استوقفني عجز النساء عن التعبير… وإذ بـ «حصار الأجنة في مستشفيات غزّة» هو السبب


كسراً لحاجز الصمت كان فيلم «سيجيء يوم آخر» فارتفع الصوت معلناً رفض الإبادة

بيروت ـ «القدس العربي»: أدركت المخرجة الفلسطينية الشابة عايدة قعدان عن سابق تصور وتصميم أن كماً من المشاكل ستعترض طريقها للتعبير عن أفكارها من خلال السينما. لكنّها درست وثابرت وتخرّجت من جامعة تل أبيب.

بدأت التحديات منذ اليوم الأول للدراسة عندما دخلت الفصل وعرّفت عن نفسها: أنا مُحتَلَة أي مفعول به. وأنتم مُحْتلون أي فاعل. وهكذا تتالت أيام الدراسة ومنها سعت عايدة لتعلّم أقصى الممكن من أدوات صناعة السينما. وكان فيلم التخرج «فراولة» هو الأول. سنوات سبع فصلته عن فيلمها الثاني «سيجيء يوم آخر» يستند إلى الصوت كشخصية رئيسية في هذا الفيلم الوثائقي. مضمون يُعلي صوت الأمل، ومهما طال الزمن، الحق سيعود إلى أهله، ولا بديل.
تشارك عايدة قعدان في سوق الأفلام في مهرجان كان السينمائي كمنتجة ومخرجة من ضمن وفد «مؤسسة الفيلم الفلسطيني»، حيث يسوّق «سيجيء يوم آخر» إلى جانب غيره من الأفلام الفلسطينية. وتسعى لتنظيم عرض خاص للفيلم في «البلاد».
هنا حوار مع عايدة قعدان:
○ عبّر الفيلم عن الصمت القاتل الذي التزم به الفلسطينيون وما يزالون منذ بدأت المجازر في غزّة. كيف اخترت النماذج لتقول ما قالته؟
• في الواقع تطورت آلية العمل على الفيلم مع الوقت. بحكم عملي كمذيعة راديو طرحت دعوة عامة للناس، وطلبت منهم أن يرسلوا لي يومياً من 11 إلى 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 تسجيلاً صوتياً، وإبقاء هويتهم مجهولة اسماً وعملاً وإقامة. بين المرحلة الأولى والثانية من هذه المهمة بتّ حيال هدف واضح. اتجهت إلى تنويع الأصوات لتُعبّر عن شرائح أوسع في المجتمع الفلسطيني. بحثت عن أطباء، وطلاب الجامعات، وعن أصوات من طبقة فلسطينية مرتاحة اقتصادياً، وعن فلاحين. وفي هذه الاختيارات كنت متأثرة بكتاب فرانس فانون «المعذبون في الأرض» وبشرائح المجتمع المختلفة، وكيفية استيعابها للاستعمار.
○ وصلتنا كمتلقين أصوات ومشاعر. فهل هذا ما قصدته؟
• فعلا. الهدف أن يكون الفيلم مدخلاً للعاطفة، ولما يجول من أفكار لدى الفلسطيني في الداخل. لم أكن أبحث عن منطق أو شرح. رغبت بأن يشعر المتلقي في أي مكان في العالم، معنى أن يعيش الإنسان في بيت ليس ببيت. وأن يشعر أنه في مكان هو نقيضه على الدوام. وما معنى أن تكون موجود، وأن تحارب بكل لحظة المحو، وتحارب لتكون موجوداً. إنه المدخل.
○ إلى ماذا احتكمت عملية دمج الأصوات بالمشهدية السينمائية؟
• كنت حيال أكثر من تمرين. عندما وصلت إلى المونتاج كان بحوذتي أكثر من تسع ساعات من الأصوات. شغّلت الأصوات التي احتفظ بها على هاتفي وسرت في بلادي. وهكذا كانت المشهدية هي التي أخذتني إلى الصوت.
○ أين فاجأتك دردشات الثامنة مساءً؟
• ثمانية أيام من الدردشة، آليت على نفسي أن لا أسمعها ألاّ مع نهايتها. وهكذا بدأت بالاستماع إليها في 19/11، ووجدت بينها قواسم مشتركة كثيرة. بعضهم لجأ إلى الشعر والغناء لعجزه عن الكلام، معظمهم كانوا من الشباب، وبعضهم أرسل تسجيلات تعود لشهر مضى. فقد كنا حيال الأسابيع الأولى والإبادة في أوجها، والصدمة لا توصف. لاحظت إجماع النساء في 15/11 على القول «نحن فاقدات القدرة على الكلام». هذا التكرار والإجماع النسائي دفعني لدى سماع التسجيلات في 19/11 للبحث في أحداث ذاك اليوم؟ الحرب كانت قد دخلت مرحلة حصار الأجنة في مستشفيات غزة. حوافزي كإنسان لإنجاز هذا الفيلم أني فقدت التواصل مع مجتمعي، وبت أخاف. وهكذا شعرت من جديد أننا واحد.
○ هل فعلاً طُمست رائحة الزعتر والمريمية تحت الإسفلت كما سمعنا في الفيلم؟
• حيث الإسفلت نعم طمست الرائحة، لنعود إلى المنتزهات الطبيعية وهي تحت سيطرة ما يسمى «السلطة الوطنية الإسرائيلية للطبيعة»، ولها حق تجريم من يلتقط الزعتر والمريمية. فيما ندرك تماماً كأصلانيين في البلاد أن نباتات الزعتر والمرمية تنمو كلما تمّ حصادها. تحويلهما لنبات محمي بإدعاء القانون الإسرائيلي، قمع رائحتهما، ولم نعد نشمها خلال المشي لكونها لا تتجدد. وما يُطلق عليه منتزهات طبيعية زُرعت بأشجار السرو، ونباتات أخرى غير عضوية ليست ذات صلة بالبلاد، ولهذا فهي تحترق تقريباً في كل صيف. أشجار السرو تنمو سريعاً، وتمّ اعتمادها كوسيلة لتشجير البلاد التي أشاعوا بأنها صحراء. وهكذا أتى بن غوريون بشجر قريب لشجر أوروبا وسريع النمو. وأحد الإنجازات التي تباهى بها بن غوريون تشجير صحراء النقب، وهو لا يدري أنه خالف قانون الطبيعة، ولهذا تتعرض للإشتعال على الدوام، ومن مهمات ذاك السرو السريع النمو أن يخفي آثار قرى وبلدات فلسطينية تم هدمها.
○ وهل تُخفي الزيب على سبيل المثال؟
• بل الزيب هو المشهد الموجود. تلك القرية باتت محمية طبيعية، ودخول الشاطئ يفرض بدلا مالياً. في تلك المنطقة فنادق صغيرة، قرية الزيب من أجمل شواطئ فلسطين، وبات اسمها «أخزيف».
○ كيف تفاعل الجمهور وخاصة الفلسطيني مع الفيلم في كندا حيث كان عرضه الأول في مهرجان هوت دوكس للأفلام الوثائقية في تورنتو؟
• رافقت الفيلم بمفردي إلى كندا، وكانت الأسئلة تدور في رأسي عن الجمهور ومن سيكون وردات الفعل، شعرت ببعض القلق قبل بدء العرض. فاجأني العدد الكبير من الفلسطينيين الذين وفدوا إلى الصالة. كثير منهم عبّروا عن شوقهم للـ»البلاد» التي تركوها، وبعضهم شعر بحزن بالغ لرؤيتها وقد تغيرت كثيراً، وخاصة حيفا، هذا التغيير لفتني خلال تصويري للفيلم. ففي سنة 2021 كنت أسير في شوارع المدينة بحرية أكبر، حالياً أشعر بأني مُكبلة. الإحساس بأن المدينة والبلد برمته يتغير، مقيم بداخل كل منا، إنما المشاهد التي نقلها الفيلم، تركت لدى المتلقي حباً باكتشاف الأمكنة لمن لا يعرفها من الأجانب والعرب، وشوّقت الفلسطنيين المهاجرين للعودة ومحاولة اكتشاف بلادهم من جديد.
○ وصفك للبلاد أشعرني وكأنك لأول مرة تتجولين فيها بهدف تصوير الفيلم؟
• مطلقاً. الطبيعة ملاذي وإليها أعود على الدوام، ألفّ في البلاد دائماً. قاعدتي في الحياة اكتشاف بلدي، ومن ثمّ السعي لاكتشاف العالم. لأول مرة أوثق بالفيديو مشاهداتي والأماكن التي أحبها، كل لقطة في الفيلم تعود لمكان عشت فيه، أو لي قصة معه.
○ وماذا في سيرتك المهنية أيضاً؟
• فيلمي الأول «الفراولة» أنجزته قُبيْل انتقالي إلى سنتي الجامعية الثالثة. إنها سيرة «سمير» الذي يعيش في رام الله، ويحلم بمشاهدة البحر. حاول ونجح في مشاهدة بحر فلسطين.
○ عندما يدرس أو تدرس الفلسطينية الإخراج السينمائي في وطنها المحتل كيف تشق طريقها إلى المهنة؟
• لكل طالب وطالبة يدرسون السينما تجربتهم الخاصة. أحكي عن تجربتي الشخصية، فعندما دخلت الجامعة لدراسة السينما سنة 2013 كنت الفلسطينية الوحيدة في دفعتي. ومن المؤكد كان هناك طلاب وخريجين سبقوني وآخرين أتو بعدي. اتضح لي سريعاً ضرورة أن اجتهد لاكتساب أدوات المهنة بهدف صناعة السينما، وكي أتمكن من أن أحكي قصصي. وفي الفصل الدراسي الأول دخلت الصف وبحضور البروفسور قلت لهم «أنا مُحْتَلة» أي مفعول به، وأنتم «مُحتلّون» أي فاعلين. ومن هذا المنطلق تتم قراءة الأعمال. من المؤكد أني واجهت صعوبات لإيجاد عمل لكوني لا أعمل في مؤسسات إسرائيلية. قصدت رام الله، ومن الواضح أن صناعة السينما الفلسطينية قليلة جداً، ولفتني كم يصعب على الفلسطيني بناء العلاقات، إنما في رام الله بتّ أكثر قرباً إلى العالم العربي، وفيها بتّ مكشوفة لهذا العالم. بين «فراولة» و«سيجيء يوم آخر» سبع سنوات، والسبب صعوبة التمويل، خاصة وأني مقاطعة لأي تمويل إسرائيلي. كذلك هناك صعوبة في إقناع الآخرين بأني فلسطينية، وجواز سفري لا يعلن هويتي وانتمائي. إنجاز جميل أن الصناديق العربية التي تدعم الأعمال الفنية والسينمائية العربية، بدأت مؤخراً دعم الأعمال السينمائية الفلسطينية. الطريق صعب نعم، لكنه يستحق القرار، وكذلك يستحق أن أبحث عن معيشتي في عمل آخر كالراديو مثلاً. وهذه التجربة تركت أثرها على الفيلم، فهو يعتمد على الأصوات.
○ هل حفّزك أحد أو إحدى صانعات السينما في فلسطين لأن تكون السينما اختيارك للمستقبل؟
• قد يكون الجواب «كليشيه»، لكن «معليش» هو ايليا سليمان. عندما كنت في المدرسة درست الإعلام في الصف العاشر. مُدَرِّستي السيدة ماريا فرح عرّفتني على ايليا سليمان، ومعها شاهدت فيلمه «سجل اختفاء» فاُبهرت. كما عرّفتي إلى بعض من الذين عملوا معه خلال تصوير فيلمه «الزمن الباقي» سنة 2008. وهؤلاء قدموا لي ايليا سليمان كشخص. ومن حينها بات البحث عن ايليا سليمان مهمة دائمة بهدف التعرّف إليه أكثر. ومن ثمّ تعرّفت إلى سينما هاني أبو أسعد عام 2011، وتأكدت بأن صوتنا يمكنه أن يصل، وأن لغتنا تتضمن ما هو مثير. نعم أنا متأثرة جداً بلغة ايليا سليمان، وهذا ظهر في فيلم «فراولة». في حين أن فيلم «سيجيء زمن آخر» بدت فيه آثار للسينما العالمية كما كريس ماركر، وشانتال أكرمان، وايليا سليمان وآخرين كما الصديق ثيو باناغوبولوس. مخرجون تعلمت منهم ضرورة التأمل بالأمور.
○ وهل كان «فراولة» مشروع تخرجك من جامعة تل أبيب؟
• نعم وهو فيلم ذو هوية فلسطينية واضحة لغة ومضموناً. المُحتل ليس موجوداً في الواجهة، إنما كل ما هو قائم يجسّد نتاج الاحتلال. عُرض الفيلم في مهرجانات فلسطينية، وسافر إلى العالم بإسم فلسطين، لم يكن سهلاً ترويجه كفيلم تخرّج ومن جامعة إسرائيلية، أثّرت المقاطعة على ترويجه، وتفهمت الأمر. نعم تمكنت من التعبير عن نفسي، وفي الظرف الذي أعيشه، وفي العمر الذي انتمي إليه، وبالأدوات التي امتلكها، عبّرت عن هويتي ونفسي بأفضل طريقة ممكنة.
○ قرأت في سيرتك الذاتية أنك ضمن مجموعة «راويات أخوات في السينما». بماذا يُعنى هذا التجمّع؟
• تأسس التجمع عام 2020 في مهرجان الغونة في مصر على يد نزيهة العريبي ـ ليبيا، لينا سويلم ـ فلسطين/الجزائر، دينا ناصر ـ الأردن، ميريام الحاج ـ لبنان، كلّوـ الجزائر/ فرنسا، أريج سحيري ـ تونس، وكوثر يونس ـ مصر، مخرجات ينتمين لكل العالم العربي من شرقه إلى شمال أفريقيا، بهدف الدعم المتبادل، وخلق مساحة آمنة فيما بيننا، والعمل معاً على تطوير السيناريوهات، وصناعة البودكاست، ومناقشة هموم المخرجات النساء خاصة خلال الحروب كما في لبنان وفلسطين، وأن نهتم بتقديم أنفسنا للجمهور خلال المهرجانات.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *