في شباط 1972، بعد عقدين من القتال في شبه الجزيرة الكورية والقطيعة المطلقة بين الولايات المتحدة والصين الشيوعية، حلت انعطافة دراماتيكية في علاقات واشنطن مع بكين. وحصل هذا عندما وصل الرئيس ريتشارد نيكسون في زيارة تاريخية إلى العاصمة الصينية، ودشن عصراً جديداً من التعاون بين الأمتين كانت تداعياته العالمية بعيدة الأثر.
اليوم، بمرور 54 سنة عن ذاك الموقف الحاسم، يطرح السؤال إذا كانت زيارة ترامب الحالية إلى الصين ستسجل هي الأخرى في الذاكرة الجماعية كحدث ذي أهمية استراتيجية، يترك أثره على طبيعة النظام العالمي ويكون الرافعة لتحطيم الجمود في الساحة الإيرانية.
في نظرة أولية، مثل هذا السيناريو يبدو متفائلاً ومنقطعاً عن أرض الواقع. فبعد كل شيء، الكثير من المياه تدفقت في نهر يانغتسي منذ عهد الانفراج الأمريكي – الصيني في سبعينيات القرن الماضي، عندما بدأت بؤر توتر واحتكاك في المجال الاقتصادي وفي المستوى الجغرافي الاستراتيجي تلقي بظلالها أكثر على منظومة العلاقات بين الدولتين.
نجاح في الزيارة الأولى
وبالفعل، رغم أن زيارة ترامب الأولى إلى بكين في تشرين الثاني 2017 توجت بنجاح، بل وأثمرت عن اتفاق تجاري شامل سرعان ما غرقت في طي النسيان كحدث عابر.
إلى جانب ذلك، فإن الاستراتيجية العالمية الطموحة التي اتخذتها الصين، “الحزام والطريق” في مسعى لتوسيع مدى نفوذها من خلال سيطرة عالمية على بنى تحتية حيوية، اعتبرتها واشنطن ليست أكثر من محاولة معلنة لتحسين شبكة التجارة العالمية. هذا إضافة إلى السلوك العدواني والفظ من قبل الصين تجاه جيرانها وأساساً في مجال بحر الصين الجنوبي.
كما أن النزاع الأمريكي – الصيني تفاقم بالتدريج في مسائل التجارة والجمارك. وبينما طالب ترامب من الصين شراء منتجات زراعية من الولايات المتحدة على نطاق واسع وتزيد إليها تصدير المعادن النادرة، أعربت الزعامة الصينية عن غضب وإحباط في ضوء القيود الكاسحة التي فرضتها الإدارة على بيع تكنولوجيات الرقائق المتطورة.
في نيسان 2025 بلغت بؤرة هذا الحلف نقطة الغليان عندما أعلن الرئيس عن بدء “حرب الجمارك” التي في إطارها كانت الصين الهدف المركزي لتعرفة جمارك مزادة. ورغم أن بعض الجمارك تقلصت بعد عدة أشهر من ذلك، غير أنرواسب الشكوك والضغائن بين الطرفين لم تختف.
على هذه الخلفية المشحونة والعكرة، ستبدو إمكانية اختراق سياسي في أثناء قمة قصيرة واحدة بلا أساس. ومع ذلك، يجذر بالذكر أنه أضيف لهذه المعادلة المعقدة مدماك جديد وحرج الآن، ألا وهو إيران.
في آذار 2021 وقع اتفاق للتعاون الاستراتيجي بين بكين وطهران. وفي إطاره، تواصل الصين اليوم شراء إيران كميات كبيرة من النفط الإيراني بأسعار زهيدة وتوفر لها عناصر لمركبات صواريخها الباليستية. من جهة أخرى، للصين مصلحة عليا في فتح مضيق هرمز، الذي يشكل أنبوب تنفس حيوي للاقتصاد الصيني ومسار أساس للتجارة معها، وفي حفظ ورفع مستوى العلاقات الاقتصادية المتفرعة مع دول الخليج.
وبالتالي، لا ينبغي استبعاد إمكانية فتح فرصة أمام الصين لنيل الجائزة المنشودة المتمثلة بإزالة جزئية على الأقل للقيود الأمريكية المتشددة على بيع الرقائق المتطورة كجزء من صفقة رزمة توافق بكين في إطارها على ممارسة روافع نفوذ مؤثرة على إيران لتخفيف حدة موقفها في مسألة مضيق هرمز.
امتيازات اقتصادية وتجارية
إن دخول الصين إلى الساحة كوسيط قد يساعدها إذا ما حققت إنجازات وصولاً إلى حدث اقتصادي استراتيجي مركزي بالنسبة لها في جبهة المواجهة وتحسين علاقاتها مع دول الخليج والحصول على امتيازات اقتصادية وتجارية مهمة تمنحها لها الولايات المتحدة مقابل استعدادها لممارسة نفوذها على إيران لكسر الجمود.
في هذه المرحلة، يبدو احتمال هذه الصفقة متدنياً مثلما هو الاحتمال في أن تحقق الرافعة الصينية على إيران، إذا ما استخدمت، هدفها على الإطلاقأيضاً.
لا ينبغي تجاهل اضطرارات الساحة الداخلية على مجال المناورة الرئاسية الكفيلة بأن تؤدي بترامب إلى المبادرة لخطوة وساطة تساهم في رفع مستوى مكانة خصمه الإقليمية والعالمية. الأيام ستقول.
البروفيسور أبراهام ينتسفي
إسرائيل اليوم 14/5/2026