في ذكرى النكبة الـ78… زيتون فلسطين شاهد على اقتلاع لا يتوقف


الضفة الغربية – “القدس العربي”: في الخامس عشر من أيار/ مايو من كل عام، يستحضر الشعب الفلسطيني يوماً أسود في ذاكرته الوطنية، يوماً لا يُستعاد بوصفه حدثاً من الماضي، بل جرحاً مفتوحاً ما زالت آثاره حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية. ففي مثل هذا اليوم من عام 1948، حلّت نكبة الشعب الفلسطيني حين تعرّض مئات آلاف الفلسطينيين للتهجير القسري من مدنهم وقراهم، وهُدمت البيوت، ودُمّرت القرى، وسُرقت الأرض والممتلكات، وتشتّتت العائلات بين المنافي ومخيمات اللجوء.

مستوطن إسرائيلي يحاول عرقلة قطاف الزيتون لمزارعين فلسطينيين ومتطوعين قرب بلدة سلواد شمال شرق رام الله في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

إنها ذكرى أليمة وسوداء تحطم قلوب الفلسطينيين، يوم فقد كثيرون أرضهم وبيوتهم وأجزاءً من ذاكرتهم الجماعية، فيما بقيت حكايات الاقتلاع والفقدان حيّة تتوارثها الأجيال. وبعد 78 عاماً على النكبة، لا تبدو الذكرى حدثاً مضى، إنما واقع مستمر تتبدل أشكاله وتبقى آثاره حاضرة، في الأرض التي تُصادر، والشجر الذي يُقتلع، والحياة التي تواجه محاولات متواصلة للمحو والتغيير.

منذ نكبة عام 1948، لم يكن اقتلاع الفلسطيني من أرضه حدثاً عابراً انتهى بتهجير القرى والمدن، بل صار مساراً متواصلاً تتبدل أدواته ولا يتبدل جوهره.

فإذا كانت النكبة الأولى قد طالت الإنسان والبيت والقرية، فإن صورتها المستمرة اليوم تطال الأرض والشجر والماء والمراعي، وكأن محاولة محو الوجود الفلسطيني تبدأ من الجذور حرفياً، من زيتونة تُقتلع، ومن حقل يُمنع صاحبه من الوصول إليه، ومن ذاكرة زراعية يراد لها أن تنقطع.

أرض محاصرة في المغير

لم يعد سعيد أبو عليا يعدّ أشجار الزيتون التي خسرها في قرية المغير شرق رام الله. تبدو الأرقام أقل قدرة على تفسير ما حدث من المشهد نفسه: تلال كانت حتى وقت قريب مغطاة بالزيتون تحولت إلى مساحات مكشوفة، وأرض كانت تعيل عائلة ممتدة باتت اليوم محاطة بالخوف ومنع الوصول.

سعيد أبو عليا، مزارع من قرية المغير شرق رام الله، لـ”القدس العربي”: “الأرض حياتنا وإذا خسرناها نخسر كل شيء”

سعيد الذي اعتاد أن يبدأ يومه في الحقول صار يخرج قبل الفجر، لا لبدء موسم زراعي جديد، بل لتفادي المستوطنين الذين صاروا جزءاً من الطريق إلى الأرض، يختلس بعض الوقت ليجمع ما يستطيع جمعه من المحاصيل قبل أن يراه أحد المستوطنين ويعرض نفسه للخطر.

في الذكرى الـ78 لنكبة الشعب الفلسطيني عام 1948، لا تبدو الذكرى حدثاً مضى، بل ما زال الشعب الفلسطيني يعانيها حتى يومنا هذا، وفي كل يوم تتجدد النكبات المتتالية بكل حدّ وفي كل زاوية فلسطينية. فالاحتلال يتخذ أشكالاً جديدة، لكن النكبة ذاتها باقية؛ فإذا كانت النكبة الأولى قد ارتبطت بالتهجير وتدمير القرى، فإن النسخة المستمرة منها تتجسد اليوم في الأرض نفسها، في الشجر الذي يُقتلع، والمراعي التي تُصادر وتُسرق من قبل المستوطنين، والزراعة التي تُدفع تدريجياً نحو التراجع تحت ضغط الاستيطان والتجريف ومنع الوصول.

فلسطيني يعيد غرس شجرة زيتون اقتلعتها جرافة إسرائيلية في قرية اللبن الشرقية جنوب نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

في قرية المغير، التي تمتد أراضيها على نحو 42 ألف دونم شرق رام الله، تغير المشهد الزراعي بصورة حادة خلال الأشهر الأخيرة. يقول المزارع سعيد أبو عليا إن الاحتلال اقتلع نحو 11 ألف شجرة زيتون مثمرة، بعضها يتجاوز عمره مئات السنين، إضافة إلى أشجار التين والعنب واللوزيات، ضمن عمليات تجريف واسعة رافقتها اعتداءات متكررة ومنع متواصل للأهالي من الوصول إلى أراضيهم.

الأرض التي كانت مصدر رزق لعشرات العائلات تحولت إلى مساحة محاصرة تطوقها بؤر استيطانية رعوية جديدة، تقدر بنحو سبع بؤر حول محيط القرية، ما جعل الوصول إلى أجزاء واسعة من الأراضي الزراعية شبه مستحيل.

منتصر المالكي، مزارع من كفر مالك شمال شرق رام الله، لـ”القدس العربي”: “صرنا نبيع قسماً من الأغنام عشان نطعّم القسم الثاني”

ويضيف أبو عليا أن الخسارة لم تتوقف عند الأشجار، فالإنتاج الزراعي تراجع بشكل حاد، إذ كانت بعض الأراضي تنتج نحو 100 تنكة زيت سنوياً من أصل 200 دونم زيتون، بينما لم يتجاوز الإنتاج في الموسم الأخير أربع تنكات فقط. كما يشير إلى انهيار واضح في الثروة الحيوانية، حيث تراجعت أعداد الأغنام في القرية من نحو 7 إلى 8 آلاف رأس إلى ما يقارب 3 إلى 4 آلاف فقط، بفعل فقدان المراعي وتكرار الاعتداءات وسرقة المواشي.

ولا تقف المعاناة عند حدود الخسارة الاقتصادية، يقول أبو عليا إن الوصول إلى الأرض بات مشروطاً بالخوف، إذ يضطر المزارعون إلى النزول فجراً في ساعات الظلام الأولى لتفادي الاحتكاك بالمستوطنين. ويشير إلى حالات موثقة لسرقة المواشي، بينها سرقة 120 رأس غنم من أحد المواطنين، ثم 170 رأساً من آخر خلال فترة قصيرة، ما عمّق شعور انعدام الأمان في المنطقة. ويختصر المشهد بجملة واحدة: “الأرض حياتنا، وإذا خسرناها نخسر كل شيء”.

كفر مالك… خسارة الأرض ونمط الحياة

في كفر مالك شمال شرق رام الله، يتكرر المشهد بصورة متطابقة. يقول المزارع منتصر المالكي إن القرية التي كانت تمتلك نحو 58 ألف دونم من الأراضي الزراعية والرعوية تقلص حضورها الفعلي إلى حدود ضيقة داخل المخطط الهيكلي، بعد سيطرة الاحتلال على مساحات واسعة منها وتحويل أجزاء كبيرة إلى مناطق عسكرية وبؤر استيطانية رعوية.

منسق “الاتحاد الزراعي الفلسطيني” محمد علوان لـ”القدس العربي”: “الزيتون يبقى الهدف الأبرز، ليس فقط لكونه محصولاً اقتصادياً، بل لارتباطه العميق بالهوية الفلسطينية والذاكرة”

ويشير المالكي إلى اقتلاع ما بين 700 إلى 800 شجرة زيتون رومي معمّرة، بعضها يتجاوز عمره مئات السنين، إلى جانب استهداف مناطق رعوية حيوية مثل عين سامية ورأس التين والكابون، التي كانت تشكل أساس الاقتصاد الزراعي للقرية. ويقول إن كثيراً من العائلات فقدت مصدر دخلها الأساسي بعدما كانت تعتمد بشكل شبه كامل على الزراعة والرعي.

ويضيف المالكي أن القيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي انعكست مباشرة على الحياة اليومية، حيث ارتفعت كلفة الإنتاج الزراعي بشكل كبير، واضطر العديد من المزارعين إلى بيع جزء من مواشيهم لتغطية تكاليف الأعلاف. ويصف ذلك قائلاً: “صرنا نبيع قسماً من الأغنام عشان نطعّم القسم الثاني”.

لكن الخسارة لا تتوقف عند الأرض أو الأشجار أو الماشية. هناك، بحسب تعبيرهم، سرقة لنمط الحياة نفسه. ففي الوقت الذي يُمنع فيه الفلسطيني من الوصول إلى أرضه أو رعي أغنامه، تظهر على منصات التواصل الاجتماعي مشاهد لمستوطنين يقيمون بؤراً رعوية فوق أراض صودرت، ويوثقون حياة ريفية كاملة من الزراعة إلى تربية المواشي، في مشهد يراه الفلسطينيون استيلاءً على تفاصيل الحياة قبل أن يكون استيلاءً على الأرض. أما عن مشاعرهم كفلسطينيين، ففي كل يوم يرون فيه المستوطنين يتقمصون حياتهم بعد أن سرقوا أرضهم ومواشيهم وزرعهم، يتضاعف القهر قهرين: قهر على الفقد، وقهر آخر من العجز.

استهداف الغطاء النباتي

هذه الشهادات الميدانية تتقاطع مع قراءة أوسع يقدمها “الاتحاد الزراعي الفلسطيني”. في حديث خاص مع “القدس العربي”، يرى منسق الاتحاد الزراعي محمد علوان أن استهداف الغطاء النباتي في فلسطين ليس ظاهرة طارئة، بل سياسة ممتدة منذ النكبة، تتخذ أشكالاً متعددة، تشمل اقتلاع الأشجار وتجريف الأراضي وحرق المحاصيل ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، إضافة إلى السيطرة على مصادر المياه، خصوصاً في المناطق القريبة من المستوطنات والمناطق المصنفة “ج”.

جنود إسرائيليون يراقبون جرافة تقتلع أشجار زيتون في أراضي قرية اللبن الشرقية جنوب نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

ويضيف علوان أن المناطق الأكثر تضرراً في الضفة الغربية تشمل جنوب نابلس وقرى شرق رام الله مثل المغير وترمسعيا وكفر مالك وسنجل، إضافة إلى جنوب الخليل وجنين والأغوار الشمالية. ويشير إلى أن التصعيد خلال السنوات الأخيرة بلغ مستويات غير مسبوقة، إذ جرى في أسبوع واحد من عام 2025 اقتلاع أكثر من 8000 شجرة زيتون، فيما شهد موسم الزيتون لعام 2024 اقتلاعاً أو حرقاً أو تخريباً لنحو 31688 شجرة، إلى جانب تجريف أكثر من 7000 دونم زراعي.

أما في قطاع غزة، فيقول علوان إن القطاع الزراعي تعرض لتدمير واسع طال نحو 90 في المئة من مقوماته، فيما خسر شمال القطاع وحده ما يقارب 71 في المئة من محاصيله الزراعية، في مشهد يضع البنية الزراعية تحت ضغط غير مسبوق.

ويؤكد علوان أن الزيتون يبقى الهدف الأبرز في هذه السياسات، ليس فقط لكونه محصولاً اقتصادياً، بل لارتباطه العميق بالهوية الفلسطينية والذاكرة الجماعية، ما يجعله رمزاً مركزياً في الحرب على الهوية والأرض.

من الصنوبر إلى الاستيطان الرعوي

وفي قراءة تاريخية أوسع، يضع جمال جمعة من “الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان” ما يجري اليوم ضمن سياق ممتد منذ عام 1948، حين جرى استخدام البيئة لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية عبر زراعة ملايين أشجار الصنوبر فوق أنقاض القرى المهجرة، بهدف طمس معالمها.

جمال جمعة من “الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان” لـ”القدس العربي”: “ما يجري اليوم هو امتداد مباشر لمسار بدأ منذ النكبة بأدوات أكثر وضوحاً”

ويشير جمعة إلى أن المشروع الاستيطاني تطور لاحقاً ليشمل السيطرة على البيارات والأراضي الزراعية وتحويلها إلى مستوطنات، إضافة إلى السيطرة على الأغوار والمياه والمراعي. ويؤكد أن ما يجري اليوم هو امتداد مباشر لهذا المسار، لكن بأدوات أكثر وضوحاً تشمل الاستيطان الرعوي ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم والسيطرة على الموارد الطبيعية، ودفع الفلسطينيين تدريجياً نحو تجمعات سكانية ضيقة ومعزولة.

وفي الأغوار الفلسطينية، تتواصل عمليات التقييد عبر تحويل مساحات واسعة إلى مناطق عسكرية أو استيطانية، ومنع الزراعة والرعي، والسيطرة على مصادر المياه، ومنع حفر الآبار، ما ينعكس بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية في القرى المحيطة.

الأرض تُستهدف والعلاقة لا تُقتلع

ورغم هذا المشهد الممتد من الاقتلاع والتجريف والتضييق، تبقى العلاقة بين الفلسطيني وأرضه حاضرة بقوة في التفاصيل اليومية. فالأرض، بما فيها من زيتون ومراع ومحاصيل، ليست مجرد مصدر رزق، بل جزء من الذاكرة والهوية. وحتى في أكثر اللحظات قسوة، يقول المزارعون إن العودة القريبة إلى الأرض وإعادة غرس الأشجار كفعل بقاء مستمر أمر قطعي، والمحاولة باقية، فكل شجرة تُزرع من جديد هي محاولة لاستعادة ما يُقتلع بالقوة.

في ذكرى النكبة الـ78، لا يظهر الغطاء النباتي كقضية زراعية أو بيئية فقط، بل كعنوان لحرب أوسع على الوجود الفلسطيني ونفيه. فاقتلاع الشجر لا يُقرأ كحدث منفصل، بل كامتداد لمحاولة مستمرة لإعادة تشكيل حياة مختلفة، وكأنما لم يكن أحد قبلهم في هذه الأرض. هذه السياسات هدفها واضح: طمس الهوية الفلسطينية وتحويل كل ما ينتمي إلى الفلسطيني ليصبح بلمسة احتلالية إسرائيلياً، من حياة الأرياف والزراعة والرعي إلى اللغة وأسماء القرى والمدن الفلسطينية. وبينما تتقلص المساحات الخضراء، تبقى حقيقة واحدة تتكرر في كل الشهادات أن الأرض تُستهدف، لكن العلاقة بها لا تُقتلع.

وفي هذا التوتر بين الاقتلاع والصمود، تتجدد النكبة كحالة مستمرة لا كذكرى، فيما يبقى الفلسطيني أكثر تمسكاً بجذوره، وكأن كل غصن زيتون يُزرع من جديد هو دليل صمود وتحد، والبقاء في الأرض هو الشكل الأعمق للمقاومة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *