكانا مختلفا تماما
ولو تم التخلص من بوتين وهزيمة نتنياهو وتجريد ترامب من قوته، فعندها سيشعر العالم بأنه أصبح مكانا مختلفا تماما. صحيح أنه حتى في الكرملين ما بعد بوتين، قد يبقى النظام نفسه، الفاسد والقمعي والمزعزع للأوضاع، لكن أي رئيس يخلفه سيسعى على الأرجح لإنهاء حرب بوتين المدمرة، من أجل روسيا إن لم يكن من أجل أوكرانيا.
وفي إسرائيل، لن يغير رحيل نتنياهو من هاجس الأمن الذي يسود البلاد بعد عام 2023، ولكن بافتراض استبعاد أحزاب اليمين المتطرف من الحكومة المقبلة، فمن المأمول أن تخف حدة الاستنزاف والاضطهاد والتهجير القسري للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
وباتت إسرائيل المعزولة، التي تضررت سمعتها بشدة، بحاجة ماسة إلى مراجعة شاملة لتحديد نوع الدولة التي تطمح أن تكون عليها. ويجب محاسبة نتنياهو، مثل بوتين، أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وماذا يخبئ المستقبل لترامب بعد انتخابات التجديد النصفي؟ قد يعزل دستوريا من منصبه. وقد يبقى يصرخ ويهذي ويفقد أهميته تدريجيا. وقد يهدد ترامب بمزيد من “التدخلات” العسكرية الخارجية. ولكن عندما تمضي القافلة، فإنه حتى الإسكندر ونابليون يتخلفان عن الركب.
ولكن هناك أمرا واحدا أكيدا، وهو أن إنهاء عهد ترامب المليء بالأخطاء سيساهم في تطهير العالم. فبعد تحرر شعوب الغرب المنهكة والمختنقة منه ومن رفيقيه السامين، سنتنفس الصعداء، وسيعود الأمل والثقة، وسيكون لدى الناس أخيرا ما يدعوهم إلى الفرح، بحسب رأي الكاتب.