شهدت مسيرة الأعلام التي أقيمت أمس بمناسبة يوم القدس، كل عناصر عروض السنوات السابقة: العنف، التخريب، أغاني الكراهية والعنصرية، وفوق كل ذلك الشعور بالتفوق اليهودي. مع ذلك، يجب القول بأن جرعة كل هذه العناصر كانت أقل مقارنة مع السنوات السابقة. من الواضح أن المنظمين والحاخامات سعوا في هذه السنة إلى الحد من العنف الذي عادة ما يندلع. كان النجاح في الحد منه جزئياً، لكن النتيجة كانت أفضل من السنوات السابقة.
كحال كل سنة من السنوات الأخيرة، حدث معظم العنف في الساعات التي سبقت المسيرة، عندما تجولت مجموعات من الشباب (المستوطنون المتطرفون) في أزقة البلدة القديمة واعتدت على السكان الفلسطينيين والصحافيين ونشطاء الحماية، وخربوا ممتلكات الفلسطينيين. تعرضت ليندا ديان، مراسلة “هآرتس”، هي أيضاً للهجوم أثناء تغطية الأحداث. فقد رشقوها بالمياه والقهوة، وسلبوها هاتفها، ودفعها شرطي أثناء محاولة هربها. مثلما في السنة الماضية، وضع البعض علامات على الممتلكات اليهودية لحمايتها من التلف، “هذا ملك يهودي، الرجاء عدم إتلافه، شكرا”، هكذا كتب على لافتة مؤقتة معلقة على جهاز صراف آلي في الحي الإسلامي.
في الساعات التي سبقت المسيرة، نشطت شبكة واسعة من نشطاء من منظمات يسارية، من بينها “نقف معا”، “نغير الاتجاه”، “تاغ مئير”، وشباب “الديمقراطيون”، فنشروا مئات المتطوعين، وتصدوا للمشاغبين وأغلقوا الشوارع ورافقوا السكان والممتلكات الفلسطينية وحموها. إذا كان هذا مؤشراً على الاستعداد للانتخابات، فهو مؤشر إيجابي.
أما الشرطة، مثلما في السابق، فقد اتبعت سياسة تطهير المكان بدلاً من حماية الضحايا. فعند اقتراب موكب المسيرة، أجبرت الشرطة أصحاب المحلات التجارية في البلدة القديمة على إغلاق محلاتهم، التي هي في معظمها مغلقة أصلاً، وأخلت الشوارع من السكان والنشطاء والصحافيين للسماح بمرور الموكب. وحسب الشرطة، فقد اعتقل 16 مشتبهاً فيهم خلال اليوم. ومع حلول المساء، بدأت المجموعات الكبيرة في الوصول، من مدارس دينية ومدارس تمهيدية عسكرية ومدارس عادية. وكالعادة، جاءوا يحملون لافتات وأعلاماً ويرتدون الزي الرسمي، وكان رمز الهيكل بارزاً جداً. في الواقع، لم يكن عدد أعلام الهيكل أقل بكثير من عدد الأعلام الإسرائيلية. ولم تكتف الكثير من المجموعات بترديد الأناشيد الدينية وأخرى عن القدس، بل رددت أيضاً أناشيد الكراهية المألوفة مثل “لتحترق قريتكم”، “إنهم العماليق، محمد مات”، وبالطبع “سيتم الانتقام لأحد عيني، ليمحَ اسمهم”. وتبنت معظم الجماعات عادة الطرق على أبواب المحلات التجارية على أنغام الأغاني محدثة ضجيجاً يصم الآذان، وألصقت ملصقات كتب عليها “الموت للمخربين”.
مقارنة مع السنوات الأخيرة، عندما كانت كل الجماعات تغني أغاني الكراهية، كان الوضع في هذه السنة أفضل بقليل، وشوهد هنا وهناك حاخام أو معلم يحاولون تهدئة الفتيان. وربما يكون ما ساهم في هذا الهدوء النسبي هو رسالة من كبار حاخامات الصهاينة، بمن فيهم يعقوب شبيرا ويعقوب أريئيل واليعيزر ميلماد واليكيم ليفانون، يدعون فيها إلى الاحتفال بيوم القدس دون “الانجرار وراء محاولات الاستفزاز التي تسعى إلى تشويه طهارة هذا اليوم”. وقد وزع موظفو بلدية القدس الرسالة على المشاركين في المسيرة. مع ذلك، يبقى النقاش حول الكلمات الدقيقة للأغاني نقاشاً داخلياًفي إسرائيل. بالنسبة للفلسطيني المقيم، الذي لا يحمل جنسية أي دولة في العالم، والذي يعيش تحت الاحتلال، ويحبس نفسه في بيته كل سنة في رعب مع اقتراب موكب النصر، لا يهم إذا كان المتظاهرون يهتفون “لتحترق قريتهم” أو “القدس الذهبية”. فالإيقاع واحد والعنف واحد. لا تتعلق المسيرة بتوحيد القدس أو بهجة النصر، بل جوهره المطالبة بالمزيد من القمع والإهانة لأكثر سكان المدينة اضطهاداً وإهانة. “أردتم المذبحة، ستحصلون على النكبة”، هكذا أعلنت لافتة كبيرة لجمعية “إذا شئتم”.
سنة بعد سنة تحسن الشرطة الاستعداد للمسيرة. أمس، ولأول مرة، تم وضع ستارة بيضاء على باب العامود مصممة لحجب الرؤية ومنع المنطقة التجارية الفلسطينية في منطقة المصرارة من رؤية منطقة باب العامود. احتفاء بالذكرى الـ 59 لتوحيد المدينة أضيف جدار رقيق آخر للمدينة التي بدت موحدة.
نير حسون
هآرتس 15/5/2026