يهود الأندلس وصهاينة واشنطن: فارق التسامح والإبادة


في واقعة نادرة أو غير مألوفة بين المؤسسات الصهيونية على نطاق عالمي، عاب السفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل ليتر على عدد من المنظمات اليهودية الأمريكية أنها شاركت مع الحكومة الإسبانية في رعاية معرض متنقل بعنوان «العصر الذهبي لليهود في الأندلس»، تحتضنه المكتبة المركزية في هيوستن، ولاية تكساس. وكتب السفير رسالة مفتوحة إلى «المؤتمر اليهودي العالمي» الذي يعدّ أكبر اتحاد دولي للمنظمات اليهودية المؤيدة للحركة الصهيونية ولدولة الاحتلال، وإلى «الرابطة السفاردية الأمريكية»، و»أخوّة اليهود السفارديم في أمريكا»، يعرب فيها عن استيائه حيال قرارهم بالمشاركة في معرض يتناول حياة اليهود في الأندلس.
ذريعة السفير الأولى، والوحيدة في واقع الأمر، هي أن الحكومة الإسبانية الراهنة تتولى «حملة متواصلة وعدوانية» ضدّ دولة الاحتلال منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، هي استطراداً «حملة ضد الشعب اليهودي بصفة عريضة» كما جاء في الرسالة. ولم يتورع السفير عن الذهاب إلى درجة التشكيك في شرعية الحكومة الإسبانية الحالية، المنتخبة ديمقراطياً، حين اعتبر أن مشاركة المنظمات اليهودية في المعرض «تمنح الشرعية إلى حكومة تنشط لعزل وإدانة الدولة الوحيدة التي تمثل يهود العالم».
وسفير دولة الاحتلال تغافل عامداً عن حقيقة أن المعرض الحالي هو الأحدث ضمن سلسلة معارض تعتمد الموضوع ذاته، وتستعرض أنماط حياة اليهود إلى جانب المسلمين خلال مختلف العهود التي شهدت الحكم الإسلامي في سائر مناطق الأندلس. ولقد سبق للجهات ذاتها أن تعاونت مع السفارة الإسبانية في أمريكا، لتنظيم معارض في مواقع أخرى داخل الولايات المتحدة، أو حتى على نطاق عالمي كما في معرض براغ أواخر السنة المنصرمة مثلاً.
غير خافٍ بالتالي أن سخط السفير، ومن ورائه حكومة بنيامين نتنياهو بالطبع، ينصبّ على الحكومة الإسبانية بسبب مواقفها المناصرة للقضية الفلسطينية، والرافضة للسياسات الاحتلالية والاستيطانية والإبادية الإسرائيلية عموماً، والداعمة لخطوات الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والمساندة لقرارات المحكمة الجنائية الدولية بحقّ نتنياهو ووزير حربه السابق.
واضح كذلك أن توقيت رسالة السفير الإسرائيلي غير منفصل عن قرار رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشسز تكريم فرانشيسكا ألبانيزي، المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة حول حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، ومنحها وسام الاستحقاق المدني لأنها «صوت يحافظ على ضمير العالم»، ولأن «المسؤولية العامة تعني أيضاً واجباً أخلاقياً بعدم النظر إلى الجهة الأخرى».
وبصرف النظر عن ردود المنظمات اليهودية الأمريكية ذاتها، التي لم تجد مفراً من استعادة تاريخ التسامح الرفيع بين المسلمين واليهود في الأندلس الإسبانية، فإن السجل التاريخي يحفظ من جانبه صفحات مضيئة سالفة وأخرى لاحقة شهدت احتضان العديد من المجتمعات العربية لليهود الإسبان، ضحايا محاكم التفتيش التي أعقبت حرب إسقاط غرناطة سنة 1492.
وبين يهود الأندلس خلال تلك الحقبة، وصهاينة واشنطن هذه الأيام، ثمة شواهد كثيرة صارخة، لعل أبرزها فارق التسامح العيش المشترك مقابل الأبارتايد والإبادة الجماعية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *