قتلى وجرحى في اشتباكات الزاوية وسط تحذيرات أممية من تهديد الاستقرار ومساع لاحتواء الأزمة الليبية


طرابلس ـ «القدس العربي»: عادت مدينة الزاوية غربي ليبيا إلى واجهة المشهد الأمني المضطرب، بعد يومين من الاشتباكات المسلحة العنيفة التي خلّفت قتلى وجرحى وأضرارًا واسعة في محيط مصفاة النفط والمنشآت الحيوية، في وقت تتواصل فيه التحركات الأممية والدولية لمحاولة تثبيت المسار السياسي ودفع الأطراف الليبية نحو تسوية تنهي سنوات الانقسام والتوتر الأمني.
وأسفرت الاشتباكات التي شهدتها المدينة منذ الجمعة عن مقتل 10 أشخاص وإصابة 20 آخرين، وفق ما أفادت به مصادر محلية وطبية، بينما تواصلت عمليات الإجلاء والإسعاف للعائلات العالقة في مناطق المواجهات، وسط تحذيرات من اتساع تداعيات الوضع الأمني وانعكاسه على القطاع النفطي والاستقرار العام في غرب البلاد.
وشهدت الزاوية مواجهات بالأسلحة الثقيلة عقب إعلان مديرية أمن المدينة إطلاق «عملية أمنية واسعة النطاق» قالت إنها تستهدف أوكار المجرمين والخارجين عن القانون والمتورطين في أعمال تهدد الأمن والسلم الاجتماعي، وذلك بناءً على تعليمات من النيابة العامة وبمشاركة عدد من الأجهزة الأمنية والغرفة الأمنية المشتركة.
وقالت المديرية إن العملية تشمل أوامر بالمداهمة والقبض والتفتيش بحق مطلوبين في قضايا القتل والخطف والابتزاز والاتجار بالمخدرات والهجرة غير النظامية والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، مؤكدة أن الهدف منها استعادة الأمن وفرض سلطة الدولة داخل المدينة.
لكن المنطقة العسكرية بالساحل الغربي سارعت إلى النأي بنفسها عن العملية، مؤكدة أنها ليست طرفًا في أي تحركات قد تُفهم على أنها تصفية حسابات، في إشارة عكست حجم الحساسية والتعقيد الذي يرافق التحركات الأمنية داخل مدن الغرب الليبي التي تشهد تداخلًا بين التشكيلات المسلحة والنفوذ المحلي.
وامتدت آثار الاشتباكات إلى محيط مصفاة الزاوية النفطية التي تُعد من أهم المنشآت النفطية في غرب ليبيا، بعدما سقطت قذائف داخل المجمع النفطي وأصابت خزان الكيروسين المخصص للطيران رقم 501 التابع لشركة البريقة لتسويق النفط، إضافة إلى تضرر مبانٍ ومكاتب وسيارات تتبع شركة الزاوية لتكرير النفط. وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط حينها تفعيل خطة الطوارئ وإجلاء العاملين وطلبة المعهد النفطي، مع الإبقاء على فرق الإطفاء والطوارئ فقط داخل المنشآت، فيما جرى إيقاف عمليات التكرير وإخلاء الميناء النفطي مؤقتًا تحسبًا لأي تطورات ميدانية إضافية.
وفي خضم التصعيد، نفّذ مركز طب الطوارئ والدعم بالزاوية 36 عملية إخلاء لعائلات عالقة في مناطق الاشتباكات، بعد تلقي أكثر من 200 بلاغ استغاثة من السكان، بينما دعت فرق الإسعاف والطوارئ المواطنين إلى عدم مغادرة منازلهم إلا للضرورة القصوى بسبب خطورة الوضع الميداني.
وأكد المركز أن فرقه تمكنت من توفير ممرات آمنة للعالقين رغم كثافة الاشتباكات، مع تقديم الإسعافات والعلاج للمصابين، في وقت أظهرت فيه المشاهد المتداولة حجم الأضرار التي طالت أحياء سكنية وممتلكات مدنية نتيجة تبادل إطلاق النار واستخدام الأسلحة الثقيلة داخل مناطق مأهولة بالسكان.
وأثار التصعيد مخاوف أممية ودولية متزايدة، بعدما أدانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا استمرار الاشتباكات، محذرة من أن الوضع في الزاوية ينذر بمخاطر زعزعة استقرار أوسع نطاقًا، خاصة مع تهديد البنية التحتية النفطية والاستراتيجية وما قد يترتب على ذلك من تداعيات إنسانية واقتصادية على البلاد.
وأكدت أن استخدام الأسلحة الثقيلة وإطلاق النار العشوائي في الأحياء المكتظة بالسكان أمر غير مقبول، مشيرة إلى تقارير مقلقة تحدثت عن سقوط ضحايا مدنيين بين قتيل وجريح، فضلًا عن وجود عائلات عالقة وسط مناطق القتال.
كما أعربت عن قلق بالغ إزاء التقارير التي تحدثت عن استخدام مجمعات سكنية قريبة من المصفاة لأغراض عسكرية، معتبرة أن تحويل البنية التحتية المدنية إلى ساحات قتال يمثل تهديدًا مباشرًا للمدنيين وللاقتصاد الليبي المرتبط بشكل أساسي بقطاع النفط والطاقة.
ودعت البعثة السلطات الليبية إلى فتح تحقيقات سريعة وشفافة بشأن الأضرار التي لحقت بالمدنيين، وضمان المساءلة القانونية، إلى جانب اتخاذ خطوات عاجلة لحماية السكان والمنشآت الحيوية ومنع تكرار مثل هذه المواجهات.
ورغم حدة الاشتباكات، أعلنت شركة الزاوية لتكرير النفط صباح الأحد رفع حالة الطوارئ واستئناف العمل بشكل طبيعي في كافة مرافق الشركة، بعد تقييم الوضع الأمني والتأكد من عودة الاستقرار النسبي إلى المنطقة منذ مساء الجمعة.
وقال رئيس لجنة الإدارة في الشركة عماد بن كورة إن الشركة شرعت في اتخاذ إجراءات عاجلة لإعادة تشغيل وحدتي التكرير بالمصفاة، بهدف ضمان استمرار تدفق المحروقات إلى السوق المحلي وتفادي أي اختناقات في البنزين والديزل وغاز الطهي.
كما أعلنت إعادة فتح الميناء النفطي واستئناف العمليات البحرية واستقبال الناقلات، إلى جانب بدء عمليات حصر الأضرار التي طالت الخزانات والمكاتب والمركبات الخاصة بالعاملين، مع تكليف الفرق الفنية بالشروع الفوري في أعمال الصيانة.
وتُعد الزاوية من أكثر مدن غرب ليبيا تعرضًا للتوترات الأمنية خلال السنوات الماضية، بسبب تشابك النفوذ المسلح وتعدد مراكز القوة داخل المدينة التي تضم مواقع استراتيجية وحيوية، أبرزها المصفاة النفطية الواقعة على الساحل الغربي.
وجاءت هذه التطورات بعد أيام قليلة من اشتباكات مماثلة شهدتها مدينة صرمان المجاورة، في مؤشر جديد على هشاشة الوضع الأمني في بعض مدن الغرب الليبي، رغم محاولات السلطات المحلية والأجهزة الرسمية احتواء التوترات ومنع تحولها إلى مواجهات أوسع.
ويتزامن هذا التصعيد الأمني مع استمرار المساعي الأممية والدولية لإعادة تحريك العملية السياسية في ليبيا عبر ما يعرف بالحوار “المصغر” أو «المهيكل»، الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة بمشاركة عدد محدود من الفاعلين السياسيين بهدف تجاوز حالة الجمود التي عطلت المسار الانتخابي وتوحيد المؤسسات.
وكانت المبعوثة الأممية هانا تيتيه قد تحدثت في إحاطات سابقة أمام مجلس الأمن عن استمرار المشاورات ضمن هذا المسار، بهدف التوصل إلى تفاهمات تمهد لتنفيذ خارطة الطريق الأممية وإنهاء الانقسام السياسي والمؤسساتي بين الشرق والغرب.
ويرى مراقبون أن تكرار الاشتباكات في مدن حيوية مثل الزاوية يعكس حجم التحديات التي تواجه أي مسار سياسي مستقبلي، خصوصًا مع استمرار الانقسام ووجود جماعات مسلحة متعددة الولاءات، الأمر الذي يجعل تثبيت الاستقرار الأمني أحد أبرز الاختبارات أمام جهود التسوية في ليبيا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *