حين تتحول العنصرية إلى سياسة رسمية تزج بالوسط العربي في فوضى عارمة وفقاً لـ “دولة الفاشيين”: مهما بلغت.. ستبقى “عربياً”


إن وجه المحامي صالح نعمة المشوه، الذي تعرض للضرب المبرح على أيدي رجال شرطة اقتحموا منزله دون إذن، بدعوى “إثارة الشغب”، هو أيضًا وجه الكذبة التي يروجها المجتمع الإسرائيلي لنفسه بشأن موقفه من الشعب العربي برمته. فقبل تلك الحادثة، كان نعمة يبدو وكأنه رمزٌ للاندماج العربي في منطقة ذات أغلبية يهودية: محامٍ في مكتب المدعي العام بالمنطقة الجنوبية، أي أنه تجسيدٌ حيٌّ للنظام، رجلٌ مكان عمله الدولة، بكل ما تحمله من دلالات عميقة للمواطنين العرب في إسرائيل، من النشيد الوطني والعلم إلى قانون الدولة القومية. لم يكتفِ نعمة باختيار أن يكون جزءًا من هذه القصة، بل سخّر مهاراته لمهمة إبعاد المجرمين عن الشوارع، حتى لا يخشى الإسرائيليون الملتزمون بالقانون -من جميع الألوان والأجناس- أن ينقضّ أحدهم عليهم في منتصف حياتهم ويضربهم حتى الموت، أو ما هو أسوأ.

ولكنها خدعة انكشفت في إحدى الليالي؛ لم تكتفِ القوة التي اقتحمت المكان بتجريد نعمة من حقوقه الأساسية وكرامته الإنسانية (“مباركٌ الوجه الجميل”، هكذا قيل له بعد المعاملة التي تلقاها)، بل جردته أيضاً من وهم أي قيمة لدوره الاجتماعي والثقافي. في تلك اللحظة، تحوّل من محامٍ محترم، يعمل جنباً إلى جنب مع الشرطة انطلاقاً من مصلحة مشتركة وأخلاقيات متبادلة، إلى شيء آخر تماماً: إلى مجرم (بحسب الشرطة، وهو أمر مشكوك فيه، ولا يبرر مثل هذه النتيجة المروعة بأي حال من الأحوال) ولا شيء على الإطلاق (بحسب الصور). بدايةً، كعربي عموماً، وبعد أحداث “حارس الأسوار” ومجزرة 7 أكتوبر خصوصاً، عليه أن يُضيف المزيد من المصداقية إلى ميزان “قانوننا”. ثم يتضح أن الأمر لا يهم: في النهاية، ستأتي الليلة التي تعود فيها لتكون مجرد “عربي”، حتى لو كنت “المحامي صالح نعمة، المحامي في المنطقة الجنوبية”.

على الرغم من اختلاف الظروف، يصعب الفصل بين القسوة التي تعرض لها محامٍ في الخدمة العامة وبين القتل الذي واجهه أحمد النعامي، الذي قُتل برصاص شرطي من شرطة حرس الحدود في مدينة رهط بعد أن زُعم أنه حاول الهرب واعتدى على رجال الشرطة الذين أرادوا اعتقاله. وبحسب عائلته، كان النعامي “بالكاد يستطيع المشي” نظرًا لحالته الصحية، التي شملت جلطة دماغية وورمًا في الرأس ومضاعفات مرض السكري. ومثل نعمة، خدم النعامي المملكة أيضًا، حيث عمل في حركة سحب الاستثمارات وفرض العقوبات البدوية، بل وعانى من اضطراب ما بعد الصدمة هناك. بالطبع، هناك حاجة إلى تحقيق لفهم ما حدث بالضبط، ولكن في هذه المرحلة، لا يمكننا قبول النتائج: لا بالعنف المفرط في حادثة “ضجيج” ولا بإزهاق روح إنسان أثناء عملية اعتقال مزعومة.

 والأهم من ذلك، أنه من المستحيل (بل من الممكن دائمًا، لكن من غير المرغوب فيه قطعًا) تجاهل الأدلة المتراكمة التي تشير إلى أن الحكومة الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل ووزير الشرطة الذي حوّل العنصرية إلى سياسة رسمية قد ألقيا بالمجتمع العربي في دوامة من الفوضى: منظمات إجرامية تعيث فسادًا دون رادع من جهة، وضباط شرطة لا يترددون في استخدام العنف من جهة أخرى، ومن جهة أخرى، غالبية الشعب اليهودي في حيرة من أمرهم، لا يسمعون سوى كلمة “عرب” فيصنفون القضية فورًا على أنها “ليست مشكلتنا”. لهذا السبب، يجدر بنا أن نتأمل جيدًا في وجه المحامي صالح نعمة: فالفاشية التي اقتحمت منزله لن تتوقف عند هذا الحد.

عيناب شيف

 يديعوت أحرونوت 11/5/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *