برلين- “القدس العربي”: في خطوة وصفت بأنها علامة فارقة في تاريخ الحضور الإسلامي في ألمانيا، حصلت مؤسسة “المقابر الإسلامية فوبرتال” على الترخيص الرسمي لإنشاء أول مقبرة إسلامية في البلاد تدار بشكل مستقل من طرف المسلمين، بعد مسار طويل من العمل القانوني والمؤسساتي والحوار مع السلطات استمر، بحسب القائمين على المشروع، أكثر من 18 عاما.
ولا تكمن أهمية المشروع في كونه مكانا جديدا للدفن فحسب، بل في رمزيته القانونية والاجتماعية والدينية، إذ يفتح الباب أمام إدارة المسلمين لشؤون الدفن وفق خصوصيتهم الدينية، وضمن الإطار القانوني الألماني، في بلد ظل فيه دفن المسلمين غالبا مرتبطا بمدافن بلدية أو مساحات مخصصة داخل مقابر عامة.
اعتراف قانوني ومجتمعي
وفي تصريح لـ”القدس العربي”، قال عبد الصمد اليزيدي، رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، إن هذا المشروع “لا يمثل مجرد فضاء جديد للدفن، بل يجسد تحولا عميقا في مسار الاعتراف بالمواطنين المسلمين داخل ألمانيا”، مضيفا أنه يعكس “نضج التجربة الإسلامية المؤسساتية وقدرتها على العمل ضمن الأطر القانونية والديمقراطية للدولة الألمانية”.
ويحمل تصريح اليزيدي دلالة خاصة، لأن المشروع يتجاوز البعد الخدمي المباشر إلى سؤال أوسع يتعلق بمكانة المسلمين في ألمانيا: هل ينظر إليهم كجالية مؤقتة تحتاج إلى ترتيبات انتقالية، أم كمكون مستقر من المجتمع الألماني له مؤسساته واحتياجاته الدينية والقانونية؟
فوبرتال.. مقبرة إسلامية قرب مقابر يهودية ومسيحية
يقام المشروع في مدينة فوبرتال بولاية شمال الراين-وستفاليا، وتحديدا في شارع كروماخر بمنطقة فوبرتال-فاريسبك.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام ألمانية محلية، فإن الموقع يقع بالقرب من مقبرة يهودية وأخرى مسيحية، في مشهد رمزي يعكس فكرة التعايش الديني داخل المدينة.
وذكرت إذاعة فوبرتال أن مساحة الأرض تبلغ نحو 19 ألف متر مربع، وأنها يمكن أن تستوعب ما يصل إلى ألف قبر.
وكانت رئيسة بلدية فوبرتال، ميريام شيرف، قد سلمت في 28 نيسان/أبريل 2026 ترخيص البناء إلى جمعية “المقابر الإسلامية فوبرتال”، في خطوة اعتبرتها المدينة تقدما مهما في مشروع وصف بأنه فريد على مستوى ألمانيا.
وتشير بلدية فوبرتال في بيانها الرسمي إلى أن المشروع جاء بعد أكثر من عقد من العمل المكثف، وأن الترخيص يمثل نهاية مرحلة طويلة من التخطيط والنقاشات الفنية والقانونية.
ثمرة تعديل قانوني في شمال الراين-وستفاليا
لم يكن الطريق إلى هذه المقبرة سهلا. فالقائمون على المشروع يؤكدون أن الإنجاز تطلب تعديلا في قانون الدفن بولاية شمال الراين-وستفاليا، وهو تعديل أتاح لمؤسسات دينية وجمعيات دينية غير ربحية أن تتولى إدارة مقابر إذا تمكنت من ضمان استمرار تشغيلها بصورة دائمة.
ويؤكد النص القانوني المعمول به في الولاية أن البلديات تضمن وجود أماكن للدفن، وأنه يمكن للبلديات نقل إنشاء وتشغيل المقابر إلى جهات قانونية خاصة، بما في ذلك جمعيات دينية غير ربحية، وفق شروط محددة.
وقد دخلت تعديلات مهمة على قانون الدفن في الولاية عام 2014، بينها ما فتح الباب أمام هذا النوع من المشاريع.
وهنا تكمن أهمية التجربة، فالمسألة لا تتعلق بمجرد تخصيص مساحة للمسلمين داخل مقبرة عامة، بل بإمكانية أن تكون هناك مقبرة إسلامية لها جهة إسلامية حاملة للمشروع ومسؤولة عن إدارتها، مع الالتزام الكامل بالقانون الألماني، بحسب ما نشر موقع “راديو فوبرتال”.
وبحسب تقرير لقناة WDR الألمانية، تضم المؤسسة التي أنشئت لهذا الغرض عشرة تجمعات مسجدية.
ويمنح هذا التعدد المشروع بعدا مؤسساتيا واضحا، إذ لا يبدو مبادرة فردية أو محلية محدودة، بل ثمرة تنسيق بين عدد من المساجد والجمعيات الإسلامية في المدينة.
كما أن وجود سمير بوعيسى، نائب رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا ورئيس مؤسسة المقابر الإسلامية فوبرتال، في واجهة الإعلان عن الترخيص، يعكس محاولة الجمع بين العمل المحلي في فوبرتال والعمل التمثيلي الأوسع على مستوى المؤسسات الإسلامية في ألمانيا.
وكان المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا قد أعلن في شباط/فبراير 2025 انتخاب عبد الصمد اليزيدي رئيسا له، وانتخاب سمير بوعيسى نائبا للرئيس ضمن القيادة الجديدة للمجلس.
وبالنسبة إلى كثير من المسلمين في ألمانيا، لا يتعلق الدفن فقط بالإجراءات الإدارية، بل بكرامة الميت وحق الأسرة في وداعه وفق تعاليمها الدينية.
ولذلك ظل ملف المقابر الإسلامية حاضرا في النقاشات المحلية منذ سنوات، خصوصا في المدن التي تضم أعدادا كبيرة من المسلمين.
وتوضح بلدية فوبرتال على موقعها الرسمي أن المشروع مر بإجراءات معقدة، شملت قضايا تتعلق بالمياه والمساحات والتخطيط ومصالح الجوار، إضافة إلى اهتمام عام كبير.
ووفق البيان الرسمي للمدينة، تبلغ كلفة التمويل نحو مليون يورو، على أن يتم ذلك عبر التبرعات، فيما ينتظر أن تبدأ أولى أعمال الحفر خلال العام الجاري.
ودعت مؤسسة “المقابر الإسلامية فوبرتال” المسلمين والمؤسسات والمنظمات الخيرية إلى دعم المرحلة الأولى من تجهيز المقبرة ومرافقها الأساسية، حتى تتمكن من استقبال أولى عمليات الدفن مع بداية العام الجديد.
وتشمل هذه المرحلة أعمال البنية التحتية والتهيئة والمرافق المرتبطة بخدمة الدفن واستقبال العائلات.
كما أن موقع المقبرة بالقرب من مقابر يهودية ومسيحية يمنح المشروع بعدا رمزيا إضافيا، خصوصا في زمن تتزايد فيه النقاشات حول الاندماج والدين والهوية في أوروبا.
فبدل أن يكون الدين مصدر انعزال، يمكن لهذا النوع من المشاريع، إذا أدير بشفافية وانفتاح، أن يتحول إلى مساحة تؤكد أن التعددية ليست شعارا سياسيا فقط، بل تنظيما عمليا للحياة والموت معا.