رومانسية حميمية ضد ضجيج السينما


كان – «القدس العربي» :  ثمة أفلام لا تسعى إلى إبهارك بقدر ما تحاول أن ترسم ابتسامة على وجهك، أو تطيب خاطرك، أن تربّت في حنو على كتفك. أفلام تتعامل مع الحب والحياة كما لو كانا لوحة مبهجة، وترى العشق طريقاً للعودة للحياة بعد الفقد. فيلم «فينوس الكهربائية» للمخرج الفرنسي بيير سلفادوري ينتمي إلى هذا النوع من السينما؛ تلك الأفلام التي تبدو خفيفة في ظاهرها، لكنها تحمل عمقاً إنسانياً وتتناول المشاعر الإنسانية مثل، الحب والحزن والرغبة والإبداع الفني.
اختير الفيلم لافتتاح مهرجان كان في دورته التاسعة والسبعين (من 12 إلى 23 مايو/أيار الجاري)، في ما يعد واحداً من أفضل الأفلام التي افتتحت المهرجان في الأعوام الأخيرة. فهناك من كان ينتظر افتتاحاً صاخباً، أو عملاً كبيراً، بالمعنى الاستعراضي للكلمة، بينما جاء سلفادوري في «فينوس الكهربائية» بفيلم رومانسي صغير، حميم، مبهج في آن. يمتلك الفيلم تلك السمات التي جعلته فيلماً باريسياً وفرنسياً بامتياز، حيث نجد فيه القدرة على صناعة المتعة من دون ابتذال، والرومانسية من دون سذاجة، والكوميديا ذات العمق الإنساني.
تدور أحداث الفيلم في باريس أواخر العشرينيات، وهي باريس كما نتصورها في تلك الفترة، باريس التي يؤمها الرسامون الطامحون في النجاح، الذين يعيشون على الكفاف في مونمارتر يراودهم حلم الشهرة، وباريس الرسامين الذين حازوا الشهرة ويعيشون حياة مترفة، ولكنها في جميع الأحوال باريس العشاق، الذين يحبون ويصدقون في الحب، أو تتبدل مشاعرهم وأهواؤهم.


«سوزان» التي تؤدي دورها آناييس ديموستيي ببراعة آسرة، تعمل في سيرك متواضع كفقرة غرائبية تحمل اسم «فينوس الكهربائية»، حيث يُطلب من الرجال تقبيلها ليتعرضوا بعدها لصدمة كهربائية صغيرة يُفترض أنها تجسد «كهرباء الحب». الفكرة في ذاتها عبثية وميلودرامية، لكن الفيلم لا يسخر منها، بل يجعل منها استعارة جميلة عن العلاقات الإنسانية نفسها: نحن نبحث عن الحب رغم الألم الذي قد يسببه لنا. «سوزان» ليست امرأة حالمة، بل تحاول النجاة بنفسها من براثن العمل في هذا السيرك لتعيش في حرية. امرأة دفعتها الحياة إلى الحافة، حتى بات الاحتيال بالنسبة لها امتداداً غريزياً للبقاء. وحين يأتي شاب وسيم ليطلب منها المساعدة مقابل أجر مادي مجزٍ في الاتصال بزوجته المتوفية حديثاً، ظناً منه أنها وسيطة روحية قادرة على التواصل مع الموتى، تقرر اغتنام الفرصة للحصول على بعض المال لشراء حريتها من حياة السيرك، من ذلك الرجل الذي يعيش انهياراً نفسياً بعد وفاة زوجته.
كان يمكن للفيلم بسهولة أن يتحول هنا إلى مجرد كوميديا جوفاء، لكن سلفادوري يعنيه ما هو أعمق من ذلك. هو لا تشغله فقط الكوميديا الناتجة عن محاولات «سوزان» لإقناع الشاب الثري، الذي يتضح لاحقا أنه الرسام الشهير أنطوان باليسترو، بل بما يكشفه هذا الكذب عن البشر. «سوزان» لا تحتال بدافع الشر، وأنطوان لا يصدقها لأنه أحمق، بل لأنه غارق في حزنه إلى درجة يصبح معها الوهم أكثر رحمة من الحقيقة. وهنا تحديداً تكمن إنسانية الفيلم. فالحزن يجعل الإنسان هشّاً. ومن يعرف الفقد جيداً سيدرك أن الإنسان قد يتمسك بأي خيط، بأي إشارة، بأي احتمال صغير يسمح له بالشعور أن من رحل لم يختف تماماً.
بيو مارماي يؤدي شخصية أنطوان بحساسية مدهشة. أداؤه ليس استعراضياً، ولا يعتمد على الانفعالات الكبيرة، بل على ذلك الانطفاء التدريجي في العينين، على طريقة جلوسه، على صمته الطويل. إنه رجل فقد ليس فقط المرأة التي أحبها، بل فقد أيضاً علاقته بالعالم وبالفن، حيث توقف عن الرسم بعد وفاة زوجته وملهمته. وحين تبدأ جلسات التواصل الروحي الزائفة مع زوجته الراحلة، لا يستعيد الأمل فحسب، بل يستعيد رغبته في الرسم. هنا يطرح الفيلم سؤاله الأهم: هل يهم فعلاً إن كان الوهم حقيقياً، إذا كان قادراً على إعادة الإنسان إلى الحياة؟ هذه الفكرة في الواقع واحدة من أكثر أفكار الفيلم شاعرية. الفن نفسه يقوم أحياناً على هذا النوع من الوهم الجميل. نحن نذهب إلى السينما لنصدق ما نعرف مسبقاً أنه غير حقيقي، لكن التأثير العاطفي الذي يتركه فينا حقيقي تماماً.
الأجمل أن الفيلم لا يحوّل إيرين، الزوجة الراحلة، إلى مجرد ذكرى مثالية معلقة على الجدار. عبر الفلاشباك، يمنحها حضوراً حقيقياً ومعقداً. نرى إيرين امرأة ذات شخصية قوية حديثة، لا تريد أن تُختزل في دور الزوجة الملهمة للفنان، ولا في دور العارضة التي يرسمها الفنانون. هي امرأة ذات ذوق فني كبير، ويمكنها تقييم الغث من الجيد من اللوحات، ويمكنها عبر عينها الفنية الخبيرة أن ترشد يد الفنان ليكتشف نقاط قوته، وهذا ما فعلته مع زوجها، الذي كان حين عرفته فناناً مغموراً ليصبح بإرشادها فناناً واثقاً مبدعاً تتهافت دور العرض على اقتناء لوحاته.
ثمة حداثة عاطفية واضحة في طريقة تناول الفيلم إلى العلاقات. النساء هنا لسن مجرد أدوات لخلاص الرجل الفنان، بل شخصيات كاملة تحمل جراحها ورغباتها الخاصة. يتميز «فينوس الكهربائية» بتلك القدرة النادرة على المزج بين الخفة والحزن، بين السخرية والرومانسية، وبين الوهم والحقيقة، من دون أن يفقد الفيلم توازنه. لا يسعى الفيلم إلى الصدمة أو الإدهاش التقني أو التعقيد الفلسفي الثقيل. لكنه يمتلك شيئاً أكثر ندرة اليوم: الحنان. حنان تجاه شخصياته، وتجاه ضعف البشر، وتجاه حاجتنا جميعاً إلى بعض الأوهام الصغيرة كي نستطيع الاستمرار. وفي زمن تبدو فيه السينما مهووسة بالضجيج، بالعنف، وبمحاولة إثبات أهميتها طوال الوقت، يأتي «فينوس الكهربائية» ليذكّرنا بأن فيلماً بسيطاً عن الحزن والحب والفن قد يكون كافياً تماماً، إذا امتلك قلباً حقيقياً.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *