مخيمات لبنان.. حارات تحمل أسماء المدن والقرى في فلسطين وعائلات تنتظر العودة (فيديو)


مخيم برج الشمالي- “القدس العربي”:- تُعد المخيمات الفلسطينية في لبنان بمثابة “فلسطين الصغرى”؛ فهي ليست مجرد تجمعات سكنية عابرة فرضها اللجوء، بل جغرافيا بديلة رسمها اللاجئون بذاكرتهم لتقاوم محاولات المحو والنسيان. ومن بين هذه المخيمات، يبرز مخيم برج الشمالي في مدينة صور نموذجاً حياً ومكثفاً لكيفية استحضار الخريطة الفلسطينية وإسقاطها على الأزقة والحارات، ليتحول المخيم إلى أرشيف شعبي يحفظ أسماء القرى والمدن التي هُجّر منها الأهالي عام 1948.

عندما تذهب إلى مخيم برج الشمالي لا تحتاج إلى نظام تحديد مواقع لتعرف أين أنت، بل تحتاج إلى مفتاح العودة.

فالحارات هنا ليست مجرد أرقام أو تسميات عشوائية، بل تجسيد ديموغرافي للقرى الفلسطينية الأصلية. وقد بُني التوزيع الجغرافي داخل المخيم على أساس الروابط العائلية والمناطقية، حيث تجمعت العائلات التي تنتمي إلى القرية ذاتها في حارة واحدة، وأطلقت عليها اسم موطنها السليب.

وفي حديث مع “القدس العربي”، يقول محمد الأحمد، أحد سكان المخيم الذي تعود أصوله إلى بلدة الناعمة، قضاء صفد: “تنقسم الأحياء هنا على أسماء القرى والبلدات الفلسطينية، وكل حي يجمع العائلات التي تنحدر من البلدة ذاتها، لنشعر أننا ما زلنا نعيش في حضن فلسطين”.

محمد من سكان برج الشمالي لـ”القدس العربي”: كل حي يجمع العائلات التي تنحدر من البلدة ذاتها، لنشعر أننا ما زلنا نعيش في حضن فلسطين

ملامح الجليل في صور

ارتبطت تسميات الحارات في برج الشمالي بشكل عضوي بمدن وقرى الجليل والشمال الفلسطيني، ومن أبرزها:

حارة الحولة: تضم العائلات التي هُجّرت من قرى حوض بحيرة الحولة، وهي من أكبر التجمعات في المخيم. يقول الحاج أبو وائل لصحيفة “القدس العربي”: “أنا من الحولة، وأسكن في حي-  الحولة، وقد سُمي بهذا الاسم نسبة إلى أهلنا الذين هُجّروا قسراً من أرضهم، من أجل نبقى مرتبطين بها ولو بالاسم”.

حارة لوبية: نسبة إلى قرية لوبية، قضاء طبريا، وهي حارة تعكس تماسك العائلات التي نقلت تقاليد القرية إلى زواريب اللجوء. وتضيف الحاجة أم علي: “نحن هنا من لوبية، وهذا الحي يحمل اسم قريتنا ليبقى ذكرُها حياً فينا”.

حارة الصفافري: نسبة إلى قرية صفورية في الجليل. هنا يتجمع الأهالي وتتوارث الأجيال حكايات الزيتون والسهول، وتكاد تشعر أن حي الصفافري قطعة انتُزعت من الجليل لترسو في جنوب لبنان.

الحاج أبو وائل: أنا من الحولة، وأسكن في حي الحولة، وقد سُمي بهذا الاسم نسبة إلى أهلنا الذين هُجّروا قسراً من أرضهم، من أجل نبقى مرتبطين بها

لماذا التمسك بالأسماء؟

ويبدو أن إطلاق أسماء المدن والقرى الفلسطينية على حارات المخيم ليس مجرد فعل عاطفي، بل فعل سياسي ومقاوم بامتياز، يحقق أهدافاً جوهرية، يقول البعض في المخيم، ومنها:

توريث الذاكرة: عندما يولد طفل في حارة لوبية فإنه يكبر وهو يدرك أن عنوانه الحقيقي ليس هذا الزقاق الضيق، بل قرية في فلسطين. يقول الحاج أبو أحمد: “نطلق أسماء بلداتنا على أحياء المخيم لتترسخ في أذهان أطفالنا، كي لا ينسوا من أين جاؤوا”.

الحفاظ على النسيج الاجتماعي: ساعد هذا التقسيم في الحفاظ على الروابط العائلية، ومنظومة العونة، والتقاليد الاجتماعية التي كانت سائدة قبل النكبة.

رفض التوطين: من خلال تسمية الحارة باسم القرية الأصلية، يعلن اللاجئ صراحة أن إقامته في لبنان مؤقتة، وأن العنوان الدائم ينتظر العودة.

المخيم كخريطة حية

ولا يقتصر هذا المشهد على برج الشمالي وحده؛ ففي عين الحلوة نجد حارتي حطين والطيرة، وفي الرشيدية نجد حارة نحف وحارة فارة، لكن برج الشمالي يتميز بأنه حافظ على طابع القرية بشكل مكثف، حيث لا تزال اللهجات القروية الفلسطينية واضحة ومميزة بين حارة وأخرى، وكأن المسافات بين قرى الجليل قد اختُصرت في أمتار قليلة.

المخيم ليس مكاناً للعيش فحسب، بل فكرة، والفكرة لا تموت طالما أن أسماء القرى تُنطق يومياً في نداءات الجيران، وتُكتب على واجهات المحال وعناوين البيوت.

بهذا تصبح تسمية الحارات بأسماء المدن والقرى في مخيم برج الشمالي محاولة فلسطينية لهزيمة الجغرافيا بالذاكرة. فالمخيم، رغم بؤسه وضيق مساحته، استطاع أن يكون الحاضنة التي تضم الناعمة والذوق ولوبية والمغاربة، ليبقى الجيلان الرابع والخامس متمسكين بخريطة بلادهما، وكأن العودة ليست إلا مسألة وقت ليعود كل اسم إلى مكانه الطبيعي على خريطة الوطن.

الحاج أبو أحمد: نطلق أسماء بلداتنا على أحياء المخيم لتترسخ في أذهان أطفالنا، كي لا ينسوا من أين جاؤوا

من حواضر فلسطين إلى ساحل صور

تنحدر عائلات مخيمات منطقة صور، وفي مقدمتها مخيم برج الشمالي، من نسيج جغرافي وتاريخي يمتد عبر مدن وقرى شمال فلسطين والجليل، وهي مناطق لم تكن مجرد نقاط على الخريطة، بل مراكز حضارية واقتصادية نابضة. إن الذاكرة الجمعية في المخيم لا تستحضر القرى والبلدات فقط، بل تستعيد معها ملامح المدن الفلسطينية الكبرى التي شكلت الوعي الأول للاجئين قبل نكبة عام 1948. وكانت تلك المدن البوصلة التي وجهت مسار اللجوء نحو جنوب لبنان؛ لقربه الجغرافي وتشابه تضاريسه مع بيئتهم الأم.

وتبرز مدينة صفد واحدة من أهم المرجعيات الحضرية لأهالي المخيم؛ فهي مدينة القلعة الجاثمة فوق قمم الجبال، والتي ارتبطت عائلات كثيرة من برج الشمالي بقضائها وقراها المحيطة. لم تكن صفد بالنسبة لهم مجرد مركز إداري، بل منارة للعلم والتجارة في الجليل الأعلى، ويستذكر كبار السن في المخيم أسواقها القديمة وحاراتها المرتفعة، التي تشبه في ضيقها وعنفوانها زواريب المخيم اليوم. هذا الارتباط بصفد وقضائها جعل أهالي الناعمة والخالصة وغيرهم يشعرون بأنهم حراس لتلك الذاكرة الجبلية الشاهقة وسط سهول صور.

كذلك، تحضر مدينة طبريا ببحيرتها الشهيرة في وجدان أهالي المخيم، خاصة أولئك الذين هُجّروا من قرى الحولة ولوبية. فطبريا، بمكانتها السياحية والدينية وتاريخها الضارب في القدم، تمثل في الذاكرة الفلسطينية معنى الحياة والوفرة. والحديث عن طبريا في حارات برج الشمالي ليس مجرد حنين إلى مدينة، بل استعادة لصورة فلسطين الخضراء والمليئة بالمياه، وهو ما يفسر التمسك الشديد بأسماء تلك المناطق؛ فالحفاظ على اسم الحولة أو لوبية هو، في جوهره، حفاظ على الانتماء إلى هذا الحوض المائي والجغرافي الفريد الذي كانت طبريا قلبه النابض.

ولا يمكن إغفال التأثير الحضري لمدينة عكا، عروس البحر التي تطل بأسوارها التاريخية على المتوسط، حيث تتقاطع حكايات الصمود العكاوي مع واقع اللجوء على ساحل صور. فاللاجئون الذين استقروا في مخيمات الجنوب اللبناني حملوا معهم ثقافة الساحل الفلسطينية، وهي ثقافة تتسم بالانفتاح والقدرة على مواجهة التحديات، تماماً كما واجهت أسوار عكا الغزاة عبر التاريخ.

كما تحضر مدن مثل الناصرة وبيسان في السرد الشفوي للأجيال، حيث تُروى قصص الأسواق والمدارس والمساجد والكنائس، لترسم في مخيلة الأبناء والأحفاد صورة لفلسطين المتكاملة؛ من قمم الجليل إلى موانئ البحر، ومن بيارات الحمضيات في حيفا إلى حقول الحبوب في مرج ابن عامر.

فسيفساء فلسطينية في المنفى

وهذا التنوع في الأصول، بين مدني وقروي، وبين جبلي وساحلي، هو ما جعل من مخيم برج الشمالي فسيفساء فلسطينية بامتياز. فلم تكن الهجرة مجرد انتقال للأفراد، وإنما نقل لمجتمع كامل بمؤسساته العرفية وتقاليده الاجتماعية، وحتى لهجاته التي لا تزال تفرق بين ابن المدينة وابن القرية في نغمة الكلام.

والامتداد من حواضر فلسطين إلى ساحل صور حوّل المخيم من منفى اضطراري إلى مختبر للهوية، حيث تنصهر فيه ذكريات المدن والقرى لتشكل وطناً معنوياً يرفض الانكسار أمام الواقع الجغرافي الجديد.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *