لبنان بين طريقين مسدودين: طريق الحزب


تناولنا في الأسبوع الماضي الطريق المسدود والخطير الذي يسلكه الحكم اللبناني إزاء الأزمة العظمى التي يجتازها لبنان، والبلد يعاني من اجتياح صهيوني جديد هو الأخطر منذ اجتياح عام 1982. بل هو اجتياح أخطر من السابق، إذ لا يخفي أرباب الدولة الصهيونية نيّتهم وضع يدهم على الجنوب اللبناني بصورة دائمة ومباشرة، بلا الاتكال على أعوان محلّيين هذه المرة، خلافاً لما جرى بين عامي 1982 و2000، تاريخ انسحاب المحتلّ («لبنان بين طريقين مسدودين: طريق الحكم»، 5/5/2026).
فلنتناول اليوم الطريق المسدود الآخر الذي يسلكه «حزب الله»، على الأخص منذ استشهاد حسن نصر الله، أمينه العام السابق. وقد كان نفوذ نصر الله الشخصي يمنحه هامشاً من الاستقلالية النسبية عن مصدر القرار الإيراني، أو يمنحه على الأقل احتراماً لدى حكام طهران، يفرض عليهم أخذ رأيه بعين الاعتبار. أما الآن، فيعلم الجميع أن سطوة النظام الإيراني المباشرة على الحزب ازدادت كثيراً بعد وفاة أمينه العام بالغ الكاريزما والشعبية في حاضنة الحزب الاجتماعية.
بادئ ذي بدء، لا بدّ هنا من التنويه بأن نقدنا ينطلق من الإقرار بشرعية مقاومة الاحتلال بكافة الطرق الضرورية. وقد سبق وأكدنا على قناعتنا أن «تجدد احتلال إسرائيل لجنوب لبنان يعيد إضفاء شرعية وطنية على مقاومة «حزب الله» له» («التوسّع الصهيوني في لبنان بذريعة «حزب الله»»، 24/3/2026). لكنّ شرعية المقاومة لا تغني عن مناقشة سبلها واستراتيجيتها. فالشرعية حكمٌ سياسي وأخلاقي، وليست حكماً عملياً، وطريق المقاومة معبّدة بالاستراتيجيات العقيمة والتوجّهات المؤدية إلى مآزق بدل أن تؤدي إلى التحرير المرجو، ولو انطلقت من أحسن النوايا. وأخطر خطأ استراتيجي يواجه خيارات المقاومة بوجه عام، إنما هو الاستخفاف بالعدو وسوء تقدير قوته، بل وما هو أخطر من قوته: استعداده لاستخدام هذه القوة بلا حدود.
والحال أن أحد أبرز الأمثلة عن هذا الخطأ الجسيم إعلان حسن نصر الله الشهير في عام 2000، عند الاحتفال بالانتصار التاريخي الذي أدّى إلى انسحاب الجيش الصهيوني من جنوب لبنان، أن «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت». جاء هذا التصريح في نشوة النصر، بيد أن الشهيد كان ليندم عليه بعد ست سنوات فقط، بعد أن انتهزت الدولة الصهيونية فرصة العملية التي أجراها الحزب عبر الحدود الجنوبية لخطف جنود إسرائيليين، كي تشنّ هجوماً فتاّكاً ومدمراً على لبنان بوجه عام ومناطق انتشار الحزب وحاضنته الشعبية بوجه خاص. يومها، تحوّل خطاب الأمين العام تحولاً جذرياً، وقد أعلن في 27 آب/ أغسطس 2006: «لو كنتُ أعلم أن عملية الخطف هذه ستؤدي الى حرب بهذا الحجم بنسبة واحد بالمئة، فقطعاً لما فعلنا لأسباب إنسانية وأخلاقية وعسكرية واجتماعية وأمنية وسياسية».
هكذا انتقل نصر الله من الاستخفاف بالعدو الصهيوني إلى الاعتراف بأنه أساء تقديره. وقد عمل بالعبرة من المحنة التي ألمّت بلبنان، فلم يكرّر «حزب الله» المبادرة إلى الهجوم عبر الحدود الجنوبية حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2023، عندما بادر إلى فتح معركة تراشق صاروخي مع الجيش الصهيوني، أرادها معركة محدودة جغرافياً ببضعة كيلومترات من جانبي الحدود، ونوعياً بتفادي التجمعات ذات الكثافة السكانية. وقد قال نصر الله في 25 آب/ أغسطس 2024:
«نحن منذ البداية وضعنا ضوابط أو عناوين للرد … ألا يكون الهدف مدنياً، نُريد ضرب هدف إسرائيلي، ولكن لا نريد ضرب مدني، مع العلم أنه هناك شهداء مدنيّون في الضاحية الجنوبية ويحق لنا أن نستهدف المدنيين هناك، … لكن لأننا نعمل على معادلة [تتضمن] حماية المدنيين في لبنان، فمن أجل تأكيد حماية المدنيين في لبنان وتجنيبهم أي أذى قد يُلحقه العدو بهم فضّلنا أن نتجنّب المدني عند العدو…» (أنظر «حرصُ حسن نصر الله على المدنيين»، 27/8/2024).
كان واضحاً أن «حزب الله» بقيادة أمينه العام السابق اختار تلبية دعوة طهران له إلى تحريك الجبهة استجابة لنداء «حماس»، وذلك من باب رفع العتب على حساب الحزب وبلا زجّ إيران في الحرب مباشرة (وهو ما كان وحده قادراً فعلياً على الحدّ ممّا حلّ بقطاع غزة). لكنّه اختار تلبية تلك الدعوة بالحرص على تخفيف ثمنها قدر المستطاع. ومع ذلك، فقد أخطأ نصر الله في عدم استجابته لدعوة واشنطن وباريس المشتركة في خريف 2024 إلى وقف إطلاق النار على أساس قرار مجلس الأمن الدولي 1701 لعام 2006. كان رفضه ناجماً عن رفض إيراني، في وقت بادرت إسرائيل إلى تصعيد هجماتها على إيران في سوريا أولاً، ومن ثم على الأراضي الإيرانية ذاتها (أنظر «لماذا ترفض طهران وقف النار في لبنان؟»، 8/10/2024). وقد فات الشهيد أن إسرائيل، وقد انتهت من حربها المكثّفة على غزة، باتت تنوي الانتقال من حرب منخفضة الحدة على لبنان إلى حرب مكثّفة وشاملة، تستهدف «حزب الله» بوجه خاص بغية تدميره. وكما هو معلوم، هذا الخطأ كلّف الأمين العام السابق حياته (أنظر ««حزب الله» وخطأ الحساب»، 1/10/2024).

 أما الطريق الذي يسلكه الحزب اليوم فإنه طريق مسدود هو الآخر، لن يؤدي إلى تحرير الجنوب

وقد التزم «حزب الله» مرغماً بوقف إطلاق النار بعد قبوله المتأخر بدعوة واشنطن وباريس، على الرغم من أنه سريعاً ما اتضح أن إسرائيل لم تلتزم بالاتفاق، بل واصلت عدوانها ولو بصورة أقل كثافة. هذا إلى أن بادر الحزب إلى توفير فرصة جديدة للعدو الصهيوني كي يضرب عرض الحائط بوقف إطلاق النار ولا يعاود حربه المكثّفة على لبنان وحسب، بل يعيد اجتياح الجنوب اللبناني ويمارس فيه «استراتيجية غزة»، التي هي أخطر بعد وبكثير من «استراتيجية الضاحية» التي جرى تطبيقها في عام 2006. فإن الاجتياح الصهيوني الراهن يترافق بتفريغ الجنوب اللبناني من أهله وتدميره تدميراً شاملاً على غرار تدمير غزة، وذلك بغية الحؤول دون عودة السكان تمهيداً لاحتلال طويل الأمد يرمي إلى ضمّ المنطقة الواقعة بين الحدود الرسمية ونهر الليطاني إلى الدولة الصهيونية.
أما مبادرة الحزب هذه المرّة، فلم يكن ممكناً تعليلها بالتضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته المقدّسة لدى الغالبية الشعبية في لبنان وسائر البلدان العربية، بل جاءت بصورة صريحة بقرار من طهران، انتقاماً لاغتيال إسرائيل لعلي خامنئي، «الولي الفقيه والمُرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية» وإسناداً لإيران في مواجهتها للعدوان الثنائي الأمريكي-الإسرائيلي. وهو أخطر خطأ يرتكبه الحزب في مسيرته الطويلة، ليس على حساب لبنان بوجه عام وحسب، بل على حساب حاضنته الشعبية بوجه أخص، حتى ولو أعادت الهمجية الصهيونية وتدميرها للجنوب اللبناني بعض التعطف مع الحزب لدى تلك الحاضنة. وإنه لمن الخطأ الاستراتيجي الجسيم استمرار الحزب بإطلاق الصواريخ عبر الحدود على الرغم من أنه يدرك تماماً أن الدولة الصهيونية تردّ الصاع مئة صاعٍ كل مرة، وهي صاحبة قوة تدميرية تقزّم كل ما لدى الحزب في هذا المجال. والأنكى في الأمر، طبعاً، أن ليس هناك من يردع إسرائيل اليوم عن استخدام قوتها بلا حدود.
فإن درساً أساسياً من عقودٍ من تجربة حروب التحرير يقوم على تفادي مواجهة أمامية مع جيش محتلّ يملك من القوة ما يزيد كثيراً عمّا لدى قوات التحرير، والاستعاضة عن ذلك بما يسمّى «حرب عصابات» تضرب المحتلّ في نقاط ضعفه بلا هوادة بغية إنهاكه. وهذه الاستراتيجية هي التي أتاحت للمقاومة اللبنانية بهيمنة «حزب الله» أن تُنهك المحتلّ الصهيوني وتدفعه إلى إنهاء احتلاله للجنوب اللبناني قبل خمس وعشرين سنة. أما الطريق الذي يسلكه الحزب اليوم فإنه طريق مسدود هو الآخر، لن يؤدي إلى تحرير الجنوب، ولو كان أكثر واقعية وشرعية من الوهم الخطير الذي يعمل به الحكم اللبناني في اتكاله على إدارة ترامب.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *