كان ـ «القدس العربي»: في بعض الأفلام يكون المكان هو البطل الرئيسي للفيلم، وليس مجرد موقع أحداث الفيلم. هذا بالضبط هو الحال في فيلم «مذكرات ناغي» للمخرج الياباني كوجي فوكودا، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان في دورته التاسعة والسبعين (12 إلى 23 مايو/أيار الجاري).
في أفلام كثيرة عن الريف الياباني، يبدو المكان وكأنه وعدٌ بالخلاص. حقول هادئة، بيوت خشبية، وحياة وادعة، وشخصيات تأتي من المدينة لتتعلم درساً أخلاقياً عن العيش في كنف الطبيعة بعيداً عن تعقيدات المدينة. لكن المخرج الياباني كوجي فوكادا يعرف جيداً أن الحياة ليست بهذه السهولة، وأن الريف ليس بالضرورة فردوساً، تماماً كما أن المدينة ليست دائماً سجناً. لذلك فإن فيلمه «مذكرات ناغي» لا يقع في فخ تمجيد العيش البعيد عن صخب المدن، بل يصنع شيئاً أكثر حساسية وعمقاً.. يصنع فيلماً عن البشر الذين يشعرون بأنهم غير مرئيين، وعن الحاجة الملحّة لأن يجد الإنسان شخصاً يراه حقاً.
تصل «يوري»، المهندسة المعمارية المطلّقة، إلى بلدة ناغي الصغيرة البعيدة عن طوكيو، حاملة معها ذلك التعب الداخلي الذي لا يمكن تفسيره بالكلمات. ليست منهكة من حدث بعينه، بل من شعور طويل بالاختناق داخل حياة لم تعد تشبهها. ومنذ اللحظات الأولى، يضع فوكادا بطلتَه داخل عالم يراقبها بهدوء. طفل صغير يوقفها في محطة القطار لأنه يحتفظ برسمة لامرأة تشبهها، أو لعلها هي، على هاتفه، وكأن البلدة كانت تعرفها قبل أن تصل. مشهد صغير، لكنه يختصر روح الفيلم بأكمله، الرغبة في أن يتعرف أحد إلى ملامحك الحقيقية، حتى قبل أن تتكلم. يتحرك الفيلم بإيقاع متأنٍ للغاية، ويعمه هدوء يتخلله سماع صوت انفجارات، فالبلدة بالقرب من قاعدة لتدريب قوات الدفاع الذاتي الياباني، ويأتينا صوت هذه الانفجارات كما لو كان نذيرا بأن في داخل أرواح العديد ممن يعيشون في هذه البلدة، توتراً يوشك على الانفجار، رغم أصواتهم الخفيضة ودماثتهم وابتساماتهم الهادئة. هنا، الصمت يحمل توتراً خفياً، والجمل القصيرة تخفي خلفها تاريخاً كاملاً من الوحدة والانكسار. فوكادا لا يشرح شخصياته، بل يتركها تنكشف تدريجياً، كما لو أن الفيلم نفسه يتعلم كيف يقترب منها، من دون أن يؤذي هشاشتها.

تذهب يوري، المهندسة المعمارية المقيمة في طوكيو إلى ناغي، لتبقى عدة أيام عند «يوريكو»، شقيقة زوجها السابق، وهي نحّاتة، تعيش في منزل العائلة القديم. العلاقة بين المرأتين هي قلب الفيلم الحقيقي، ليس لأنها علاقة رومانسية بالمعنى التقليدي، بل لأنها علاقة تقوم على نوع نادر من الإصغاء المتبادل. بعد الطلاق، كان من المفترض، وفق المنطق الاجتماعي السائد، أن تنقطع الصلة بينهما، لكن الفيلم يرفض هذه الفكرة ببساطة هادئة، لماذا يجب أن تنتهي كل علاقة فقط لأن مؤسسة الزواج انتهت؟ ولماذا تُختزل النساء دائماً في أدوارهن العائلية؟
في المشاهد التي تجمع المرأتين داخل مرسم يوريكو وداخل استوديو النحت، يصل الفيلم إلى أكثر لحظاته رقّة. تجلس يوري لتكون نموذجاً لمنحوتة جديدة، بينما تبدأ يوريكو في نحت وجهها من خشب الغابات المحيطة. لا شيء درامياً يحدث ظاهرياً، لكنّ شيئاً عميقاً يتشكل تحت السطح.. امرأتان تحاولان إعادة تعريف نفسيهما خارج الأدوار التي فُرضت عليهما. النحت هنا ليس مجرد فن، بل محاولة لفهم الآخر عبر اللمس البطيء للمادة، كما لو أن يوريكو تحاول أن تقول: دعيني أراك كما أنت، لا كما يريد العالم أن يراك. ومحاولة الفهم هنا متبادلة ومشتركة، فكما تحاول النحاتة التعرف على صاحبة منحوتتها، تحاول يوري أيضاً فهم يوريكو بصورة أعمق.
يمنح الفيلم لشخصياته الفرصة للتعبير عن ترددهم، وعما يعتمل في قلوبهم وعقولهم من حيرة. هنا يمتلك إجابات واضحة، ولا توجد خطابات كبرى عن الحرية أو النسوية أو الاستقلال، بدلاً من ذلك، هناك بشر مرتبكون، يتقدمون ببطء نحو أنفسهم. وحين تقول يوريكو ليوري في إحدى اللحظات: «يمكنك أن تشعري بالوحدة في أي مكان»، تبدو الجملة بسيطة لكنها تختصر مأساة كاملة عن البشر الذين يحملون عزلتهم داخلهم أينما ذهبوا. رغم الهدوء السطحي والتحفظ، نشعر بلمحات كثيرة من الحنو والدفء في الفيلم، وكأن الفيلم نفسه يريد أن يمنح شخصياته فرصة ثانية للحياة.
البلدة نفسها تتحول إلى شخصية موازية. ناغي ليست مكاناً رومانسياً مثالياً، بل فضاء غريب يجمع بين السكينة والاختناق. السكان يعرفون بعضهم بعضا، والأصوات تنتقل بين البيوت بسهولة، لكن التواصل الحقيقي يبدو نادراً. هناك إذاعة محلية تبث يومياً بصوت هادئ، وهناك أصوات انفجارات تأتي من القاعدة العسكرية القريبة، وفي التلفزيون أخبار عن الحرب في أوكرانيا تمر في الخلفية، كأن العالم الخارجي يصرّ على اقتحام هذا الهدوء الريفي الهش.
يخلق الفيلم توازياً بين قصة يوري ويوريكو وبين قصة المراهقين كيتا وهاروكي، اللذين يحاولان فهم نفسيهما عبر الرسم. تبدو العلاقة بين كيتا وهاروكي كما لو أنها امتداد لقصة يوري ويوريكو. يحاول الصبيان، مثل يوري ويوريكو، العثور على مكان يمكنهم أن يكونوا فيه أنفسهم من دون خوف.
ما يميز «مذكرات ناغي»، أنه لا يسعى إلى صنع حبكة بقدر ما يسعى إلى إيصال الإحساس. لا يحتوي الفيلم على أحداث كبيرة يتذكرها المشاهد، لكنه سيتذكر الشعور الذي تركه داخله: ذلك الحزن الهادئ، أو تلك الرغبة المفاجئة في الاتصال بشخص لم تتحدث إليه منذ سنوات. إنه فيلم عن البشر الذين يستمرون رغم كل شيء، وعن أشخاص كادوا يعلقون في أماكنهم لولا أن أحداً مدّ يده إليهم في اللحظة المناسبة. وربما لهذا يبدو الفيلم مؤثراً إلى هذا الحد رغم هدوئه الشديد. لأنه لا يتحدث عن الانتصارات الكبرى، بل عن النجاة اليومية الصغيرة. عن امرأة مطلقة تحاول أن تعيد بناء حياتها وتعيد اكتشاف ذاتها. عن نحاتة تجد في الخشب لغة أصدق من الكلام. عن مراهقين يكتشفان أن النظر إلى العالم بطريقة مختلفة قد ينقذهما. وعن بلدة صغيرة لا تمنح الخلاص، لكنها تمنح شيئاً أكثر تواضعاً وأهمية: فرصة لأن يشعر الإنسان بأنه مرئي.
في النهاية، لا يصدح «مذكرات ناغي» بأفكاره، بل يهمس بها. لكن هذا الهمس يظل يتردد في داخلنا طويلاً بعد انتهاء الفيلم. لا تشعر بأنك شاهدت فيلماً بقدر ما تشعر بأنك عشت داخله لبعض الوقت، ثم خرجت منه أكثر هدوءاً وأكثر تعاطفاً.