فاجأت باكستان أصدقاءها وخصومها على حد سواء بصعودها اللافت إلى مرتبة وسيط بين الولايات المتحدة وإيران.
في عالم مثالي باكستان هي آخر من يحق له الوساطة في حرب نصف عالمية خطيرة مثل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
باكستان أقرب إلى دولة فاشلة (لولا القنبلة النووية). هي ذاتها بحاجة إلى من يتوسط لها ويساعدها على أزماتها الداخلية والإقليمية – أو هكذا لطالما نظر لها العالم.
لكن بعد الواقع الذي فرضه عليها ومن حولها الـ11 أيلول (سبتمبر) 2001، أخذت باكستان مكانة مختلفة في لعبة العلاقات الدولية. أصبحت مؤهلة لتقديم خدمات للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في الحرب على تنظيم القاعدة وأفغانستان. هذا الأمر جعل باكستان مفيدة وأنقذها من التهميش.
لكن المكانة الجديدة لم تساعد باكستان في انتزاع ثقة الأمريكيين والغرب، الذين ينظرون بعين الريبة لها في واشنطن والعواصم الغربية أكثر من الذين يرتاحون لها.
إلى جانب المشهد الإقليمي، تعاني باكستان داخليا من مشاكل كثيرة، هيكلية وسياسية واقتصادية واجتماعية. العنف السياسي آفة من آفاتها الخطيرة. منظومة الحكم فيها معقدة. الباكستانيون يقولون إن كل دولة في العالم تملك جيشا إلا الجيش الباكستاني يملك دولة!
الجيش الباكستاني يتصرف بلا حسيب أو رقيب. يضع السياسات الداخلية والخارجية ويفرض تطبيقها. يفاوض المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمات الأمم المتحدة. يسجن من يشاء من السياسيين ويفرج عمن يشاء.
فكيف تمكنت باكستان وسط هذا الواقع الصعب من «فرض» نفسها وسيطا بين الولايات المتحدة وإيران؟ وكيف صدّق العالم أنها تؤثر وتحل وتربط في صراع سيغيّر شكل الشرق الأوسط والعالم؟
في الأسبوع الأخير من شهر شباط (فبراير) الماضي كانت مفاوضات جنيف بين طهران وواشنطن، برعاية سلطنة عُمان، على بُعد ساعات من اتفاق تاريخي. ثم قرر ترامب فجأة شنّ الحرب على إيران من وراء ظهر الجميع (إلا بنيامين نتنياهو). اعتبرت عُمان إعلان الحرب طعنة في الظهر عبّر عنها بحسرة وصراحة وزير خارجيتها بدر البوسعيدي، متعمداً، لوسائل إعلام أمريكية.
هنا انقضت باكستان على الفرصة. لكنها لم تكن قفزة في المجهول. لقد انقضت إسلام آباد على الفرصة مستغلة ثقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد أن بدأت رحلة إغرائه منذ عودته إلى البيت الأبيض. ولأنها لا تملك الكثير من الأدوات والأوراق الدبلوماسية والسياسية التقليدية، لجأت باكستان إلى غير التقليدي، ونجحت: رسالة رشحته بها لجائزة نوبل، وصفقات ثروة طبيعية ومعادن منحتها لأفراد عائلته وأصدقائه.
وثقة ترامب هذه ليست مشكلة كبرى. يستطيع أيّ شخص أن يكتسبها بتغريدة أو وعد فيه مصلحة مالية لترامب أو أولاده. ويمكنه أن يفقدها لاحقا بتغريدة، أو حتى وشاية كاذبة أو نميمة.
إلى عوامل المصلحة يمكن إضافة إعجاب ترامب بقائد الجيش الباكستاني، الماريشال عاصم منير، وتفضيله على رئيس الوزراء شهباز شريف، إلى حد استضافته بحفاوة في البيت الأبيض في خرق للبروتوكول.
في المقابل لا تنتظر باكستان من ترامب الكثير. تريده فقط أن يواصل جفاءه مع الهند، أو يعمقه إن أمكن، وأن يُبقي باكستان في منأى عن التوجس المتجذر إزاءها في المؤسسات الأمريكية مثل الكونغرس وأجهزة الاستخبارات المختلفة. السيناتور الجمهوري تيد كروز وصف باكستان بحليف الضرورة، وبالحليف الإشكالي. (كذلك من أسباب التوجس من باكستان في أوساط صناعة القرار بواشنطن أنها لا تقيم علاقات مع إسرائيل وليست على وئام معها).
الوساطة شكلية وليس مهما أن تنجح. يكفي أن تستمر ليرضى ترامب وباكستان ويشعر كلٌّ منهما بأهميته
لهذا من الخطأ الاعتقاد بأن ما وصلت إليه باكستان في علاقاتها مع الولايات المتحدة تحوّل استراتيجي، أو أنه سيرقى ليصبح استراتيجيا. لو كان في البيت الأبيض رئيس ديمقراطي، أو حتى جمهوري غير ترامب، كان سيصبح من الصعب رؤية باكستان تتصدر الأخبار بهذه الطريقة الإيجابية.
هناك من يفضل اعتبار هذا التقارب والوساطة الباكستانية في حرب أمريكا وإسرائيل على إيران انتهازية من الطرفين: من هنا رئيس نرجسي طمّاع، ومن هناك منظومة حكم تتعلق بأي قشّة تعتقد أنها ستُبيّض صورتها قليلا. هناك من يعتبره ذكاء دبلوماسيا وبراغماتية سياسية من باكستان تربح بها بعض الوقت.
هو إذاً تقارب مصلحة هشّ، وبسبب هشاشته فقد ينهار هذا التقارب في أيّ لحظة لو أن قادة باكستان خرجوا عن الصف قليلا كأن يرفضوا لترامب أيّ طلب، ولو كان شخصيا أو عائليا صغيرا. وقد ينهار لو عرفت الهند كيف تستميل ترامب بإغراءات أفضل، فالرجل في نهاية المطاف يدير بازارا عالميا للمجاملات والتملق. المؤكد أنه تقارب مرتبط بوجود ترامب في البيت الأبيض، وستنطفئ جذوته، أو ينتهي تماما، بعد مغادرته. والباكستانيون أكثر من يدرك ذلك، فيحاولون جني ما أمكنهم من المكاسب قبل أن تدق لحظة الحقيقة.
لناحية إيران، استفادت باكستان من العلاقات الوثيقة التي نسجها جيشا البلدين خلال السنوات الأخيرة. وبما أن الجيش الإيراني، بكل مكوناته، هو صاحب اليد العليا في الظروف الحالية، أيقنت إسلام آباد أنها تتعامل مع الطرف القوي والصح في طهران، فدفعت بأوراقها مطمئنة.
كل هذا لن يغيّر من حقيقة أن الوساطة الباكستانية في الحرب على إيران محفوفة بالشكوك والتساؤلات. بعض هذه التساؤلات يتعلق بشخصية ترامب. ليس من السهل تصوّر هذا الرجل بنوبات نرجسيته وتقلباته ينتظر مقترحات وأفكارا تأتيه من دولة لا يعرف موقعها على الخريطة (الله أعلم بماذا يصفها وراء الأبواب المغلقة) ثم يعمل بنصائحها.
ترامب يتصرف من رأسه ويقرر بمفرده. والحديث عن أنه استلم مسودة اقتراحات وهو بصدد دراستها، وغيره، مجرد تسلية له وإلهاء للعالم. باكستان تُصدّق أنها تدير المفاوضات، لكنها في واقع الأمر لا تملك أدوات ومهارة إقناع الأمريكيين والتأثير على الإيرانيين. حتى الآن هي ساعي بريد بين طرفين عنيدين من دون تأثير واضح على أيٍّ منهما. الوساطة شكلية وليس مهما أن تنجح. يكفي أن تستمر ليرضى ترامب وباكستان ويشعر كلٌّ منهما بأهميته. إيران تساير الوساطة لأنها لا تملك ترف رفضها حتى لا تبدو في صورة الطرف المتعنت الباحث عن الحرب.
*كاتب صحافي جزائري