في الأمس الذي كان قريباً ثم صار بعيداً، كنا نجلس على مقاعد الدراسة أمام أستاذنا نبيل راغب، نتلمس طريق النقد الفني وأولى خطواته التي اصطحبنا إليها بعلمه ومحاضراته الشيقة، وكتبه ومؤلفاته المفيدة والضرورية لكل طالب باحث، ولكل قارئ عام مهتم بالمعارف والفنون والآداب.
في معهد النقد الفني بين أروقة أكاديمية الفنون كان نبيل راغب من القامات الكبرى والأعمدة المؤسسة، وقد أتى إليه بعد دراسة الأدب الإنكليزي في جامعة القاهرة وجامعة لانكستر في إنكلترا، وحصوله على الماجستير والدكتوراه، جاء أستاذاً يدرس مادتي النقد الأدبي ونظرية الأدب، لكنه لم يظل حبيس تخصصه، وانطلق منه إلى عالم الجمال الشاسع، وكان تدريسه لهاتين المادتين لا ينفصل عن تدريس النقد الفني عموماً، فهو من تولى عمادة المعهد لثلاث فترات كاملة، ساهم خلالها في توجيه المعهد ورسم أهدافه، مع من كان يضمهم المعهد من نخبة رفيعة من الأساتذة في شتى الفنون والتخصصات، والأسماء الكبيرة ذات الوزن الثقافي والثقل المعرفي.
ولد نبيل راغب عام 1940 وتوفي عام 2017، كان الميلاد والنشأة في طنطا في محافظة الغربية، أما الأصول الصعيدية التي كان يذكرها فتعود إلى قرية الحواتكة في محافظة أسيوط. وكما أنه لم يكن حبيس تخصصه، فلم يكن كذلك حبيس جدران المعهد والأكاديمية، فهو الكاتب والمؤلف الذي عرفنا اسمه قبل أن نُمنح فرصة التتلمذ على يديه، فكم رأينا اسمه على تتر فيلم سينمائي، أو مسلسل تلفزيوني، أو على رواية من روايات مكتبة مصر الناشر الأصلي لروايات نجيب محفوظ، بأغلفتها الشهيرة المميزة وما كان فيها من خيال وروح مصرية. لكن تلك المسلسلات والأفلام والروايات لم تكن سوى جزء صغير من إنتاجه الثقافي في شتى المعارف والفنون، فالمسيرة طويلة وحافلة، وقد أنجزها صاحبها وأتمها بكل جد وجهد وإتقان، مؤمناً بالدور الذي كان يجب أن يقوم به رغم كل شيء.
المستشار الثقافي للسادات
عمل نبيل راغب مستشاراً ثقافياً لوزير الثقافة يوسف السباعي في الفترة من عام 1972 حتى عام 1974، ثم عمل مستشاراً ثقافياً للرئيس الأسبق محمد أنور السادات منذ عام 1974 وحتى اغتياله عام 1981. وبهذا تعرض لغضب الجماعة الناصرية، وهو غضب قد يكون مزعجاً أحياناً، خصوصاً في الوسط الثقافي، فكان يتعرض لهمز الأقلام ولمزها بين الحين والآخر، حتى بعد وفاته، فالناصريون لم يغفروا له عمله مع السادات، كما لو كان ذلك خطيئة كبرى، والسادات هو الزعيم المنتصر بطل حرب أكتوبر/تشرين الأول المجيدة، الذي أعاد الأرض وأخرج مصر من هزائمها ونكساتها. فالأقلام التي مجدت قتلة السادات وهو رئيس دولتهم وقائد جيشهم، وربما مجدت تلك الأقلام قتلة يوسف السباعي أيضاً الذين اغتالوه في قبرص، وهو المثقف الكبير والروائي العذب وأحد أبطال الجيش المصري، انطلقت تلك الأقلام التي تظن أنها احتكرت الثقافة وأممت الوسط الثقافي بأكمله، تهاجم من يخرج عن سمعهم وطاعتهم، وهي جماعة تجيد صناعة الأسماء والتحشيد من أجل رفع أسماء بعينها، وعلى الجانب الآخر تجيد تشويه من لا يرضيها من الأسماء، وتقوم بطرده خارج ما تظنه فردوساً.
لم تسامح الجماعة الناصرية نبيل راغب على تأليف كتاب «أنور السادات رائداً للتأصيل الفكري»، وظلت بعض الأقلام الناصرية تهاجمه على هذا الكتاب حتى بعد وفاته بأساليب لا تليق. أهدى نبيل راغب هذا الكتاب إلى «أبطال وأجيال السادس من أكتوبر العظيم»، وتناول في فصول الكتاب المنهج العلمي، مفهوم الإيمان، الضرورة الأخلاقية، الممارسة الديمقراطية، التعمير الحضاري، الوعي بالتاريخ، الشخصية المصرية، روح القرية، الكيان الأسري، قضية الشباب، المرأة الجديدة، أما الفصل الأخير فكان بعنوان معنى الفن. وفي بداية الكتاب يقول نبيل راغب: «قد يتعجب القارئ الذي قرأ لي من قبل كتباً في الأدب والفن والنقد، كيف لناقد مثلي يعمل في تدريس الأدب الإنكليزي في الجامعة أن يدس أنفه في مجال الدراسات السياسية، الذي لا يرتبط بصميم تخصصه، ولكني أبادر فأطمئنه بأنني لا أدعي القيام بدور الكاتب السياسي، وهذا الكتاب ليس كتاباً سياسياً، ولكنه كتاب ينهض على الفكر الإنساني الرحب الذي قد تشكل السياسة جزءاً صغيراً منه».
ترك نبيل راغب للناصريين ساحتهم ولم يدخل في معارك معهم، لم يهتز أمام تطاولهم، ولم يسع إلى كسب رضاهم، وظل يؤدي دوره مترفعاً عن أي ضوضاء مزعجة، مدخراً كل وقته وجهده لطلابه، الذين يدرسهم في معهد النقد الفني، وفي جامعة القاهرة وجامعة عين شمس، حيث لم ينقطع عن تدريس الأدب الإنكليزي أيضاً، بالإضافة إلى عمله كأستاذ زائر في جامعة إكستر في بريطانيا. وكذلك لمؤلفاته التي كان يعكف على إنتاجها المؤلف تلو الآخر، فكانت مشاريعه الفكرية والإبداعية قائمة مفتوحة طوال الوقت، وهذا ما مكنه من إنتاج هذا الكم من المؤلفات التي تزيد على مئة كتاب مطبوع، ما بين مؤلفات إبداعية من قصة ورواية ومسرحية، وكتب نقدية وسياسية وفكرية عامة، والمراجع والموسوعات المهمة التي لا غنى عنها في مكتبة كل طالب وباحث، بالإضافة إلى كتاباته في العديد من الصحف والمجلات المصرية والعربية، وعمله ككاتب في جريدة «الأهرام»، وكذلك عمله كمدير لتحرير مجلة «الجديد» لفترة من الزمن.
«غرام الأفاعي» و«برج الأكابر»
تعد رواية «غرام الأفاعي» أشهر روايات نبيل راغب، وقد تحولت إلى فيلم سينمائي بالعنوان نفسه من إخراج حسام الدين مصطفى، وبطولة ليلى علوي وهشام عبد الحميد. يرسم نبيل راغب في تلك الرواية صورة جديدة مغايرة لروميو وجولييت في زمان آخر، وفي خاتمتها يقول: «يقولون روميو وجولييت عاشا في زمن فاض فيه ينبوع العشاق، ولما حكم عليهما بالموت عطشاً، كان للسم مذاق أحلى من المياه، أما زماننا فلم يعد فيه للحب ثمن، بعد أن غاض نهر الحياة». وكذلك يعد مسلسل «برج الأكابر» من أشهر أعماله، وهو من إخراج يوسف مرزوق وبطولة حسن عابدين وليلى طاهر. بالإضافة إلى أفلام أخرى مثل فيلم «خيوط العنكبوت» وفيلم «جبروت امرأة»، ومسلسلات «قلعة الكبش»، «قلوب عطشى»، «ساعات الخطر»، والمسلسل الإذاعي «سور الأزبكية». ومسرحيات كمسرحية «قنبلة الموسم» التي أخرجها جلال الشرقاوي، ومسرحية «هكذا تكلم علي بابا». كما ألف نبيل راغب مجموعة كبيرة من الأفلام التي أنتجتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، نذكر منها فيلم «أبونا إبراهيم البسيط» وفيلم «الأنبا صموئيل المعترف».
الأستاذية والنقد
كان نبيل راغب أستاذاً جاداً صارماً شديد الانضباط، وكان طيباً ومتواضعاً وعطوفاً، لم تصبه الأمراض التي تصيب بعض الأكاديميين والمبدعين من جمود وتكبر وعنجهية أحياناً، كان يعامل الجميع بمحبة واحترام، ويتواضع تواضع الكبار النابع من نفس غنية بذاتها، لا تعاني من عقد ومركبات النقص. كانت محاضراته ممتعة شيقة، يحرص الطالب على حضورها حباً والتزاماً في الوقت نفسه، وكان يأخذ طلابه ليغوص بهم في أعماق النقد والفنون والآداب بأسلوب مفهوم واضح، فلم تكن محاضراته من تلك المحاضرات الجامدة المملة التي لا حياة فيها، حيث يستعرض الأستاذ عضلاته المعرفية أمام تلاميذ لا يزالون في بداية طريق التعلم والمعرفة. كان نبيل راغب يقدم علمه للطلاب ولا يستعرضه ويتباهى به أمامهم، ولم يكن مثل بعض النماذج السيئة من الأساتذة الذين يستمتعون بأخطاء وتخبط وحيرة الطلاب، وقلة معرفتهم بمجال دخلوه للتو، بينما قضى الأستاذ عمراً في دراسته. كان نبيل راغب يستوعب الأخطاء ويسمح بالمناقشة، ويستمع جيداً بهدوء ثم ينصح ولا يفرض النصيحة، وكان يتقبل تمرد الشباب على رأيه بابتسامة وديعة، ليعود الطالب بعد ذلك من تلقاء نفسه يعترف بخطأ ما ذهب إليه فلا يجد تأنيباً. كان ينصحنا بالاعتدال دائماً والاهتمام بتربية الذوق والحس الفني، وكان يحذرنا من الانبهار بالأشخاص والأسماء، وألا نخشى الألقاب الفنية أو الأكاديمية أو المناصب الرسمية، وأن نبحث أولاً عن القيمة المختبئة وراء كل ذلك.
من أجمل كتبه الفكرية كتاب «الشخصية المصرية بين الحزن والمرح»، وهو دراسة شيقة مثيرة تحلل حزن المصري العميق المتأصل في نفسه منذ عصور الفراعنة، وكيف تعاملت الحضارة المصرية القديمة مع الموت. وكيف اتخذ المصري رغم حزنه من الفكاهة والسخرية سلاحاً في وجه الغزو والاحتلال والظلم والطغيان، ووسيلة للصبر على الحياة، وكيف كان يشكو الزمان بالغناء والمواويل.
ومن أبرز مؤلفاته في النقد الأدبي ما قدمه من دراسة وترجمة لقصيدة إليوت «أرض الضياع»، وكتاب «قضية الشكل الفني عند نجيب محفوظ» الذي صدر عام 1967، وكتاب «فن الرواية عند يوسف السباعي»، بالإضافة إلى كتب أخرى عن كل من توفيق الحكيم، ألفريد فرج، يوسف إدريس، نعمان عاشور، وبرنارد شو الذي تخصص في دراسته. بالإضافة إلى موسوعات لونجمان الشهيرة، كموسوعة النظريات الأدبية، وموسوعة الفكر الأدبي، وموسوعة أدباء أمريكا. ولا نستطيع أن ننسى كتاب «النقد الفني» الذي تناول في فصوله نقد الشعر، والنقد المسرحي، ونقد الرواية، والنقد الموسيقي، والنقد التشكيلي، والنقد السينمائي. وكتاب «دليل الناقد الفني» الذي تناول فيه بشكل مختصر مكثف العديد من ألوان فنون الموسيقى والرقص والتشكيل وغيرها. وعن الناقد الفني يقول نبيل راغب: «لعل مهمة الناقد تكمن في دراسة العلاقات الحية بين الأجزاء الداخلة في البناء العضوي للعمل الفني، بحيث يمد المتذوق بضوء يرى فيه العمل الفني بوضوح أكبر، وبذلك يستطيع أن يستمتع به بصورة أنضج وأعمق، وبالتالي يمكنه أن يصدر عليه حكماً موضوعياً بعيداً عن الانطباعات الوقتية والتأثيرات العابرة، ولهذا فالنقد لا يصدر حكماً فاصلاً لا يقبل النقض أو الإبرام على العمل الفني، بقدر ما يمنح الفرصة للمتلقي أو المتذوق، لكي يصدر مثل هذا الحكم، ويقوم بدور إيجابي ويشارك الناقد في مهمته الجمالية المثيرة للوجدان».
كاتبة مصرية