كوميديا اجتماعية عن تسليع المشاعر الإنسانية


لا بد أن عنوان الفيلم الياباني «عائلة للإيجار» Rental Family، يحمل مغزى كوميدياً، في عالم مثقل بالأزمات والمشكلات بشتى تصنيفاتها. هذا الفيلم المنتج عام 2025، يفيد من قضية اجتماعية واقعية في كبرى الدول الصناعية في قارة آسيا: اليابان. ونقصد بها قضية تأجير الأدوار العائلية، وهي حاجة ماسة لدى الناس قاطبة للانتماء العائلي خاصة، والاجتماعي عامة، في الوقت نفسه تبدو مفردة « إيجار» حاملة لمعنى مادي، أي أن يكون هناك مكتب يقدم خدمات «عائلة للإيجار» يعني أن هناك أدواراً تمثيلية تُباع- الطرف الأول، وتُشترى من قبل فئات اجتماعية مختلفة- الطرف الثاني. الفيلم الذي تدور أحداثه في طوكيو، من إخراج اليابانية هيكاري، التي شاركت في كتابة السيناريو مع ستيفن بلاهوت والبطولة الأساسية للنجم الأمريكي بريندان فريزر.
حبكة طريفة
محور الفيلم هو الممثل الأمريكي الذي يعيش في اليابان منذ سبع سنوات فيليب فاندر بلوغ (بريندان فريزر)، لكن حظوظه سيئة جداً، فلم يفلح في أن يكون نجماً في السينما الأمريكية، وارتضى لنفسه أن يكون ممثل إعلانات تجارية. يوقعه حظه العاثر في التعاقد مع مكتب خدمات ياباني، اسمه» عائلة للإيجار»، حيث تقتصر مهمته الطريفة على لعب أدوار عائلية بديلة لعائلات يابانية بحاجة إليها. مهمته الغريبة، التي لم يكن، كما نرى، مقتنعاً بها تمام الاقتناع. كأن يلعب دور المُعزّي في جنائز موتى، ليس لديهم من يبكيهم، أو تمثيل دور الزوج لفتاة يابانية، أمام عائلتها. وهنا في الدور الأخير، اختفى لعدم تحمسه، الذي أشرنا إليه آنفاً، فظل أعضاء المكتب الآخرين، مدير المكتب وشاب وامرأة، يبحثون عنه، إلى أن عثروا عليه. تمت الطقوس بحضور الوالدين. ينتهي دوره، عندما يذهب الأبوان. وفي الغرفة المؤمل أن يخلو فيها مع الفتاة، يخرج هو، وتدخل فتاة. إذن هي عملية زواج مثلي، ليس بمقدور الفتاة ممارستها، حسب التقاليد اليابانية، علناً أمام عائلتها.


الأدوار الآنفة الذكر، لم يركز عليها الفيلم. ولا على أيكو (ماري ياماموتو) في شخصية ممثلة مؤجرة في دور العشيقة التائبة، التي تعتذر للزوجة عما حصل نيابة عن زوجها الجبان، هذا الدور المكرس لها خصيصاً أشعرها بالانحطاط، ولذلك أخبرت مدير المكتب شينجي (تاكهيرو هيرا) بأنها تعتذر عن أداء خدمة الاعتذار، لما شعرت بأن المسألة عبارة عن تلفيق رخيص.
ما بين التمثيل والواقع
كان التركيز على أدوار بطل الفيلم فيليب فاندر بلوغ، قد احتل معظم الأحداث، بسبب تعويل المخرجة على الشخصية الكاريزمية للنجم بريندان فريزر، الذي حاز جائزة الأوسكار عن دوره في فيلم «الحوت». فقد لعب دور الأب الغائب لفتاة صغيرة تدعى «ميا»، تحتاج أمها لدور أبيها في مقابلة دخول مدرسة خاصة، صارمة في اشتراطاتها. لم نعرف شيئاً عن الأب الأصلي. وعلى فاندر بلوغ أن يمارس معها هذا الدور الأبوي، إلى أن تتم المقابلة المدرسية. وفي أثناء هذه الفترة الزمنية، تتعلق ميا بالأب المزيف. إذ كانا يخرجان في نزهات، وكانت ميا سعيدة نوعاَ ما بهذا الحنان الأبوي.. وكان فاندر بلوغ، يتألم من ذلك، لأنه عن قريب، سيكف عن لعب هذا الدور. تكتشف ميا أن أباها العائد، ممثل إعلانات تجارية. تُحبط الفتاة الذكية من أبيها الكاذب. ومع ذلك فإن الألفة الأبوية بينهما جعلت مشهد الوداع بينهما حميماً. الخيط الفاصل بين التمثيل والواقع يتلاشى تدريجياً لجهة اندماج فيليب في الدور الأبوي، وكأنه بحاجة فعلية لأن يكون أباً. ونحن لا نعرف ماضيه الاجتماعي.
الخط الرئيسي الثاني، لعب فيه فاندر بلوغ دور الصحافي، للقاء ممثل ياباني معتزل يعاني من الخرف كيكو هاسيغاوا (أكيرا إيموتو) كي يجري ضخ شعور في ذاته بأن العالم لم ينسَ مجده القديم. يعرف فيليب نفسه بأنه يمثل إحدى المجلات. الممثل الكهل يصرح بأنها مجلة غير معروفة، لكنه يرتاح للصحافي المستأجر، بعد مجيء الأخير إليه باستمرار. ويطلب الأول منه، الهروب خفية معاً لأجل الذهاب إلى مسقط رأسه في منطقة بعيدة. لكن فاندر بلوغ يتردد في الأمر، مما يغضب هاسيغاوا، ومن ثم يقرر الأول التكيف معه. طبعاً سبّب هذا الهروب القلق لابنة الأخير، وأبلغت مكتب الخدمات، بأن أباها ربما تعرض إلى اختطاف.
نهاية الفيلم كانت دراماتيكية مؤثرة، فوالدة ميا تعتذر لها وهي تبكي، بأنها كذبت عليها. وفي مشهد آخر، يذهب فاندر بلوغ لملاقاة ميا، وبدوره يعتذر لها، مع تساؤلها الذكي؛ لماذا الكبار يكذبون، يجيبها؛ لأنهم لا يجرؤون على قول الحقائق المؤلمة. ميا التي أجادت الدور ببراعة تتعارف من جديد، مع تصريح فاندر بلوغ باسمه الحقيقي. النهاية الثانية مؤلمة؛ مشهد تشييع هاسيغاو، بعد أن توفي عن عمر يناهز الثمانين عاماً. كان مشهد التشييع مهيباً، والمعزون يكللون جثمانه بالورود، ومعهم فاندر بلوغ أيضاً.
كاريزما الحزين
كان أداء النجم الأمريكي بريندان فريزر أكثر من تلقائي ورائع؛ يشعر المشاهد بالحزن الكبير الذي يحمله، كما يلاحظ المشاهد عينيه اللتين تعكسان طيبته في التعامل مع الآخرين. كما تفوق الممثل أكيرا إيموتو في دور المسن المصاب بالخرف، إذ يشعر معه المشاهد بالأصالة والوقار الياباني.
يريد الفيلم أن يجعل المشاهد يتساءل هل يمكن للحب المُستأجر أن يرمم روحاً محطمة؟ وهل الصدق في المشاعر يبرر الكذب في الهوية؟ ولأجل صناعة الإثارة الناجحة لهذه الثيمة، يستثمر السيناريو المفارقة، لكي يوصل لنا بأننا أمام ممثل فاشل في مهنته الرسمية، ومبدع في الاندماج مع الواقع. وبالتناظر مع فاندر بلوغ، كل الشخصيات في الفيلم ترتدي الأقنعة، لحماية أنفسهم من ألم الحقيقة، مثلما أن طوكيو المدينة التي تجري فيها الأحداث، لها أقنعتها، فمع إشراقة كل صباح، تبدو عالماً صاخباً بالأمواج البشرية، وحين يطل الليل نراها مدينة من العلب السكنية -الشقق الصغيرة- التي يعيش داخلها أفراد معزولون. ونرى فاندر بلوغ، ينظر من نافذته إلى حيوات الآخرين في البنايات المجاورة، كالمشاهد لأفلامٍ قصيرةٍ لا تنتهي.
وأخيراً أراد الفيلم القول إن طوكيو هذه المدينة العملاقة، يباع فيها الحب والاهتمام، في الوقت الذي ينبغي أن يكونا مجاناً. وبذلك يطرح الفيلم قضية شائكة، ربما يظل المشاهد، بعد انتهاء الفيلم، عالقاً فيها، وهي إذا كان الحب المأجور يهب لنا، الشعور نفسه، الذي يهبه لنا الحب الواقعي، فهل الحب من النوع المأجور مزيف. الجواب على هذا السؤال، يجيب عنه الممثل الكهل هاسيغاوا ، عندما يلحظ فاندر بلوغ، أن الأول ينحني بتقديس إلى عديد الآلهة، وهما ماضيان في طريق الهروب إلى مسقط رأس هاسيغاوا. يجيب بأنه هناك ثمانية ملايين إله، إذ يوجد الإله في كل شيء، وهذا يعني حسب تحليلنا، أن ذلك يشمل الأدوار العاطفية المأجورة.
في نهاية الفيلم يدرك فاندر بلوغ، أن سلوكه، مع الصغيرة ميا والمسن هاسيغاوا وغيرهما، كان صائباً فقد ربح نفسه كإنسان حقيقي، وإن كلفه ذلك خسارة وظيفته، ومستقبله في التمثيل أو أي عمل مهني آخر.


كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *