ماذا وراء الجدل السياسي المشتعل حول ملف مجموعة «حراطين» موريتانيا؟



عبد الله مولود

نواكشوط –«القدس العربي»: عادت قضية «مجموعة الحراطين» في موريتانيا (وهم السود المستعربون المنحدرون من الأرقاء السابقين) إلى واجهة النقاش السياسي والاجتماعي بقوة خلال الأيام الأخيرة، بعد موجة تصريحات وتحذيرات غير مسبوقة أطلقها سياسيون ونقابيون وبرلمانيون من اتجاهات فكرية مختلفة، في سياق داخلي يتسم بحساسية متزايدة مرتبطة بالحريات العامة والاحتقان الاجتماعي، وما يرافقه من سجالات حول العدالة الاجتماعية وطبيعة الدولة الوطنية.
ويبدو أن الجدل الجديد لم يعد مقتصرا على المطالب التقليدية المرتبطة بمكافحة التهميش والتمييز، بل تجاوز ذلك إلى خطاب أكثر حدة يحذر من مخاطر تهدد الوحدة الوطنية نفسها، ويطالب بإعادة فتح ملف الحراطين باعتباره «قضية بنيوية» تمس مستقبل الدولة الموريتانية واستقرارها.
وفجر القيادي السياسي والنقابي الساموري ولد بي، موجة واسعة من التفاعل بعد حديثه في بث مباشر عبر «فيسبوك» عن وجود «استهداف ممنهج» للحراطين، وتحذيره مما وصفه بمشروع يهدد هذا المكون، معتبرا أن الوضع بلغ درجة تدفع إلى البحث عن «حماية دولية». ورغم حدة المفردات التي استخدمها ولد بي، فإن أهمية تصريحاته لا تكمن فقط في مضمونها، بل أيضا في توقيتها وطبيعة الشخصيات التي بدأت تتقاطع مواقفها حول الملف، إذ لم يعد النقاش مقتصرا على نشطاء حقوقيين أو حركات مطلبية، بل دخلت على خطه أحزاب سياسية وشخصيات من داخل مؤسسات الدولة وأطراف محسوبة على الأغلبية والمعارضة معا.
وفي مؤشر لافت على اتساع دائرة القلق، وصف نائب رئيس البرلمان الموريتاني ونائب رئيس حزب «تواصل» الإسلامي أحمدو ولد امباله، قضية الحراطين بأنها «إشكالية جوهرية» تعرقل تنمية البلاد وتهدد استقرارها، مؤكدا أن «السجن وتضييق الحريات» لا يمكن أن يشكلا حلاً للأزمات الاجتماعية المتراكمة.

قيادي في المجموعة يطرح قضية الحماية الدولية

وعكست تصريحات ولد امباله، تحولاً مهماً في طريقة تعاطي بعض النخب السياسية مع الملف، إذ بات الحديث أكثر وضوحا عن الحاجة إلى «حل جذري» بدل الاكتفاء بالمقاربات الأمنية أو خطابات التهدئة التقليدية.
وبرز الأمر نفسه في مواقف أحمد ولد عبيد نائب رئيس حزب الصواب (بعثيو موريتانيا)، الذي اعتبر أن ما يجري ليس «حدثا معزولا»، بل تعبير عن احتقان عميق راكمته سنوات من الإقصاء والتهميش، محذرا من خطورة «اعتياد الظلم» وتحوله إلى أمر طبيعي داخل المجتمع.
وتكشف هذه المواقف المتزامنة عن انتقال ملف الحراطين من دائرة المطالب الاجتماعية المحدودة إلى مستوى النقاش حول شكل العقد الوطني الموريتاني وحدود قدرة الدولة على إدارة التنوع الاجتماعي والعرقي في البلاد.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه الساحة الموريتانية جدلا واسعا عقب سجن البرلمانيتين مريم الشيخ جينغ وقامو عاشور، المنحدرتين من مجموعة «الحراطين»، وهي القضية التي تحولت إلى محور أساسي في خطابات المتضامنين مع الحراطين، الذين يرون فيها مؤشرا على تضييق متزايد على حرية التعبير وعلى الأصوات المدافعة عن قضايا التهميش.
وقد زاد من حساسية الملف تدخل النائب عن حزب الإنصاف الحاكم الحسن ولد محمد، الذي انتقد علنا طريقة التعامل مع البرلمانيتين السجينتين، معتبرا أن ما تعرضتا له داخل السجن «غير مقبول»، رغم تأكيده اختلافه مع مواقفهما.
وأعطى هذا الموقف الصادر من نائب ينتمي إلى الحزب الحاكم للقضية بعدا سياسيا أكبر، وفتح الباب أمام موجة جديدة من التفاعلات، خصوصا بعد أن اعتبر الوزير السابق محمد ولد بربص أن ما يحدث يعكس «استهزاء متواصلا» بالحراطين وتهميشا مزمنا لهم داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
ويبدو أن أخطر ما تكشفه هذه التطورات هو تصاعد الشعور لدى جزء من النخب الموريتانية بأن أدوات المعالجة التقليدية لم تعد كافية لاحتواء الأزمة، وأن استمرار تجاهل الملف قد يدفع نحو مزيد من الاستقطاب والتوتر الاجتماعي.
ومنذ عقود، ظل ملف الحراطين أحد أكثر الملفات حساسية في موريتانيا، بحكم ارتباطه بتاريخ الرق والإرث الاجتماعي والاقتصادي الذي خلفه. ورغم القوانين التي جرّمت العبودية والإجراءات الرسمية التي تحدثت عن الإنصاف والدمج، فإن قطاعات واسعة ما تزال ترى أن الفجوة الاجتماعية والسياسية لم تُردم بعد.
واللافت في الجدل الحالي أنه لا يدور فقط حول «وجود المشكلة» أو «غيابها»، بل حول طريقة توصيفها وتقديمها للرأي العام.
فالسلطة تتحدث عن «اختلالات اجتماعية قيد المعالجة»، بينما تصر بعض الأصوات الحقوقية والسياسية على توصيفها باعتبارها «مظلومية تاريخية مستمرة».
وهنا تتشكل معركة السرديات: بين سردية رسمية تقول إن الدولة قطعت أشواطًا كبيرة في الإدماج والعدالة الاجتماعية؛ وسردية مقابلة تعتبر أن الإجراءات القائمة لا تزال أقل من حجم التحديات المتراكمة.
وبين السرديتين، تبدو مواقع التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لتضخيم الاستقطاب، حيث يتحول أي تصريح أو بث مباشر إلى مادة تعبئة سياسية وهوياتية سريعة الاشتعال.
كما أن اللافت في الخطاب الجديد هو تكرار الدعوات إلى «الحوار الوطني» حول طبيعة الدولة والمواطنة والعدالة الاجتماعية، وهي مفردات تعكس إدراكا متزايدا بأن الأزمة لم تعد مجرد ملف حقوقي، بل قضية سياسية مرتبطة بإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها موريتانيا، يخشى مراقبون من أن يؤدي تصاعد الخطاب المتشنج وتبادل الاتهامات إلى تعميق الانقسامات الداخلية، خاصة في بيئة إقليمية مضطربة تعيش على وقع أزمات عرقية وهوياتية متكررة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.
ومع اتساع دائرة الأصوات المطالبة بإصلاحات أعمق وإنصاف أكبر للحراطين، تبدو السلطة الموريتانية أمام اختبار دقيق: إما فتح نقاش وطني واسع يعالج جذور الأزمة، أو مواجهة خطر تحول الاحتقان المتراكم إلى أزمة سياسية واجتماعية أكثر تعقيدا في المستقبل.
والواقع أن الجدل الحالي لا يعكس صراعًا سياسيًا عابرًا فحسبْ، بل يعبّر عن معركة أعمق تتعلق بكيفية تعريف العدالة الاجتماعية في موريتانيا، وحدود استخدام قضايا الهوية والمظلومية داخل المجال السياسي.
وبين خطاب الدولة وخطاب الناشطين، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا الملف من مادة للاستقطاب إلى أرضية لحوار وطني هادئ ينتج حلولًا ملموسة بدل إعادة تدوير التوترات القديمة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *