هل يتوسل ترامب إلى الرئيس الصيني لتحقيق صورة نصر على إيران؟


 تسفي برئيل

بعد أن وصف ترامب المقترح الإيراني بأنه “غير مقبول على الإطلاق”، يجدر التنويه إلى أنه لم يرفق تصريحه بالتهديد المعتاد: “فتح باب جهنم”. بشكل عام، نقترح التعامل مع تصريحات ترامب على أنها “حقيقة مؤقتة”؛ لأن ترامب أثبت أن لتصريحاته الحازمة عمراً محدوداً تتراوح بين بضع ساعات وبضعة أيام، وما هو “غير مقبول” اليوم ربما يخضع لعملية دبلوماسية وبلاغية تؤدي إلى مقترحات جديدة ومزيد من النقاش.

في الواقع، رغم رد ترامب وإعلانه بأن “وقف إطلاق النار في مراحله الأخيرة”، لكن القناة الدبلوماسية لم تنقطع بعد. فقد أجري وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أمس، اتصالاً هاتفياً مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان، ووزير خارجية باكستان إسحق دار، وقد تقدم إيران نسخة “معدلة” من المقترح قبل اللقاء التاريخي الذي سيعقده ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في الغد.

تتسم المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بالجمود في ثلاثة أطر تسعى لإيجاد مخرج. ففي الإطار الإجرائي، تطالب إيران بإنهاء الحرب في جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، ورفع الحصار المفروض على الخليج، والالتزام بعدم استئناف الحرب، والإفراج عن الأموال المجمدة، وإجراء مفاوضات لمدة ثلاثين يوماً بشأن مذكرة تفاهم مبدئية، التي سيتم رفع العقوبات عنها عند التوقيع عليها.

يتآلف إطار الخطة من قسمين: الأول الملف النووي، حيث تصر إيران على مواصلة تخصيب اليورانيوم على أراضيها، لكنها مستعدة لتخفيف تركيز اليورانيوم المخصب حالياً بمستوى 60 في المئة أو تصديره إلى دولة ثالثة.

يتعلق القسم الثاني بطلب الاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز، وبالتالي حقها في جباية رسوم عبور من أي سفينة تعبر فيه. حتى الآن، ربطت إيران مناقشة الملف النووي بالاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز، وأن هذه القضية لن تناقش إلا لاحقاً وبشكل منفصل.

وحسب مقترحها الأخير، حتى لو تصرح بذلك، فإيران مستعدة بالفعل لمناقشة الموضوعين معاً، إذ من المفروض أن تشمل مذكرة التفاهم نفسها، التي ستؤدي إلى الإفراج عن الأموال، اتفاقات حول الملف النووي. ولا ترفض الولايات المتحدة طلبات إيران بشكل قاطع.

لكن في الوقت الذي تقدم فيه إيران امتثالها لهذه الطلبات كشرط مسبق لمناقشة أي بنود تهم الولايات المتحدة، تسعى إدارة ترامب إلى التفاوض حول كل القضايا كوحدة واحدة، وتعتبرها جزءاً لا يتجزأ من أي اتفاق ستوقع عليه مع إيران.

يكمن الخوف بأن الموافقة المبكرة على طلبات إيران ستضعف موقف أمريكا في التفاوض. في حين ستعود إيران إلى جني الأرباح من صادرات النفط دون الخشية من التهديد العسكري. في الواقع، يفترض أن يضمن “الإجراء” وترتيب النقاشات استمرار المفاوضات حول القضايا الجوهرية، القضية النووية والاعتراف بسيادة إيران على مضيق هرمز.

في هذا الصدد، قد تلعب الصين دوراً حيوياً إذا وافقت على ضمان وفاء إيران والولايات المتحدة بالالتزامات المتعلقة بالاتفاقيات التمهيدية، في حالة التوصل إليها. وهكذا، قد تتمكن من المساعدة في دفع أجندة المفاوضات قدماً حتى لو ما زالت القضايا الجوهرية بحاجة إلى اتفاق بين الطرفين.

مشكلة ترامب تكمن في أنه سيأتي إلى لقاء الصين بسلاح غير كاف، بعد أن أظهرت إيران القدرة على الصمود أمام الهجمات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية الكثيفة، فضلاً عن الحصار والأزمة الاقتصادية العميقة التي تعاني منها.

وهذه الخطوة قلبت أيضاً الافتراضات التي بنيت عليها الحرب، بما في ذلك توقع إسقاط النظام وإخضاعه اقتصادياً، إلى جانب المفاجأة التي قامت بها إيران عندما هاجمت دول الخليج الجارة وسيطرت على مضيق هرمز.

إذا اعتقد ترامب بأنه سيتمكن من الوصول إلى الصين منتصراً دبلوماسياً بعد التوقيع على اتفاق مع إيران، فسيجد نفسه عند فجر اليوم على أعتاب شي جين بينغ، ليلعب الأخير دور الوسيط النزيه وينتزع تنازلات من إيران تسمح له بعرض صورة النصر. ولكن الصين غير معروفة بتقديم الهدايا بالمجان. رغم أن الخيار العسكري ما زال قائماً، ولكن ربما تم تأجيله مؤقتاً. لم يعد ترامب نفسه يتحدث عن حرب شاملة، وأعلن أمس بأنه يفحص إعادة تفعيل “مشروع الحرية” – العملية التي صممت لمرافقة مغادرة حوالي 2000 سفينة عالقة في موانئ دول الخليج وفي الخليج نفسه تحت حراسة عسكرية.

ولكن هذه العملية توقفت بعد حوالي 36 ساعة من انطلاقها، وذلك عقب قرار السعودية حظر استخدام مجالها الجوي وقواعد القوات الجوية الأمريكية في أراضيها في عمليات ضد إيران، حتى لو كانت تهدف إلى إنقاذ السفن.

لم تغير السعودية، العضوة الرئيسية في مجموعة الدول التي تتوسط إلى جانب باكستان وتركيا وقطر ومصر، موقفها منذ ذلك الحين. وحسب مصادر عسكرية أمريكية رفيعة المستوى نقلت عنهم شبكة “ان.بي.سي”، فإنه بدون تعاون السعودية لا سبيل لتفعيل “المشروع”.

يبرز بين الخيار العسكري والخيار الدبلوماسي خيار آخر، وهو “كسب الوقت”، ما يعني عدم الذهاب إلى الحرب أو التوصل إلى اتفاق واستمرار الوضع الراهن الذي تعيش فيه إيران ودول الخليج تحت الحصار، في انتظار انهيار اقتصاد إيران. ولكن هذا السيناريو يحتاج أيضاً إلى دراسة واقعية.

تمتلك إيران بالفعل نظاماً محكماً لإدارة عملية آبار النفط فيها، يسمح لها بخفض الإنتاج بشكل مؤقت وإغلاق الآبار التي تقترب من نهاية عمر إنتاجها، دون الإضرار بالآبار العاملة التي قد يسبب إغلاقها أضراراً مستمرة أو دائمة. وتواصل إيران تصدير بضائع غير النفط، إلى الدول المجاورة عن طريق البر، أيضاً حجم احتياطي الأموال المتاح للنظام غير معروف.

تشير تقديرات المخابرات الأمريكية إلى أن إيران أمامها 90 – 120 يوماً قبل انهيارها الاقتصادي. ولكن يبقى من غير المعروف ما الذي سيترتب على هذا الانهيار. يجدر بالذكر أيضاً بأن إيران قد نجت من أزمات حادة مثل التي ضربتها في 2012، عندما ظهرت على وشك الانهيار الكامل. والأهم أن عامل الوقت ليس حكراً على إيران، فقد اضطرت دول الخليج أيضاً إلى خفض إنتاج نفطها بشكل كبير وتقليص برامج التنمية والاستثمار، فضلاً عن خسارة المداخيل من مصادر غير مصادر النفط، مثل السياحة.

إن “كسب الوقت” ليس مجرد موقف سلبي تقف فيه الولايات المتحدة ودول الخليج و”العالم” على الهامش، بانتظار استسلام إيران الاقتصادي. فغياب الحل العسكري أو التحركات الدبلوماسية قد يدفع الدول إلى عقد اتفاقيات “خاصة” مع إيران، ودفع رسوم العبور التي تطلبها، وبالتالي، إعادة فتح الممر البحري في الخليج.

قبل أن تفرض الولايات المتحدة الحصار على الخليج، توصلت عدة دول إلى اتفاقات مشابهة مع إيران، لكن الأمر اقتصر حتى ذلك الحين على عدد قليل من السفن ولم يشمل حركة بحرية واسعة. صحيح أن ترامب هدد في الشهر الماضي بأن أي سفينة تدفع “رسوم عبور” لإيران لن تتمكن من ضمان المرور الأمن، وأنه أمر البحرية الأمريكية بتحديد أماكن السفن التي دفعت هذه الرسوم ووقفها، لكن إذا ما تحول ذلك إلى ظاهرة شاملة فمشكوك فيه أن يتمكن ترامب من اتخاذ أي إجراءات ضدها. وعندها قد ينهار “مشروع الحرية” بالكامل.

 هآرتس 12/5/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *