صفاء عبد المنعم: الغبار وجهني للقصة و«حدوتة جدتي رصيدي» – أخبار السعودية

للكاتبة صفاء عبدالمنعم من اسمها كبير نصيب، فالصفاء بكل دلالاته الحقيقية والمجازية، يتمثّل في شخصيّة تعيش الثقافة وتعايشها دون ازدواجية، ولا مناورات، صدقها في مؤلفاتها، وفي وظيفتها، هو ذات صدقها في حياتها، وتعاملها، وعطائها المعهود، وفي هذه المساحة نتعرّف على فضاء الكاتبة والكتابة، ونصغي لشيءٍ من بوح الروح والوعي والإبداع، فإلى نصّ الحوار..

• هل رسمتْ طفولتك مسار حياتك؟

•• أنا أصدّق هذه المقولة تماماً، لأنه لولا حكي جدتي لنا «حدوتة قبل النوم» وهي قصص شعبية، ما أصبح عندي هذا الزخم من الحكي والخيال وحب الكتابة.

كنا ونحن أطفال صغار لا ننام، ولا يغمض لنا جفن قبل سماع حدوتة ست الحسن والجمال، والشاطر حسن وغيرهما، فكانت جدتي تحكي لنا بطريقة مدهشة، وتقلّد صوت المطر والرياح، وهذا يحفز الخيال لصناعة الأماكن والشخصيات، فنحن لم نرَ البحر ولا الجبال ولكن صنعنا صورة ذهنية جميلة.

• ما أثر المكان على شخصية الإنسان؟

•• المكان هو الهوية الأولى لمعنى الوطن، بمعنى كل طفل يعرف أنه ابن قرية أو مدينة قبل أن يعرف اسم المحافظة أو الدولة، فهو ينتمي روحاً وجسداً إلى مكان مولده (بيت الطفولة الأول)، ومهما سافر يظل الحنين إلى هذا المكان داخل قلبه وذاكرته بصورة ملحة، وربما يذهب إليه كي يستعيد هذا الطفل الذي كان بداخله.

• بماذا انعكس عليك العيش في مدينة القاهرة؟

•• القاهرة مدينة صاخبة، ومتعددة الطبقات التاريخية والمعرفية، منذ أن بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط، ثم جاءت مدينة القطائع، ثم القاهرة الفاطمية، ثم القاهرة الخيداوية، ثم التوسع الرأسي والأفقي وإنشاء المدن الجديدة. وعندما تسير على كورنيش النيل وتتذكر الموانئ القديمة مثل الساحل وبولاق وغيرهما تكتشف جمالاً خارقاً وطاغياً، وعندما تذهب إلى منطقة الأزهر والسيدة زينب تعلو وتسمو روحياً بشكل روحاني، وربما إلى المنازل الأثرية فترى فتاة جميلة خلف المشربية فتتذكر حميدة في رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ، أو تسمع صوت الثوار في ثورة 1919 ويتردد في أذنيك «يسقط يسقط الاستعمار»، وترى «فهمي» مصاباً في رواية بين القصرين. فالقاهرة أعطتني صلابة وزخماً معرفياً وثقافياً، وأصبحت شخصية عملية، أحب السعي والعمل الجاد.

• ممن استقيت مياه الوعي الأولى؟

•• من بيتنا، كنت أعيش وسط أسرة ممتدة لها جذور فلاحين، كل إجازة نذهب إلى القرية حيث الغيطان والساقية والنيل والخضرة والحكايات عن الجنّيات فوق المصطبة، والسهراية مع الذرة المشوي والبطاطا أمام الدار، وتنوع الخضرة والمحاصيل الزراعية والشجر داخل الأرض.

• لماذا آثرت التخصص في دراسة الأدب والتربية؟

•• ربما يكون الحظ أو القدر هو الذي دفعني لذلك، لكنني كنت أحب التدريس، خصوصاً في المرحلة الابتدائية، حيث تربية النشء. وكنا ندرس حكايات ايسوب وكليلة ودمنة في كتاب المطالعة. وهذا نتيجة مهمة لحب الحكايات.

• هل أضافت صفاء المثقفة الكثير إلى صفاء المربية؟

•• نعم. فكنت مدرسة واعية تعرف قيمة العلم والثقافة ثم مديرة مدرسة مختلفة لا تخضع للبيروقراطية الوظيفية، ولكنني أعمل بشكل ليبرالي متحضر مع الزملاء ومع التلاميذ، وأضفت الكثير وحللت المشكلات بشكل مختلف ومغاير. وتجاوزت عقبات كثيرة، خصوصاً أيام ثورة 2011، وكان ذلك ظرفاً تاريخياً، حتى أثناء فترة كورونا 2019 أيضاً.

• لماذا اخترت تدريس اللغة العربية؟

• (تدريس اللغة العربية) هو جزء من الثقافة بل هو الثقافة نفسها هناك منهج للطالب يشرح بطريقة حديثة ومتطورة عن الواقع.

• بمن تأثرتِ من أدباء مصر الكبار؟

•• لكل أدباء مصر دور وأثر، مثلاً ندوة المساء، وورشة الزيتون، وندوات اتيليه القاهرة، ونادي القصة، وغيرها من الأماكن الثقافية، التي قابلت فيها الكثير والكثير من الأدباء الكبار في أوائل الثمانينيات وإلى الآن. وكنت أحرص على حضور الندوات والمؤتمرات الثقافية بشكل كبير.

• ما الذي وجّهك لكتابة القصّة؟

•• الذي وجهني لكتابة القصة، «صدفة» كان الجو ذات صباح مليء بالغبار والأتربة، وكنت ذاهبة إلى العمل ولا أستطيع رؤية الطريق، فكتبت قصة يوم عاصف في عام 1982م، وعندما قرأتها أمام بعض الأصدقاء أعجبوا بها جداً، وصدرت بعد ذلك ضمن مجموعة «حكايات الليل عام 1984م»، ومنذ هذا اليوم وأنا أكتب القصة القصيرة، وتأثرت بشدة بكل من تشيكوف ويوسف إدريس.

• كيف كانت البدايات؟

•• ربما تكون بداية الكتابة بسيطة لكن الموهبة والقراءة المنظمة فتحت آفاقاً مهمة بالنسبة لي، لقد قرأت القصة والشعر والرواية وعلم النفس والفلسفة والنظريات الأدبية والفنية، والتحقت بأكاديمية الفنون بالهرم قسم نقد فني عام 2005م، فالدراسة الأكاديمية تنظم المعلومات وتفتح الأفق. في عام 1982م أصدرت مجموعة قصصية صغيرة، ثم مجموعة قصصية «تلك القاهرة تغريني بسيقانها العارية» عام 1990م، طباعة جامعية «ماستر»، وكان من الصعب إصدار مجموعة أو كتاب، ولم تكن انتشرت دور النشر الخاصة مثل الآن. ورغم هذه الطباعة المتواضعة، إلا أنه تمت مناقشتها في العديد من المحافل الأدبية والندوات وفي برنامج مع الأدباء الشبان بالإذاعة.

• من ساند تجربتك الكتابية؟

• بعض الأصدقاء، وكذلك زوجي الراحل الشاعر الكبير مجدي الجابري. في البداية كتبت القصة القصيرة وأصدرت أربع مجموعات، ثم كتبت الرواية عام 2001م، وكانت بالعامية المصرية، ثم الكتابة للأطفال وكان أولادي هم السبب المباشر، إذ كنت أحكي لهم حكاية قبل النوم مثلما كانت تفعل جدتي، ولكن هذه الحكايات كنت أقوم بتأليفها بشكل مباشر، ومن هنا جاءت الكتابة للأطفال، ثم قمت بعمل ورش حكي للأطفال، وورش لتدريب التلاميذ الموهوبين بالمدارس.

• كيف ترين المشهد الأدبي السعودي؟

•• أصبح الآن هناك الكثير والكثير من الأدباء والكتاب المهمين، في البداية قرأت للكاتب الكبير عبدالرحمن منيف، ثم قرأت بعد ذلك لكثير من الأدباء، خصوصاً الشباب، ونلتقي كثيراً في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وأتمنى أن ألتقي بهم على أرض المملكة، إذ أصبحت تقام ندوات أدبية في مناطق متعددة وأصبحت هناك أيضاً جوائز أدبية ونهضة حقيقية.

• ما انطباعك عن مواقع التواصل، وهل تتفاعلين معها؟

•• فتحت المواقع باب التواصل مع كافة الأدباء في دول كثيرة ومدن عدة، وأصبح تبادل الآراء وإقامة الندوات عبر الزووم شيئاً مهماً جداً، فمد جسر التواصل بين الأدباء في البلاد المختلفة. ويمكن أن تكتب نصاً الآن وتنشره بعد دقائق ويُقرأ بسرعة وسهولة.

• هل الكتابة الشبابية مغرية بالقراءة؟

•• فيها روح المغامرة والقفز السريع، ربما يكون بسبب التطور المذهل، ولكن هناك البعض، وهم قلة، لا يقرأون بشكل كبير ولا يعترف بعضهم بالآباء التاريخيين في الكتابة، وأحياناً هناك استسهال واستعلاء لا مبرر له.

• ماذا يضيف ارتباط كاتبة بشاعر؟

•• مجدي الجابري كان شاعراً مجدداً في قصيدة نثر العامية ومثقفاً واعياً وقارئاً نهماً، والثقافة الحقيقية تفتح الأفق للمنافسة والحوار وتبادل الآراء، ولو اختلفنا في وجهات النظر يظل الاحترام والحب المتبادل هو أساس العلاقة.

• ما أثر فوزك بجائزة الأم المثالية؟

•• جائزة الأم المثالية تتويج مهم للرحلة، وتاج على رأسي، تشعر أن هناك من يراك ويقدر جهدك في تربية أولادك بشكل واعٍ. تربية طفلتين صغيرتين ليس بالأمر اليسير في ظل الدخل القليل، ولكن حسن التدبير المنزلي يسهم في نجاح كبير، وحرصت كل الحرص على الثقافة والإبداع والقراءة أيضاً، فكانتا مشتركتين في نشاط مسرح الجامعة، وحصلت كل منهما على جوائز في العروض المسرحية، وعندي الدكتورة مي في مرحلة الماجستير في المسرح بكلية الآداب جامعة عين شمس. فمنذ الصغر تعودتا على مشاهدة السينما والمسرح وقراءة الأدب العربي والعالمي باللغتين العربية والإنجليزية والحمد لله.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *