خيار التفاوض مع جهاديي مالي يعود للواجهة… هل يتكرر النموذج السوري؟


نواكشوط – “القدس العربي”: سؤال أصبح مطروحاً حتى على مستوى الأوساط التي كانت ترى في الحركات الجهادية المسلحة في الساحل شيطاناً أكبر يجب القضاء عليه بأي ثمن.

وقد أدخل الأمين العام لـ”جبهة تحرير أزواد”، معطى سياسياً جديداً في هذا الاتجاه هو إقناع جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” بتحويل أجندتها من العنف المسلح إلى الدخول السلمي في الشأن المحلي.

والواقع أن السؤال الأكبر في مالي لم يعد مقتصراً حول من يسيطر على المدن والطرق والثكنات، بل حول من يملك القدرة على فرض “النموذج السياسي” القادم في الساحل.

السؤال المهم: من يملك القدرة على فرض “النموذج السياسي” القادم في الساحل؟

فالهجمات المنسقة التي شهدتها البلاد أواخر أبريل/ نيسان 2026، ووصول المعارك إلى تخوم باماكو وكاتي، أعادت خلط الأوراق بشكل غير مسبوق، ودفعت نقاشاً كان يُعتبر من المحرّمات إلى قلب المشهد، فهل بات الحوار مع الجماعات الجهادية خياراً اضطرارياً بعد فشل المقاربة العسكرية؟

ما كان يُطرح همساً في الأوساط الأكاديمية والدبلوماسية، أصبح اليوم يُناقش علناً داخل مالي وخارجها، خصوصاً بعد تزايد المؤشرات على تراجع قدرة السلطة العسكرية بقيادة عاصيمي أكويتا على احتواء التهديد الأمني، رغم التحالف الوثيق مع روسيا وقوات “أفريكا كوربس”.

نقطة التحول الكبرى

الهجمات التي شنها تنظيم “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبط بتنظيم القاعدة بالتنسيق مع “جبهة تحرير أزواد” الطوارقية، لم تكن مجرد عمليات عسكرية متفرقة، بل بدت أقرب إلى إعلان انتقال الصراع إلى مرحلة جديدة.

فللمرة الأولى يظهر تنسيق ميداني واسع بين الجهاديين وثوار الطوارق، في مشهد أربك السلطة في باماكو، خاصة بعد سقوط كيدال مجدداً، واستهداف مدن استراتيجية مثل كاتي، المعقل العسكري والسياسي للنظام.

تنسيق ميداني واسع بين الجهاديين وثوار الطوارق، أربك السلطة في باماكو

فهذا التطور حمل رسالتين واضحتين أولاهما أن الجماعات المسلحة باتت قادرة على توحيد جهودها مرحلياً ضد السلطة المركزية، والثانية أن المقاربة العسكرية التي تبنتها الأنظمة العسكرية في دول الساحل منذ سنوات لم تعد تحقق اختراقاً حقيقياً.

ولا يتعلق التحول الأخطر في المشهد بتوسع الهجمات، بل بتغير طبيعة الاستراتيجية الجهادية نفسها.

حسب عدد من الباحثين المتخصصين في الساحل، لم يعد هدف الجماعات المسلحة السيطرة السريعة على المدن، بقدر ما أصبح استنزاف الدولة تدريجياً عبر فرض حصار اقتصادي على باماكو، واستهداف الممرات اللوجستية، وضرب مواقع التعدين والاقتصاد، وإنهاك الجيش عبر حرب طويلة النفس.

الجماعات الجهادية لم تعد تقدم نفسها فقط كقوة عقائدية، بل تحاول الظهور كفاعل سياسي يمكن التفاوض معه

وتشبه هذه المقاربة إلى حد بعيد ما عرفته دول أخرى انهارت فيها السلطة المركزية تدريجياً قبل أن تُفرض تسويات سياسية تحت ضغط الوقائع الميدانية.

وفي هذا السياق، يرى باحثون أن الجماعات الجهادية لم تعد تقدم نفسها فقط كقوة عقائدية، بل تحاول الظهور كفاعل سياسي يمكن التفاوض معه، خاصة بعد تراجع خطابها المتشدد المتعلق بفرض الشريعة كشرط مسبق لأي تسوية.

لماذا عاد خيار التفاوض؟

لقد دفعت أربعة عوامل رئيسية فكرة الحوار مع الجهاديين إلى الواجهة من جديد، أولها فشل الرهان العسكري؛ فقد وصلت الأنظمة العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى السلطة تحت شعار “استعادة الأمن”، لكن ما حدث بعد سنوات من الحكم، هو ظهور تمدد أكبر للجماعات المسلحة.

بل إن الهجمات باتت تضرب قلب السلطة، بعدما كانت محصورة في الأطراف النائية.

أما العامل الثاني فهو تراجع فعالية الحليف الروسي؛ فالرهان على موسكو كبديل عن فرنسا لم يحقق النتائج الموعودة؛ فالقوات الروسية الموجودة في مالي لم تتمكن من وقف تقدم الجماعات المسلحة، كما أن الخسائر التي تكبدها الجيش المالي أضعفت صورة “التحالف المنقذ”.

بل إن بعض التحليلات تتحدث عن بداية تراجع روسي تدريجي في الساحل مع تعقد المشهد الأمني.

تستفيد الجماعات الجهادية من المظالم الاجتماعية، والفساد، وضعف العدالة، لتوسيع التجنيد وبناء نفوذ محلي

وجاء تآكل الثقة الشعبية في الدولة ليشكل العامل الثالث، فالتقارير الحقوقية التي تتحدث عن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين على يد القوات الحكومية وحلفائها الروس ساهمت في توسيع الهوة بين السكان والسلطة.

وهنا تستفيد الجماعات الجهادية من المظالم الاجتماعية، والفساد، وضعف العدالة، لتوسيع التجنيد وبناء نفوذ محلي.

أما العامل الرابع، الذي دفع إلى فكرة الحوار مع الجهاديين، فهو صعود فكرة “الجهادي البراغماتي”؛ فبعد تجربة “طالبان” في أفغانستان، ثم صعود أحمد الشرع في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، بدأ بعض الباحثين يتحدثون عن نموذج جديد لـ”الجهادية القابلة للتفاوض”.

ويفسر هذا التحول الفكري ما أصبح متداولاً من أن بعض العواصم الإقليمية لم تعد تنظر إلى الحوار مع الجماعات المسلحة باعتباره أمراً مستحيلاً.

 “النموذج السوري” 

يظل الأمر الأغرب في هذا الشأن هو الحديث المتزايد عن إمكانية تكرار السيناريو السوري في مالي.

وتقوم هذه الفكرة على احتمال وصول جماعة جهادية إلى السلطة مع محاولة تقديم نفسها كسلطة سياسية “واقعية” قادرة على التعامل مع المجتمع الدولي، مقابل تعهدات بعدم تصدير التهديد خارج الحدود.

وما يزال هذا التصور مثيراً للجدل، لكنه لم يعد مستبعداً بالكامل، خصوصاً مع تنامي الحديث عن “جهة جهادية معتدلة” داخل بعض الدوائر الإقليمية.

ما تزال السلطة العسكرية المالية ترفض رسمياً أي حوار مع الجماعات المصنفة “إرهابية” في قاموسها الخاص

وفي حال تحقق مثل هذا السيناريو، فإن منطقة الساحل قد تدخل مرحلة جديدة تماماً، تقوم على ظهور أنظمة دينية محلية، مع تفاهمات إقليمية مع الجوار، وتراجع النفوذ الغربي التقليدي، وإعادة رسم التحالفات الأمنية في غرب إفريقيا.

ورغم كل الضغوط، ما تزال السلطة العسكرية المالية ترفض رسمياً أي حوار مع الجماعات المصنفة “إرهابية” في قاموسها الخاص، لأن التفاوض يحمل بالنسبة لها مخاطر سياسية كبيرة، أبرزها الاعتراف الضمني بفشل الخيار العسكري، والثاني منح شرعية سياسية للجهاديين، والثالث احتمال تفكك الدولة المركزية، بينما الرابع هو إضعاف صورة الجيش والسلطة الانتقالية.

كما أن قيادات المجلس العسكري تدرك أن أي تفاوض قد يفتح الباب أمام مطالب تتعلق بالحكم الذاتي في الشمال، وهو ما تعتبره باماكو تهديداً لوحدة البلاد.

هل تملك مالي بديلاً؟

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم ليس ما إذا كان التفاوض مقبولاً أخلاقياً أو سياسياً، بل ما إذا كانت الدولة المالية قادرة فعلاً على مواصلة الحرب بالوتيرة نفسها. فمع اتساع رقعة الهجمات، وهشاشة الاقتصاد، وتفاقم الفقر، وتراجع الدعم الدولي، وتزايد العزلة الإقليمية، يبدو أن هامش المناورة أمام السلطة الحاكمة في باماكو يضيق أكثر فأكثر. ولهذا السبب، بدأ عدد متزايد من الخبراء يعتبر أن التفاوض لم يعد “خياراً مثالياً”، بل ربما “خيار الضرورة”.

ما يحدث في مالي يتجاوز حدود دولة واحدة؛ فالساحل بأكمله يقف أمام اختبار مصيري

والحقيقة ما يحدث في مالي يتجاوز حدود دولة واحدة؛ فالساحل بأكمله يقف أمام اختبار مصيري: هل يمكن احتواء الجهادية عبر القوة وحدها، أم إن المنطقة تتجه نحو تسويات سياسية مؤلمة مع جماعات حملت السلاح لسنوات؟

حتى الآن لا توجد إجابة حاسمة، لكن المؤكد أن فكرة الحوار مع الجهاديين، التي كانت قبل سنوات تُعد خيانة سياسية، أصبحت اليوم جزءاً من النقاش الواقعي حول مستقبل الدولة والأمن في غرب إفريقيا. وفي ظل استمرار الانهيار الأمني، قد تجد باماكو نفسها قريباً أمام معادلة قاسية وهي إما التفاوض بشروط صعبة، أو مواجهة احتمال فقدان السيطرة على البلاد تدريجياً.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *