في مواجهة السُّكّر…


-ما رأيك بأن أدعوكِ لتناول البوظة؟
-بوظة؟
-نعم؟
-لا، ممنوع…
-هل أنت في حِمية غذائية؟
-صحيح…
-جيد جدا، أنا أيضا لست متحمّسا لتناول الحلويات.
بعد هذه المحادثة مع حفيدتي، مرّ في بالي ما يتعرّض له السُّكر من إهانات واتهامات من مختصين وغير مختصين وكيف كان الموقف من السّكر، وكيف جرت كل هذه التحولات التي جعلته مادة سيئة السمعة رغم أن الحياة من غيره شبه مستحيلة.
صارت نصيحة «ابتعد عن السكر»، أولى النصائح الصحية. كي تنام جيّدا، وكي تبدأ بنهار جميل، وكي تحافظي على نعومة بشرتك، وكي تبعد شبح الزهايمر، وكي يبقى بصرك ممتازاً ودمك نظيفاً من الترسبات والكولسترول، ابتعد عن السّكر.
ما من أحد يهتم في الصحة العامة إلا وتكون نصيحته الأولى «السكر ثم السكر ثم السكر».
لقد انحدرت سمعة السكر إلى الحضيض.
أحسست بنوع من الرّثاء للعلبة الزجاجية التي تسمى «سكّرية»، وكيف كان محتواها عزيزاً مبجلاً قبل بضعة عقود، وكيف صار يعامل كأنه مادة ملوثّة يجب الحذر منها.
كان السّكر ذا شـأن عظيم، تخفيه الأمهات في علب معدنية مزخرفة، وتضعه الجدات في أعلى الخزانة كأنه ذهب أبيض لا يجوز العبث به.
لم يكن مادة غذائية فقط، بل مثّل مكانة اجتماعية، ودليلاً على النّعمة.
حتى الأمراض كانت لها طبقات اجتماعية.
كان الناس ينظرون إلى مريض السكري بشيء من الهيبة المُبطنة، كان عدد مرضى السكري محدوداً جداً خصوصاً في القرى النائية. كان من نصيب أبناء العائلات القليلة الميسورة، رب الأسرة عادة ما يكون موظّفاً في مؤسسة رسمية، يتيح له راتبه تناول السّكاكر والأطعمة المشبعة بالسّكر يومياً.
كانت وظيفته الأساسية تحلية الشاي بملعقة أو اثنتين، والبعض يحبه مثل القطر، ثلاث ملاعق وأكثر. كذلك هناك من ما زالوا يحتسون القهوة الحلوة، إضافة إلى أن مسحوقه يُرشُّ على المعمول وغيره من الحلويات ويدخل كمركب أساسي في كثير من الأطعمة الحلوة المذاق مثل البحتة والمربى والمهلبية، وغيرها.
يسجّل للسكر أنه قادر على تحويل بعض المواد الأولية العادية إلى مأكولات مُشهية. ولكن في تلك الأيام كان أكثر الناس من غير سيارات، وكانت أنواع الغذاء محدودة. والسكر يحترق ولا يُخزّن.
لم تكن سمعة السكر السيئة قد انتشرت بعد.
بدا السكري كأنه مرض الميسورين، وكان مستغرباً أن يمرض فقير بالسّكر. فأمراض الفقراء أكثر تواضعاً من تورط السكر فيها.
ولكن في تلك السنين لم يكن هذا الفائض الهائل من السكريات، ولم يكن السكر جزءاً أساسياً من مختلف أنواع الأطعمة بما في ذلك الخُبز ومنتجات الألبان المنكّهة و»حبوب الإفطار» والكاتشب كما هو حال اليوم. إذ يدخل السكر في معظم صناعات الأغذية بنسب مختلفة حتى تلك التي تستبعد وجود السكر فيها مثل النقانق والمايونيز والوجبات والشوربات الجاهزة والمخللات وغيرها.
تخصص الشركات الكبرى المنتجة للسكر أموالاً طائلة لتوجيه الاستهلاك إلى منتجات غنية بالسّكر بصور غير مباشرة.
دارت الأيام وصار السكري مرضاً شعبياً، تدهورت مكانته الاجتماعية، وصار مبتذلاً، أما الميسورون فهم أولئك القادرون على ترتيب نظام غذائي يحوي الحد الأدنى من السكر أو يتجنبه تماماً ولكنه نظام مكلف، وبات السكري من نصيب الفئات الأكثر فقراً، الذين لا يجدون بدائل صحية عن الأطعمة المصنعة.
حتى في الأطعمة التي كتبوا عليها بخط عريض «طعام صحي». يتسلل متنكرًا في هيئة حبوب إفطار بريئة تبتسم على غلافها شخصيات كرتونية.
كان الناس يحبونه حبًا علنيًا لا خجل فيه، يفخرون بتقديم حلوى من السكر لضيوفهم، فصارت تقدم في أحيان كثيرة مع تبرير بأنه لا بد منها، وكمغامرة صحية لدى البعض، و»مش وجه فشل» و»تفشلنيش» والبعض يبرر» بس علشانك بدي آكل كنافة».
تذكرت أغنية محمد قنديل من «الزمن الجميل» التي جاء فيها «… تقول سُكر وأقول أكثر من السكر مئتين مرة»! وجبة محمد قنديل تتجاوز ما توصي به منظمة الصحة العالمية مئات المرات. حتى نزار قباني الكبير وقع في الفخ «إذا مرّ يوم ولم أتذكر به أن أقول لك صباحك سكر، فلا تحزني من ذهولي وصمتي ولا تحسبي أن شيئا تغيّر».
لم نسمع مطربًا يقول لحبيبته يومًا: أنتِ يا حبة الشوفان، أو يا نصف ملعقة زنجبيل مع الكركم». وحده السكر كان يملك تلك المكانة الشعرية التي تجمع بين الرومانسية وخطر السمنة الزائدة.
«ابتعدي عن السُكَّر يا حبيبتي».» خفف سكر يا صديقي».
صار السكر متهمًا رسميًا في كل ما هو سلبي في جسد الإنسان حتى نقاء تفكيره وحالاته النفسية، ضغط الدم، الكبد الدهني، تسوّس الأسنان.
أصبحت حبة الملبس تُعامل كما تُعامل السجائر في محطة وقود. الأم التي تقدم لأبنائها السكاكر ومختلف أنواع الأطعمة الجاهزة والمشروبات المحلاة، توصف بأنها أم مستهترة بصحة أبنائها، ومتهرّبة من مسؤولية الطبخ الصحي.
الأب الذي يعود من عمله وهو يحمل كيساً فيه بسكويت مغطى بالشوكولاتة، فهو لم يستوعب بعد حقيقة الأضرار التي يقدمها لأبنائه.
الناس أنفسهم الذين كانوا يُغرقون الشاي بثلاث ملاعق منه، صاروا اليوم يرفعون أصبعهم أمام النادل أو المُضيف قائلين بفخر: بدون سكر رجاءً.
يقول أحدهم «أنا توقفت عن تناول العصائر والمشروبات المحلاة منذ خمسة عشر عاماً» كأنه يفخر بتاريخ نضالي مشرّف، بينما يؤكد رفيقه المناضل، أنه توقف عن شرب القهوة الحلوة ولا يشربها إلا سادة منذ ثلاثة عقود، ويتساءل البعض مستغرباً: كيف تشربون القهوة مع سكر؟ أي طعم يبقى للقهوة؟ لماذا تفسدون قهوتكم بالسّكر؟ وبعضهم يعترف أنه كان يتجاهل الحقيقة ولكنه انضم مؤخراً إلى حركة مقاومة السّكر التي كانت شبه سرية قبل عقود، وأصبحت اليوم من حركات التحرر المعترف بها عالميًا.
لقد باتت القهوة المُرّة والشاي بلا سكر علامة الرصانة والنضج والوعي الصحي وعضوية غير معلنة في نادي محاربي الأنسولين.
الأطرف من كل هذا أن الشركات نفسها التي أغرقت وما زالت تغرق العالم بالسكر وتدحرج آلاف مليارات الدولارات من خلال صناعته وتسويقه ولها تاريخ عريق منذ قرنين في استعباد شعوب وخصوصاً الزنوج في زراعة وحصاد قصب السكر وتصنيعه، هي التي تتبنى المنتجات الخالية من السكر، وبأسعار أعلى، وكأنها تبيع للناس السموم بيد ثم تبيع لهم الترياق باليد الأخرى.
باعتقادي أن الشعوب التي تطمح للحرية السياسية يتحتم عليها أن تتحرر أولاً من هيمنة السّكر في نظام طعامها وشرابها اليومي، بما في ذلك السكر المتخفي في مختلف الأطعمة والمشروبات التي لا يخطر في بالك أنه يشكل نسبة مرتفعة من تركيبتها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *