نشر موقع «جي فيد» الإسرائيلي، أمس الأحد، تفاصيل جديدة حول القاعدة الجوية «السرية» داخل العراق، والتي ذكر أنها استخدمت في عمليات ضد إيران، مشيرا إلى تدخل أمريكي لمنع السلطات العراقية من التحقيق في الموقع الذي كانت أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، السبت الماضي، إلى استخدامه كمركز خفي للقوات الخاصة الإسرائيلية، إضافة إلى كونه مركز دعم لوجستيا لسلاح الجو الإسرائيلي.
ضم الموقع، حسب التقرير العبري، مدرجا جويا بطول يقارب 1,6 كيلومتر داخل قاع بحيرة جافة تبعد نحو 180 كيلومترا جنوب غرب مدينتي النجف وكربلاء وليس بعيدا عن الحدود العراقية – السعودية، مما أتاح لإسرائيل تقليص مسافات الطيران بشكل كبير خلال تنفيذ مهام ضد إيران، ووفّر نقطة انطلاق استراتيجية عززت قدرات سلاح الجو على تنفيذ ضربات بعيدة المدى.
حسب تقارير صحافية إسرائيلية أخرى («جيروزاليم بوست»، و»معاريف») أن القوات الإسرائيلية شنت هجمات على قوات إيرانية كانت تحاول بدورها استخدام الأراضي العراقية لوضع منصّات صواريخ لإطلاقها على إسرائيل، كما شنّت هجمات على قوات عراقية اقتربت منها، وتحدّثت آخر المعلومات المنشورة في هذا الموضوع عن أن هذه «لم تكن المرة الأولى التي تعمل فيها إسرائيل داخل الأراضي العراقية».
بعد اتساع دائرة التأكيد الإعلامية وتصاعد الغضب الشعبي العراقي، وورود أنباء عن قرب استدعاء البرلمان العراقي لوزيري الدفاع والداخلية وقيادات أمنية لمساءلتها حول الواقعة، نفى الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية الحادثة مما أعفاه من شرح التفاصيل الأمنية والسياسية الملتبسة التي تحوطها (كما لم تصدر بعد مواقف سياسية إسرائيلية أو أمريكية حول الموضوع).
تثير هذه الوقائع أسئلة عراقية مزعجة بدءا من السؤال الأمنيّ – العسكريّ حول كيفية إقامة قاعدة عسكرية سرية بهذا الحجم الكبير نسبيا لأي دولة في دولة أخرى، ناهيك عن كونها قاعدة لدولة إسرائيل المعادية للعراق، ولمحيطها العربيّ العام، وتواجه رأيا عاما عراقيا (وحكوميا وعسكريا) مناهضا لها.
ما يزيد الأسئلة إزعاجا تذكّر حادثة جرت في 4 آذار/ مارس الماضي، كان يفترض أن تشغّل زر الإنذار الأمني – والعسكريّ في العراق. تبلّغت السلطات حينها عبر راع للأغنام كان يتجوّل في المنطقة أنه شاهد هبوط مروحيّات وتحركات لمسلحين. أرسل الجيش العراقي قوة استطلاع من قيادة عمليات كربلاء للتفتيش فتعرّضت عند اقترابها من منطقة النخيب الصحراوية التي تمركزت فيها القاعدة لقصف جوي وإطلاق «نيران مجهولة» ما أدى لمقتل جندي وإصابة آخرين.
ما يمكن فهمه من التفسيرات المتناقلة عن المسؤولين العراقيين أن الافتراض الأول لدى الجهات العراقية كان أن المسؤول عن تلك الغارة على القوة العراقية كانت القوات الأمريكية، لكنّ تعبير «النيران المجهولة» الذي استخدمه البيان العسكريّ العراقي «زاد الطين بلّة»، فبتعمده تجهيل الفاعل (الأمريكي كما كان يفترض) فتح من حيث لا يدري قوس الاحتمالات أكثر، على الاحتمال الإسرائيلي.
معلوم طبعا أن الحكومة العراقية كانت تخوض في معمعة صعبة جدا بين أمريكا وإيران، اللتين تنتهكان سيادتها عسكريا وأمنيا، وتتدخلان في قراراتها السياسية الكبرى، والذي انعكس بجلاء في معركة تسمية رئيس الحكومة العراقية، مع تحوّل نوري المالكي، إلى مرشّح لإيران، وتحوّل محمد شياع السوداني، إلى مرشح أمريكا.
في نضالها لإظهار «حياد» لا خيار لها فيه، قامت الحكومة العراقية بمواصلة التغطية السياسية للميليشيات المحسوبة على إيران، من جهة، واضطرت لتسليم أجوائها أثناء الحرب للطيران الأمريكي، لكنها لم تتوقع، على ما يظهر، أن يقوم الأمريكيون بتأمين الغطاء لإنشاء قاعدة استخبارية وعسكرية وطبية سرية لإسرائيل، وهو أمر يكسر بالتأكيد المعادلة شبه المستحيلة للموازنة بين أمريكا وإيران.