أي هندسةٍ للمُتخيل العابر للألسنة؟


ينتظر راهن الشعر المغربي من المعنيين كافة، شعراء ونقادا وقراء، صياغة أجوبة لأسئلة من بينها مثلاً: أيهما أولى، الكتابي أم الإنشادي، في مجتمع ذي أغلبية أمية؟ أيّ زخم يمكن أن تضفيه المعرفة الفلسفية على الممارستين الشعرية والنقدية في المغرب؟ وأي موقع محتمل، في خريطتنا الشعرية، لشعراء قادمين إلى الشعر من معارف ومصادر وحساسيات وهوامش نصية لافتة؟ أي متخيل يمكن أن يرخيه مصطلح الكتابة الشعرية النسائية؟ بل أي متخيل شعري وطني يجب أن نهندسه بصدد شعراء مغاربة يكتبون بِلُغاتهم أو لهجاتهم المحلية (الأمازيغية، الحسانية والعامية)، أو بِلُغات الدول التي تستضيفهم في المهاجر في أوروبا وكندا وأمريكا وغيرها؟
فالقضايا والأسئلة التي يثيرها الشعر المغربي في راهننا، معرفياً وجمالياً، على الأقل في العقدين الأخيرين، ينبغي أن نستأنف التفكير فيها بمفاهيم وأدوات نقدية، بدلاً من أن يظل خطابنا حول هذا الشعر هو نفسه، على ميدان هيمنة السلطات والكليشيهات يجتر النصوص نفسها، والأسماء نفسها، والمصطلحات نفسها؛ فالخطاب حول الشعر يجب أن يتغير عندما يتغير الشعر نفسه، ويتغير أفقه ومسرح فاعليه وكيمياؤه الداخلية. فالحاجة إذن، باتت ملحة ومستعجلة لنقد حقيقي وصارم له هاجس الانتماء إلى الراهن الشعري، يدرس خصوصياته، ويُقايس إضافاته النوعية ضمن تيار الحداثة الشعرية، ويكشف ما يتحكم فيه من قوانين وأسئلة متنوعة ومركبة.
إذا قصرنا حديثنا على «لغات» الشعر المغربي المعاصر، فإنها بصدد خرائط شعرية متعددة، محلية وعابرة للألسنة والحدود: شعر أمازيغي، حساني، شعر بالعامية المغربية، شعر مغربي مكتوب بإحدى لغات المهاجر التي تُضيف عشراتٍ من شعراء الجالية، الذين انتقلوا للعيش فيها، أو ولدوا فيها، وما يترتب عليه الأمر من تأثرهم بـ»الفضاء الثالث» الذي يطبع كتاباتهم بسماتٍ نوعية، بل حتى داخل اللغة نفسها ثمة «لغات»؛ أي أساليب ومنظورات وحساسيات لغوية يجترحها أصحاب هذا الشعر أو ذاك.

الشعر الأمازيغي

بالنسبة إلى الشعر الأمازيغي تحديدا، كان إلى وقت قريب منسياً أو شبه هامشي في المدونة الشعرية المغربية، بسبب عوامل تاريخية وسياسية وثقافية (هيمنة الثقافة المركزية، ضعف التدوين، غياب مؤسسات النشر والتعليم)، رغم أنه يُعد من أقدم الأشكال الشعرية في المغرب، إذ ظل لقرون طويلة يُتداول شفهياً عبر أنماط متنوعة، مثل: «أحواش» و»أهياض» في الجنوب، «إزلان» في الريف، و»أمارگ» في سوس، و»تامديازت» في الأطلس المتوسط، والتي كانت تصاحب الأهازيج المرتبطة بالعمل والحب والحرب، والحرث والحصاد والاستسقاء، والطقوس الجماعية، وغير ذلك من الأعمال اليومية والموسمية.
يتميز الشعر الأمازيغي، حسب دارسيه، بتعدد أنماطه البنائية، حسب بنية المتن وموسيقاه وموضوعاته، ضمن نوعين كبيرين: شعر القصيد الذي يتكون من أبيات مترابطة بينها، ويتنوع القول فيه متنا ومعنى، وأشهر أنماطه ما يسمى (تانضامت = من النظم)، والشعر البيتي الذي يجري على بيت أو شطر واحد، وقد يتكون من أبيات متحدة وزنا لكنها غير مرتبطة معنى، وأشهر أنماطه ما يسمى ( تاماوايت ( التي يردده الظاعن أو الراعي، ويتردد صداه بين فجاج الجبال. ومن أنماطه ما يسمى (وارو) وتتغنى به النساء في الأعراس عند تقديم الحناء وتعداد محاسن العروس وقدومها إلى بيت زوجها.
لم تكن هذه الأشكال مجرد تعبير فولكلوري، بقدر ما كانت تحمل رؤية للعالم، وللعلاقة بالأرض والطبيعة والزمن والذاكرة والمخيال الشعبي، ولذلك فإنها شكلت أحد الروافد العميقة للمتخيل الشعري المغربي ليس بالنسبة إلى شعراء الأمازيغية المعاصرين الذين عادوا إليها واستوحوها وأعادوا بناءها في قصائدهم، بل حتى عند الشعراء الذين يكتبون بالعربية أو بغيرها، ممن ينحدرون من جذورهم الأمازيغية. فالوضع المتعلق بإنتاج الشعر الأمازيغي وتداوله وتلقيه سيتغير تدريجيا منذ التسعينيات، لاسيما بعد ترسيم الأمازيغية والتطبيع معها، وستظهر خلال هذه الحقبة تجارب شعرية حديثة تكتب بحساسية جديدة ووفق تعاقد جمالي مختلف، عمل على توطين المكتوب بديلاً عن الشفاهي والإنشادي، وتشتغل على أسئلة الذات والهوية والمنفى والحداثة واللغة، ولم تعد تعير للموضوعات التقليدية المتعارف عليها كبير اهتمام، مثل المناسبات الاجتماعية، والأغراض الشعرية المعروفة والنقائض، وسرد قصص الأنبياء والوقائع التاريخية وغير ذلك.
صحيح أن الطبيعة الشفوية غلبت على هذا الشعر، فلم يستطع أن يتخلص منها، أو من الشعر الذي يُلْقى في «أسايس» على الملأ إنشادا وشفاهةً. لهذا استحال هذا الأمر عائقا حقيقياً في سبيل تجديد الشعر وتطوير بنياته ومتونه، وهو ما يفسر تأخر نشر أول ديوان أمازيغي إلى عام 1976؛ حين أصدر محمد مستاوي باكورته «ءيسكراف» (القيود)، بل إن الشعراء الأمازيغ لم يراكموا حتى نهاية القرن العشرين سوى أربعة عشر (14) ديوانا، بمعدل ديوان لكل عامين، وليس بينهم امرأة. ومنذ مطلع الألفية الثالثة سيتغير الوضع إنتاجاً وتلقياً، لأسباب سياسية وثقافية وتحت تأثير التقدم التكنولوجي.


وقد درج الشعراء خلال هذه المرحلة على كتابة قصائدهم بالحرف العربي،  وطائفة منهم إلى الكتابة بالحرف اللاتيني، تحت تأثير بعض المجلات والجرائد المحلية (أمازيغ، تيفيناغ، تيفاوت، تاسافوت..)، قبل أن تتم إعادة إحياء الكتابة بحروف تيفيناغ، وينخرط الشعراء من المتمرسين والشباب في تدوين نصوصهم بها، لاسيما بعد إضفاء الطابع الرسمي على الأبجدية ومَعْيَرتها وتدريسها، وتبني المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية طباعة الدواوين بهذا الخط على نفقته لدعم الهوية البصرية لهذه اللغة.
من أبرز الأصوات التي رسخت حضور هذا الشعر وحداثته منذ أواخر الستينيات، يمكن أن نذكر من شعراء سوس: محمد مستاوي، وعلي صدقي أزايكو، وإبراهيم أخياط، وعبد الله حفيظي، وحسن إد بلقاسم، ومحمد وخزان الساحلي، والحسين جهادي، وأحمد عصيد، ومحمد أكوناض ومحمد واكرار، وكان أغلب هؤلاء من ناشطي الحركة الأمازيغية الذين انتظموا في الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي. ومن شعراء الريف: سلام السمغيني، وأحمد الزياني، وسعيد الموساوي، وميمون الوليد، وسعيد أقوضاض. ومن الأطلس المتوسط: بوعزة نموسي، ومحمد أولمكي، ومحمد أوعاشور، ومحمد المسعودي وبوشتى ذكي. ومن النساء اللائي ازداد عددهن وانخرطن أسوةً بشاعرات اللسان العربي في الكتابة والبوح، نذكر: فاضمة الورياشي، ومايسة رشيدة المراقي، وعائشة بوسنينة، وخديجة يكن، وخديجة أروهال وغيرهن.

الحاجة إلى منهج
رغم نشاط الفاعلية الشعرية الأمازيغية، حسب التي يعبر عنها، باختلاف المناطق (سوس، الأطلس المتوسط، الريف)، تلك النسبة المُطردة لعدد الشعراء وعناوبن الدواوين المنشورة، بل اهتمام المؤسسة الثقافية بنشرها؛ مثل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وبيت الشعر في المغرب، إلا أن «مدى حضوره» في الدراسات النقدية والأطاريح الجامعية، لا يرقى إلى كل ذلك على نحو يستحقه، قياسا إلى حداثته المتبلورة، وإلى نظيره الشعر المكتوب بالعربية. فأكثر الدراسات حول الشعر الأمازيغي في مختلف تنويعاته اللهجية والأسلوبية، يغلب عليها هاجس التأريخ ويستغرقها المضمون الاجتماعي أو الأيديولوجي، حتى وجدنا بعض خريجي الجامعة المغربية، المتسلحين بمناهج القراءة الحديثة، يقترحون دراسات جديدة تولي الأهمية للجوانب الشكلية والبلاغية والثقافية داخل الشعر الحديث والمعاصر، بمن فيهم محمد خطابي، وأحمد المنادي، وحسن بنعقية، وعبد الله شريق، وفؤاد أزروال، وجميل حمداوي، ومحمد أقوضاض، ومحمد أفقير، وجمال أبرنوص، ومبارك أباعزي، ومحمد تايشينت، ورشيد سليماني وغيرهم.
ففي سياق انفتاح الجامعة على محيطها السوسيوثقافي، نوقشت في الآونة الأخيرة مجموعة من الأطاريح اتخذت من الشعر الأمازيغي موضوعاً لها؛ ومن بينها أطروحة الباحث مبارك أباعزي المعنونة بـ»الشعرية الأمازيغية الحديثة: علي صدقي أزايكو أنموذجا»، التي نشرها بيت الشعر في المغرب قبل عام. يقترح الباحث مقاربة الشعر الأمازيغي من منظور الشعرية البنيوية التي تعطي الأولوية في البحث لقوانين الشعر الداخلية وخصائصه الفنية، عبر الاعتماد على أبرز مفاهيم هذه الشعرية، وهي التناص والانزياح والانسجام؛ لاختبار إشكالية الأطروحة التي ينطلق منها، وتتمثل في أن مظاهر الشعرية في الشعر الأمازيغي تتجلى في ثلاث آليات تفاعلية: تفاعله مع النصوص دلالياً (التناص)، وتفاعله مع اللغة عبر التمرد على مسالكها التعبيرية المعهودة (الانزياح)، ثم تفاعله مع ذاته (الانسجام). ولا تتحقق هذه الشعرية ـ في نظره- إلا بتضافر هذه العناصر الثلاثة مع بعض بعضا.
يختار الباحث والشاعر علي صدقي أزايكو (1942- 2004) متناً للدرس والتحليل من خلال ديوانيه «تيميتار» (العلامات) 1988 و»ءيزمولن» (الندوب) 1995، باعتبار ريادته وسبقه التجديدي وحساسية أسلوبه واعتبار شعره شاهداً على مراحل تطور الشعرية الأمازيغية وحداثتها، التي حصرها في ثلاثة مسارات: شعر الكتابة، وشعر الحداثة الصوتية – الدلالية، وشعر الحداثة الدلالية. فبعد أن مرّ هذا الشعر بالمرحلة التقليدية التي ارتبطت بشعر «أسايس» أو شعر «الروايس» الذين وثقوه بواسطة الأشرطة الموسيقية، وكان أكثره في حكم «الشفوي المرتجل»، نقل علي صدقي أزايكو مع مجايليه هذا الشعرَ إلى مرحلة الكتابة فأحدثوا ـ تدريجياً- في دواله الصوتية والمعجمية والدلالية والرمزية تحويلات نوعية، وفتحوها على آفاق جديدة.
صحيحٌ أن الشعرية البنيوية لم تعد بذلك المنهج الذي يستقطب جهود النقاد ويسيل لعابهم كما كان في حقبة سابقة، ولكن من الصعب القول إنه عفا عليها الزمن، لأنه ما زال ينتج معرفة نقدية بالنظر إلى المفاهيم التي تأصلت في تربته، بل استفاد منها غيره من المناهج اللاحقة له. وقد أفاد الباحث من مفاهيم الشعرية، لاسيما في سياق غياب تراكم نقدي، على مستوى أجرأتها في كشف تحولات الشعرية الأمازيغية، من خلال شعر علي صدقي أزايكو، وما أحدثه من رعشةٍ فيها على غرار ما أحدثه بدر شاكر السياب في الشعر العربي، أو فيكتور هوغو في الشعر الفرنسي، أو توماس إليوت في الشعر الإنكليزي، وقس على ذلك.
يمكن القول إنه لا يمكن فهم الشعرية المغربية ودراستها على وجهها السليم، من دون استدعاء متونها وروافدها المعاصرة، بما في ذلك الرافد الأمازيغي الذي ليس مجرد هامش أو «فرع» ثانوي، بل هو يقع في صميم هذه الشعرية، بالنظر إلى غناه وحساسيته وباعتباره أحد أسسها التكوينية الكبرى.

كاتب مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *