كيف سيواجه المؤتمر الثامن لحركة «فتح» تحديات المرحلة؟


تتجه الأنظار في الآونة الأخيرة، وبترقبٍ غير مسبوق إلى رام الله، التي تستعد لانعقاد المؤتمر الثامن الذي طال انتظاره لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح): هذا المؤتمر، يأتي وسط ملفاتٍ ساخنة، ملتهبة لمنطقة تعج بالأزمات، وملفات داخلية خاصة بالسلطة الفلسطينية و»حركة فتح»، التي تشهد نقاشات داخلية متناقضة وحادة قد تعصف بوحدتها، حيث تدافعت التصريحات والاتهامات والتشكيكات بين إخوة الفصيل الواحد، وظهرت إلى العلن عبر وسائط التواصل الاجتماعي، تعرض بعضاً من صور الفساد المالي والإداري، ومتهمةً البعض بالخيانة والتعامل مع العدو.
في هذا السياق لا بد من الإشارة إلى حالة إنسانية نُشرت لأحد المناضلين الذي استشهد والده وشقيقاه، وكان قد انضم إلى «قوات العاصفة» وهو شبلٌ (14 عاما)، وتعرض لأذيةٍ في ظهره وساقيه نتيجة سقوط الطائرة التي كان يرافق فيها الرئيس عرفات، وقد أفنى حياته مرافقاً له، والآن لا يستطيع الحصول من السلطة على ما يكفي ثمناً للدواء.
وهناك أيضاً ما لا يُصدّق في مزاعم ما نُشر على صفحات فيسبوك، لأسماء تتعامل مع الموساد، دُعيت للمشاركة كأعضاء في المؤتمر، هذا غيضٌ من فيض، من شأنه أن يهدد وحدة هذا الفصيل المقاوم ذي التاريخ المجيد، الذي حمل راية الكفاح المسلح، وخط طريق النضال الطويل والشاق لتحرير فلسطين، واستشهد الكثير من قادته المؤسسين، متجاوزاً الكثير من التحديات والعراقيل التي برزت خلال مسيرته منذ انطلاقته عام 1965 وحتى يومنا هذا.
هذه التحديات التي برزت على شكل مؤامرات من الأنظمة، لشق وحدة الصف، وانتهت بخروج قوات الثورة الفلسطينية- التي كانت تشكل «حركة فتح» عمودها الفقري – من ساحات دول الطوق إلى المنافي، ومن ثم إلى بضع كيلومترات في غزة والضفة الغربية، مرتهنةً باتفاقات جائرة ومُذلّة، بعد أن اضطر القائد الرمز ياسر عرفات إلى رفع شعار «يا وحدنا»، و»القرار الفلسطيني المستقل»، معيداً بذلك حجم القضية الفلسطينية من إطارها الواسع في الصراع العربي الإسرائيلي، إلى صراعٍ فلسطيني إسرائيلي، والآن إلى صراعٍ أخذ إطارا فصائليا مع دولة الكيان، غابت عنه منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وباتت السلطة الوطنية الفلسطينية تُشكّل البديل عنها. كما يأتي انعقاد المؤتمر، في ظل غياب استراتيجية وطنية ومشروع وطني فلسطيني، من شأنه أن يضع حدا للانقسام الفلسطيني بين فصائل العمل الوطني كافة، هذا الانقسام الذي طال، إلى حد ما، البنى التنظيمية «لحركة فتح» وكوادرها، مثلما طال المجتمع الفلسطيني وهيئاته المدنية ومؤسساته، الأمر الذي شتّت الجهد الفلسطيني والعمل المقاوم، وصبَّ في جادة تعاظم الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية، التي طالت الجميع دون استثناء، حتى بلغت ذروتها بقرار الضم الذي اتخذه الكنيست الإسرائيلي، وأيضا تجاوزت إلى ملاحقة المناضلين كافة في الضفة والقدس، وسط صمت من أجهزة السلطة عن ذلك، بل شراكتهم بالكثير منها تحت عنوان التنسيق الأمني، والتصدي لأصحاب الأجندات الخارجية، إضافة إلى نسف البيوت من قبل جيش الاحتلال، ومصادرة الأراضي، وتزايد الاستيطان، وتواصل العدوان الإسرائيلي الفاشي على غزة، وسقوط المزيد من الضحايا يوميا، جرّاء تواصل مجازر الإبادة الجماعية، والاستمرار في الحصار ومنع وصول المساعدات بحدها المتفق عليه، والتصدي لأية محاولة لفك هذا الحصار، كما حدث مع آخر محاولة لأسطول الصمود 2 العالمي، حيث تمت مهاجمته واعتقال العديد من الناشطين الدوليين المشاركين فيه والقادمين من أكثر من 70 دولة.

أمام كوادر «حركة فتح» مسؤوليات جسام، وسط هذا الخضم الواسع من الأزمات، التي تضرب المنطقة، وتهدد مستقبل شعبنا الفلسطيني وقضيته الوطنية

غياب المشروع الوطني، دفع نتنياهو إلى إعلان المخطط الصهيوني من على منصة الأمم المتحدة،عندما عرض للرأي العام العالمي خريطة «إسرائيل الكبرى». هذه الوقاحة البالغة، والعدوانية والتوسعية الصهيونية تأتي أيضاً في ظلِّ غياب مشروع عربي نهضوي تحرري، يعيد للقضية الفلسطينية زخمها العربي والدولي، كونها أنبل قضية عرفتها البشرية.
هذه الأوضاع تضع المؤتمر أمام مسؤولياته التاريخية العاجلة. على الصعيد الداخلي الفتحاوي، لا بد من رد الاعتبار للنظام الأساسي بمبادئه وأهدافه وأساليبه للتعامل مع القضايا السياسية المطروحة، التي تخدم قضيتنا الوطنية. وتفعيل المحكمة الثورية، والالتزام بعقد المؤتمرات والاجتماعات في حينها، ومراعاة شروط العضوية والتاريخ النضالي للارتقاء التنظيمي عند إجراء الانتخابات الديمقراطية لمختلف المراتب القيادية الحركية، ومحاربة الفساد بكل أشكاله وصوره وأفراده، ورد الاعتبار للمناضلين، الذين دفعوا ضريبة الدم والأسر. ومن الضروري الفصل بين مهام السلطة الفلسطينية، ومهام ومسؤوليات منظمة التحرير الفلسطينية، والمسؤولية الحركية النضالية.
أما على الصعيد الوطني الفلسطيني؛ فيجب الإسراع بانهاء حالة الانقسام، بإجراء حوار وطني شامل لجميع القوى والفصائل يؤسس لمؤتمرٍ وطني جامع يعيد الوحدة الوطنية بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، والاتفاق على آليةٍ لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية تشمل فلسطينيي الداخل والشتات، تسمح بإعادة تشكيل مؤسسات م.ت.ف، بما فيها السفارات، على أسس وطنية تشمل فلسطينيي الداخل والشتات، والبدء بصياغة مشروع وطني تحرري يتضمن رد الاعتبار للميثاق الوطني الفلسطيني، الذي تم تمزيقه أمام الرئيس الأمريكي السابق كلينتون، الذي رعى اتفاقات أوسلو سيئة الصيت والنتائج، ورفض كل أشكال الوصاية والتبعية والمجالس والهيئات التي تنال من سيادة شعبنا وممثله الوحيد «منظمة التحرير الفلسطينية»، وإعطاء دور للمنظمات والاتحادات الشعبية والمهنية، وتقديم الدعم لها لأخذ دورها في النضال الجماهيري، وتعزيز صمود شعبنا في غزة والضفة والقدس بكل السبل.
وعلى المستوى العربي، التأكيد على عدم التدخل بالشؤون الداخلية لكل بلد، وفي الوقت ذاته، التأكيد على عدم المساس بالقرار الفلسطيني، والارتقاء بمسؤولية الدول العربية بدعم القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، لتمكين الشعب الفلسطيني من تحقيق أهدافه بإقامة دولته المستقلة. وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين، حسب قرارات الشرعية الدولية، وهذا بدوره يتطلب تحشيد قدرات الشعوب العربية وحركاتها وأحزابها والاستفادة منها لدعم تحركٍ عربيٍ عاجلٍ لمواجهة مخططات نتنياهو، التي لم تعد تقتصر على حدود فلسطين التاريخية، بل تعدّت ذلك لتصل إلى إمارة الكويت وأواسط المملكة السعودية مروراً بالعراق والأردن وسوريا ولبنان وسيناء، والضغط على الإدارة الأمريكية بكل الوسائل لفك الشراكة مع الكيان، وإيقاف قطار التطبيع والعلاقات مع الكيان، وتفعيل دور المقاطعة للأنشطة، والفعاليات الإسرائيلية المشاركة في المحافل الدولية وللبضائع والمنتجات والشركات الإسرائيلية، وتلك الداعمة لها، وتسوية العلاقات مع دول الجوار، والاستفادة من مخرجات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
أما على المستوى الدولي فلا بد من الاستفادة من الاعتراف العالمي الواسع بدولة فلسطين، وتوثيق العلاقات مع الدول والأحزاب، والهيئات الصديقة، والتعاون معها للالتزام بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية التي تؤكد على حقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، وهذا يتطلب مغادرة التهافت وراء سراب اتفاقات، أو مبادرات أمريكية أو إسرائيلية، بعد افتضاح شراكة الإدارة الأمريكية مع نتنياهو لإعادة تشكيل المنطقة، حتى يبقى الكيان الصهيوني القوة الرادعة والمهيمنة والمسيطرة الوحيدة في المنطقة، كحلقة أولى في مخطط مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، الذي طالما تبجح به نتنياهو مراراً بقوله «إنني غيّرت وجه الشرق الأوسط». وهذا يتطلب العمل على إيجاد تحالفات واصطفافات جديدة، وتقوية العامل الذاتي لإحداث توازن، ولو بالحد الأدنى، في موازين القوى. كما يتطلب أيضا، التوجه إلى المحاكم الدولية لتقديم مجرمي الكيان إلى العدالة لارتكابهم مجازر الإبادة الجماعية بحق أهلنا في غزة. والتوجه عبر السفارات والجاليات الفلسطينية والعربية، إلى الأحزاب والمنظمات الدولية والهيئات والجمعيات والمؤسسات الأهلية غير الحكومية، وإلى شعوب العالم قاطبةً بسردية فلسطينية واحدة، تعكس مرارة ما حلَّ بالشعب الفلسطيني من نكباتٍ وتُذكّر بتراثه الحضاري الإنساني، ومراحل نضاله للتحرر والاستقلال.
إن أمام كوادر «حركة فتح» مسؤوليات جسام، وسط هذا الخضم الواسع من الأزمات، التي تضرب المنطقة، وتهدد مستقبل شعبنا الفلسطيني وقضيته الوطنية. إنه نداء الواجب الوطني والأخلاقي لصياغة برنامج سياسي يأخذ بعين الاعتبار الأوضاع والمستجدات الحالية في المنطقة. وانتخاب قيادة جديدة ترتقي إلى مستوى دم الشهداء، وتضحيات الأسرى وصمود شعبنا الأسطوري، قيادة أمينة وقادرة على تحقيق أهداف النضال الفلسطيني بعيدة عن الحسابات الشخصية الضيقة، لا مكان فيها للمطبّلين والمزاودين وللمتاجرين بالدم الفلسطيني والكرامة الوطنية.

كاتب فلسطيني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *