هجوم إسرائيل على “نيويورك تايمز” لفضحها العنف الجنسي ضد الأسرى الفلسطينيين محاولة لإسكات من يقول الحقيقة


لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا ليولي نوفاك، المديرة التنفيذية لمنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية “بتسيلم”، قالت فيه إن الدعوى التي رفعتها حكومة بنيامين نتنياهو ضد صحيفة “نيويورك تايمز” بسبب تقرير نشرته حول التعذيب الجنسي للأسرى الفلسطينيين، تمثل محاولة لرفع كلفة كل من يحاول الحديث علنا ضد إسرائيل. وهي محاولة لإسكات الجميع وفرض الرواية التي تريدها حكومة نتنياهو عن الفلسطينيين.

وأضافت نوفاك أن أكثر ما يثير الصدمة في أحدث التقارير عن التعذيب الجنسي للفلسطينيين في الحجز الإسرائيلي ليس فقط فظاعتها، بل استمرار ترسيخ آليات الانتهاك والإنكار رغم وضوح الأدلة منذ فترة طويلة.

وما قام به تقرير نيكولاس كريستوف الأخير في صحيفة “نيويورك تايمز” هو لفت الانتباه إلى هذه القضية.

فقد تم الإبلاغ عن الانتهاكات في الحجز الإسرائيلي من قبل أسرى سابقين ومحامين وأطباء وصحافيين، ووثقتها منظمات حقوق الإنسان. ومنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، كشفت هذه الأدلة عن حقيقة مروعة، وهي تحول نظام السجون الإسرائيلي إلى شبكة إجرامية من معسكرات التعذيب.

وفي تقريره، وثق كريستوف شهادات مؤلمة من رجال ونساء وأطفال فلسطينيين وصفوا فيها انتهاكات جنسية واغتصابا وإذلالا واسعا على أيدي جنود إسرائيليين وحراس سجون ومستوطنين ومحققين.

وجاء رد إسرائيل على هذه التقارير على غرار السيناريوهات المعتادة: إنكار الانتهاكات، ومهاجمة من يوثقونها، وحماية النظام الذي مكن من حدوثها.

فقد رفضت وزارة الخارجية مقال “نيويورك تايمز” ووصفته بأنه “دعاية لحماس”، بل وذهبت إلى حد إعلان نيتها مقاضاة الصحيفة. ولجأ مسؤولون ومعلقون آخرون إلى تهمة “فرية الدم” المألوفة، ودعوا إلى إغلاق صحيفة “نيويورك تايمز”، وبذلوا قصارى جهدهم لنزع الشرعية ليس عن عمل كريستوف، الصحافي العالمي الشهير الذي غطى حالات الاعتداء الجنسي في النزاعات حول العالم، بل عن أي شخص يحاول الكشف عن الانتهاكات.

وقالت نوفاك إن الانهيار الجماعي للحكومة لا يقتصر على إنكار اتهامات بعينها، بل يتعداه إلى محاولة السيطرة على ما يرى ومن يسمع ومن يتحدث عن معاناته في المجال العام.

وقد وثقت منظمة “بتسيلم” هذا النظام من خلال شهادات أسرى فلسطينيين أفرج عنهم بعد احتجازهم في معتقلات إسرائيلية مختلفة.

ففي أي لحظة، يحتجز آلاف الفلسطينيين داخل هذا النظام، وتكشف شهاداتهم عن نظام من التحرش الجنسي والاعتداء المتعمد والإذلال والعنف والتجويع والتعذيب الجسدي والنفسي الشديد.

وأضافت أن العنف الجنسي يعتبر جزءا من نظام أوسع ينكر حقوق الفلسطينيين وكرامتهم ويعاملهم لا كبشر، بل كأجساد يمكن إذلالها وكسرها والتخلص منها.

وأكدت أن الروايات نفسها تتسم بالاتساق والفظاعة في آن واحد.

ففي شهادات جمعتها “بتسيلم” وتأكدت منها، وصف فلسطينيون محتجزون لدى إسرائيل، استخدام العنف الجنسي كأداة للتعذيب والهيمنة: التعري القسري، والضرب المبرح على الأعضاء التناسلية، وإطلاق الكلاب على السجناء العراة، والإيلاج الشرجي القسري بأدوات.

وفي شهادة، قال صاحبها: “ما زلت أعاني من صدمة نفسية شديدة، لقد جردوني من ملابسي وأطلق الجنود علي كلابا هاجمتني وضربوني على عضوي التناسلي وربطوه بحبل بلاستيكي، مما تسبب بتورم ونزيف”.

وشهد إبراهيم فودة، الذي كان محتجزا في سجن النقب، بأنه “رأى سجناء يتعرضون لاعتداءات جنسية وتعرض بعضهم لهجوم من الكلاب في مناطق حساسة، وخضعوا بعد ذلك لعمليات جراحية عاجلة”.

ومنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، توفي أكثر من 88 أسيرا فلسطينيا أثناء احتجازهم في السجون الإسرائيلية، وهو عدد غير مسبوق بكل المقاييس.

وتعد شهادة فودة واحدة من شهادات عديدة معروفة منذ فترة طويلة. ولا يمكن للسلطات الإسرائيلية والجهات الدولية الفاعلة أن تدعي الجهل. ومع ذلك، يستمر هذا التعدي، لأنه ليس خروجا عن النظام، بل هو جزء لا يتجزأ منه، ولأن نظاما قائما على إنكار إنسانية الفلسطينيين لن يتعامل مع الألم الفلسطيني كدليل على جريمة.

كما أن مساعي إسرائيل وحلفائها لنزع الشرعية عن تقارير مثل تقرير كريستوف لا تقتصر على مقال واحد أو على نظام السجون. فقد قتلت إسرائيل صحافيين في غزة على نطاق غير مسبوق، وتمنع المراسلين الأجانب من دخول غزة، واستخدمت التشريعات لإغلاق وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح عمل القادرين على إيصال المعلومات التي تفضل الدولة قمعها، من صحافيين ومنظمات حقوقية وأطباء ومحامين، أكثر أهمية من أي وقت مضى في تأكيد الحقيقة الأساسية بأن الفلسطينيين بشر، وأن معاناتهم لا يمكن تجاهلها ببساطة.

وتمضي نوفاك قائلة إن الانتهاكات التي تم الكشف عنها صيف عام 2024 في معتقل سديه تيمان، وهو معتقل عسكري إسرائيلي، هي مثال صارخ على المدى الذي قد تصل إليه الدولة في التهرب من المساءلة عن الجرائم التي ترتكب في هذه السجون.

فقد تعرض أسير فلسطيني لاعتداء جنسي أثناء احتجازه لدى إسرائيل، في حادثة وثقتها كاميرات المراقبة وسربت إلى العلن. وتحولت القضية إلى فضيحة عامة، ليس بسبب ما حدث له، بل بسبب اعتقال الجنود الذين زعم أنهم اعتدوا عليه، واندلاع احتجاجات عنيفة تضامنا معهم.

وبعد حملة شعبية وسياسية مكثفة، أسقطت التهم الموجهة ضد الجنود في آذار/مارس، وسمح لهم رئيس الأركان بالعودة إلى الخدمة العسكرية. واحتفل بنيامين نتنياهو بالقرار، واصفا القضية بأنها “فرية دم”، قائلا: “يجب على دولة إسرائيل ملاحقة أعدائها، لا مقاتليها الأبطال”.

وأضافت أن الشخص الوحيد الذي عوقب في هذه القضية هو المحامي العسكري الذي سرب الفيديو.

وقالت إن هذا هو الإفلات من العقاب عمليا، فالنظام مصمم لحماية نفسه وحماية مرتكبي الانتهاكات.

وتشرح نوفاك أن الاعتداء الجنسي على الأسرى الفلسطينيين هو جزء من حرب أوسع على الحياة الفلسطينية. ففي غزة، تستمر الإبادة الجماعية. وفي الضفة الغربية، يتصاعد عنف الجيش والميليشيات الاستيطانية، ما يؤدي إلى تهجير مجتمعات فلسطينية بأكملها من أراضيها. وفي مراكز الاحتجاز، يتعرض الفلسطينيون للتعذيب الممنهج. والنمط واحد في كل مكان: تصاعد العنف، وإزالة القيود، وتطبيع نظام يجرد الفلسطينيين من الحماية.

وتقول إن ردود الفعل الغاضبة على تقرير كريستوف، والتهديدات التي وجهت لصحيفة “نيويورك تايمز”، كشفت عن الأولوية الحقيقية لإسرائيل ومؤيديها، وهي رفع ثمن فضح جرائم إسرائيل والتنديد بها باستمرار.

ولم يعد السؤال هو ما إذا كانت الأدلة موجودة، بل إلى متى سيسمح لهذا النظام بالاستمرار في العمل قبل أن يتحرك العالم بناء على حقيقة أساسية تسعى إسرائيل جاهدة لطمسها: الفلسطينيون بشر ويجب حماية حياتهم.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *