سوريا بين السلطة والدولة: تفكيك الالتباس


عاش الشعب السوري لعقود طويلة في ظل اختفاء الفرق بين الدولة والسلطة، بعد أن سيطر آل الأسد على حكم البلاد، الذين لم يكتفوا بحكم البلاد، بل عملوا على تسميتها، وإعادة تعريفها بما يتوافق مع هيمنتهم المطلقة، لم تكن سوريا خلال تلك العقود مجرد بلد يحكمه نظام، بل تحولت إلى «سوريا الأسد»، وهي عبارة تعبّر عن اكتمال عملية ابتلاع الدولة من قبل السلطة الحاكمة والمستبدة، في تلك المرحلة، لم يعد السوريون قادرين على التمييز بين الدولة كإطار مؤسساتي جامع، والسلطة الحاكمة ككيان سياسي متغير وزائل. لقد تم اختزال الدولة بالكامل في شخص الرئيس وعائلته ومحيطه الأمني والعسكري، وبقول «الأسد للأبد».
هذا الالتباس بين مفهومي السلطة والدولة لم يكن عرضيا، بل كان نتاج سياسة متعمدة من قبل نظام الأسد، بالعمل على إلغاء الفصل بين السلطات، وتمركز كل قرار في قمة الهرم، وكذلك تحويل المؤسسات إلى مجرد واجهة للسلطة، وموظفيها عمال مأجورين عندها، وتجريم أي حديث عن الدولة بمعزل عن القيادة حينها، وصار الدفاع عن الدولة يعني في الوعي الجمعي دفاعا عن النظام، وصار العداء للنظام عداء للدولة ذاتها وإضعافا للشعور الوطني. هذا الخلط الكارثي هو ما جعل مسألة الإصلاح، أو التغيير تبدو وكأنها تهديد لوجود البلاد نفسها، وجعل كثيرين يعتقدون أن إسقاط النظام يعني تدمير الدولة.
لكن الحقيقة أن ما حدث في سوريا عام2011 لم يكن صراعا بين الشعب ودولته، بل كان ثورة شعب أراد استعادة دولته، من سلطة استبدت بالدولة فجعلتها رهينة بقائها. ولعل أخطر ما خلفته عقود «سوريا الأسد» هو التشابك المرضي بين المفهومين، ما يجعل تفكيكهما اليوم ضرورة وطنية قبل أن تكون ضرورة نظرية. فاستعادة الدولة تبدأ أولا باستعادة القدرة على التمييز: بين الحاكم والمؤسسة، بين المستبد والوطن، بين سوريا الماضي وسوريا الجديدة التي يستحقها السوريون.
الحكومة يمكن أن تتغير، تسقط، أو يطاح بها، بينما تبقى الدولة ومؤسساتها ثابتة كسقف جامع للشعب، وحين يتفرعن المجتمع على الدولة يسود الخراب، وحين تتفرعن الدولة على المجتمع يسود القمع والاستبداد. العلاقة المتوازنة تقتضي أن يدافع المواطن عن الدولة مهما كان عداؤه للحكومة، لأن اللادولة تعني جنة للمخربين والفوضويين والعصابات، وجحيما للمواطن العادي. واللادولة ليست مجرد غياب مؤسسات، بل هي حالة من السيادة الموزعة والمتنازع عليها، حيث تتعدد مراكز القوة وتتصارع على النفوذ والموارد، في اللادولة، يتحول القانون إلى سلاح بيد الأقوى، وتصبح حقوق الإنسان مجرد كلمات بلا معنى، ويصبح المواطن رهينة ولاءاته الفرعية، الطائفية، العشائرية، العرقية المناطقية، بدلا من أن يكون مواطنا كامل الحقوق في إطار وطني جامع، والفرق بين الدولة واللادولة هو الفرق بين النظام والفوضى، بين الأمن والرعب، بين المواطنة والتبعية والهويات الفرعية.

الحكومة يمكن أن تتغير، تسقط، بينما تبقى الدولة ومؤسساتها ثابتة كسقف جامع للشعب، وحين يتفرعن المجتمع على الدولة يسود الخراب، وحين تتفرعن الدولة على المجتمع يسود القمع والاستبداد

في التاريخ السياسي، ارتبطت مقولة «أنا الدولة» بالملك لويس الرابع عشر ملك فرنسا، الذي قالها أمام البرلمان، تعبيرا عن تمركز السلطة المطلقة في شخص الحاكم، لكن اللافت أن لويس نفسه تراجع عن هذه المقولة على فراش الموت، معترفا: «أنا سأذهب، أما الدولة فستبقى دائما، هذا الاعتراف الأخير يعكس حقيقة جوهرية، أن المستبد الأكثر غرورا أدرك في النهاية أن الدولة أكبر من أي حاكم، وأن مشروعية الحكم الزائلة لا تعني زوال الأمة ومؤسساتها. أما في سوريا، فذهب نظام الأسد إلى نقيض هذا المنطق تماما، لم يقل بشار الأسد أنا الدولة فقط، بل تجاوز ذلك إلى قول: «إن رحلت، سأحرق البلد، هذه المقولة التي ترددت على ألسنة داعميه ومناصريه، وكتبت على الجدران،، تعكس تحولا نوعيا في مفهوم الاستبداد، فلم يعتبر الأسد نفسه حارسا للدولة، بل مالكا لها يحق له تدميرها إن لم يعد قادرا على امتلاكها، بعد أن ورثها من والده. عبارة «أنا الدولة» هنا لا تعني العظمة، بل تعني الاستحواذ المطلق، الذي يصل إلى حد الرغبة في الإبادة الجماعية للمؤسسات والبشر والحجر. الانقلاب الأعظم في التجربة السورية أن نظام الأسد، بدلا من أن يكون حاميا للدولة الجامعة، أصبح أداة لهدمها من الداخل، وقام بتوظيف الطائفية والمذهبية والقبلية والعشائرية، أدوات للسيطرة داعمة لسلطته، وعندما شعر النظام بضعفه إزاء الثورة الشعبية، لم يلجأ إلى مؤسسات الدولة لحماية السيادة، بل أطلق العنان للميليشيات، وسلح العصابات، وروج لخطاب يقسم السوريين إلى طوائف وأعراق، وجعل من الجيش أداة لحماية سلطته. هذا التفتيت المتعمد أدى إلى تفرعن الهويات الفرعية على حساب الدولة الجامعة، كل جماعة أمسكت سلاحها، وبنت جيشها الخاص، وكل فئة أقامت منطقتها المنعزلة، الدولة التي يفترض أن تكون سقفا واحدا للجميع، تحولت إلى فضاء مفتت، والنظام الذي ابتلع الدولة وجعلها مرادفة له، هو نفسه من زرع بذور تفككها. وهذه استراتيجية متعمدة لإدارة الصراع بدل الاستجابة لمطالب الشعب، فنظام الأسد لم يكن مهتماً ببناء دولة، بل كان مهتماً ببقائه بأي ثمن وعندما شعر بأن الدولة الجامعة لم تعد قادرة على احتوائه، فضل تحويل سوريا إلى دولة فاشلة مقسمة على أسس هوياتية، لأن الدولة الضعيفة والمجزأة أسهل في السيطرة عليها من الدولة القوية والموحدة، وهذه مفارقة مأساوية، الطاغية الذي ابتلع الدولة، فضل قتلها على أن يطلق سراحها.
الثورة السورية كانت، في جوهرها، ثورة ضد تفرعن السلطة على الدولة والمجتمع معا، ولم يخرج الشعب الثائر للمطالبة بفوضى أو لادولة، بل طالبوا بدولة مؤسسات، دولة قانون، دولة تحمي المواطن لا تفترسه، وتحترم كرامته، شعارها الشعب يريد إسقاط النظام، كان واضحاً في استهدافه النظام، أي السلطة المستبدة، وليس الدولة ككيان ومؤسسات، لكن النظام المستبد، بدلا من الإصلاح، اختار تدمير الدولة بنفسه، حين أطلق العنان للجيش وقوى الأمن والميليشيات الطائفية، وسلاح الجو على المدن، وسياسات التجويع، لم يكن يدمر المعارضة فقط، ويقتل ويهجر الشعب الثائر، بل كان يهدم كل ما تبقى من مؤسسات الدولة، المدارس والمستشفيات والمحاكم والبلديات والجسور والطرقات، فكل قنبلة وقذيفة ألقيت على حي سكني كانت ضربة ليس فقط للمدنيين، بل لدولة سوريا المستقبلية، وهذا ما نجده الآن جليا بعد سقوطه، نجد إرثا من الخراب والدمار بكل مكان.
العداء في الثقافة السياسية يجب أن يكون موجها ضد الحكومة الظالمة والفاسدة، وليس ضد الدولة ومؤسساتها، فهدم الدولة يعني خسارة الزمن والموارد واستقرار المجتمع لسنوات، أو عقود، الدولة تبقى الملاذ الأخير للمواطن حين تتفشى الفوضى، وهذا الواقع يخلق معادلة سياسية جديدة مفادها: هل يمكن للمواطن أن يقف مع الدولة ضد الفوضى، وفي الوقت نفسه يقف ضد حكومة الدولة؟ نعم، وهذا ليس تناقضا، بل هو جوهر النضال السياسي الواعي، لأن الدولة هي التي توفر: الإطار القانوني الذي يحمي الحقوق حتى لو كانت الحكومة تنتهكها، وكذلك الجيش الوطني الذي يحمي الدولة، وليس الميليشيات العرقية والطائفية، والهوية الجامعة التي تتجاوز الولاءات الفرعية، وكذلك الخدمات الأساسية للمواطنين.
تفكيك العناصر لا يضر الحكومة فقط، بل يضر المجتمع كله لعقود قادمة، ولهذا السبب، يجب أن يكون هناك جدار من المناعة يفصل بين المفهومين، الدولة هي الخط الأحمر، والحكومة هي الهدف القابل للتغيير، وإن استعادة الدولة من السلطة المستبدة هي مشروع تحرير وطني بامتياز، لكنها أيضا استعادة للدولة من براثن الهويات الفرعية، التي أطلقها النظام لتقويضها، فالثورة السورية، رغم كل ما حل بها، حملت في عمقها هذا الحلم، دولة للجميع، لا دولة لفرد أو عائلة أو طائفة، دولة تحمي المواطن من تفرعن الحاكم وتفرعن سلطته.
الحكومات تأتي وتذهب، لكن الدولة تبقى وهذا ما يجب أن ندركه، وما يجب أن نعمل من أجله، بوعي، دون أن نخلط بين المستبد والمؤسسة، الدولة خط أحمر، والمستبد خط أعوج، ومهمتنا أن نحرر الأولى من الثاني، ونحمي الأولى من تفكك الهويات الفرعية ومن فوضى اللادولة، لأن اللادولة ليست بديلا عن المستبد، بل هي شكله الآخر القاتل.
بعد سقوط نموذج «سوريا الأسد»، التحدي ليس فقط إعادة الإعمار المادي، بل إعادة بناء فكرة الدولة التي لا تختزل، ولا تُختطف، ولا تُحرق إذا اهتزت السلطة، والقاعدة الذهبية التي يجب ترسيخها، الحاكم والمسؤول موظفان مؤقتان، الدولة كيان دائم، والشعب هو مصدر الشرعية، إذا تم صياغة هذه المعادلة بوعي، لن يعود التاريخ بصيغة جديدة، ولن نسمع مجددا من يقول: أنا الدولة.

كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *