تطلق مواجهة مفتوحة بين النيابة العامة ومحامين عن ناشطات في المعارضة



عبد الله مولود

نواكشوط –«القدس العربي»: في بلد اعتاد أن تتحول فيه الملفات القضائية ذات الطابع السياسي أو الحقوقي إلى ساحات سجال عام، انفجرت قضية المحامي عبد الرحمن زروق لتتجاوز حدود متابعة قضائية عادية، وتتحول إلى اختبار حساس للعلاقة بين السلطة القضائية وهيئة الدفاع، ولحدود حرية التعبير في الفضاء الرقمي، ولمدى الحماية التي يتمتع بها المحامي أثناء ممارسته لمهنته.
ففي وقت تؤكد فيه النيابة العامة أن الأمر يتعلق بأفعال «تمس الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية» وتندرج ضمن جرائم يعاقب عليها القانون، يرى عشرات المحامين أن ما جرى يمثل سابقة خطيرة تمس حصانة الدفاع واستقلال المهنة، وتفتح الباب أمام توتر غير مسبوق داخل الجسم القضائي.
بدأت القضية بعد بث مباشر نشره المحامي عبد الرحمن زروق على صفحته في فيسبوك، تناول فيه ملف موكلته الناشطة في المعارضة وردة اسليمان، وذلك ردا على مؤتمر صحفي كانت النيابة العامة قد عقدته في اليوم نفسه.
لكن ما اعتبره زروق، وفقا لمقربين منه، ممارسة لحق الرد والتوضيح القانوني، تحول بسرعة إلى ملف قضائي ثقيل، بعدما أوقفت الشرطة المحامي داخل مكتبه، قبل إخضاعه للحراسة النظرية وإحالته لاحقا إلى النيابة العامة في ولاية نواكشوط الغربية.

موريتانيا: متابعة قضائية في حق المحامي ولد زروق

ووجهت النيابة إلى زروق تهمتين أساسيتين هما «المساس المتعمد بالوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية»، و»نشر معلومات مضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف التأثير على الجمهور». وأكدت النيابة أن الأفعال المنسوبة إليه تندرج ضمن الجرائم المنصوص عليها في المادة الثانية من قانون حماية الرموز الوطنية وتجريم المساس بهيبة الدولة وشرف المواطن، إضافة إلى المادتين الثانية والثالثة من قانون مكافحة التلاعب بالمعلومات.
وبعد مثوله أمام النيابة، أُحيل الملف إلى قاضي التحقيق بالديوان الخامس مع طلب إيداعه السجن، وهو الطلب الذي استجاب له القاضي، ليصدر أمر بإيداعه السجن على ذمة التحقيق.
وكان أكثر الجوانب التي ركزت عليها هيئة الدفاع في ردها على الحادثة، هو توقيت وطريقة توقيف زروق، حيث قالت إن اعتقاله تم داخل مكتبه وأثناء تحضيره للدفاع عن موكلتيه البرلمانيتين المعارضتين مريم الشيخ وقامو عاشور يوم محاكمتهما.
وترى هيئة الدفاع أن هذه المعطيات تضفي على القضية أبعادا تتجاوز مجرد المتابعة القضائية، لأنها، بحسب البيان، تمس مباشرة بحرية المحامي في أداء مهامه المهنية، وتبعث برسائل «ترهيب» لبقية المحامين.
كما أثار الحديث عن تفتيش مكتب المحامي زروق ومصادرة الهاتف جدلا داخل الأوساط القانونية، في ظل تأكيد محامين أن القانون يحيط مكاتب المحامين وإجراءات تفتيشها بضمانات خاصة، مرتبطة بسرية المهنة وحقوق الموكلين.
وجاء رد الفعل الأقوى من الصف المهني للمحامين، حيث تشكل ما سمي بـ«لفيف الدفاع عن الدفاع»، والذي قال إنه يضم حتى الآن نحو مائة محام.
وفي بيان شديد اللهجة، وصف اللفيف ما تعرض له زروق بأنه «انتهاك سافر لحق الدفاع وحريته وحصانته»، مؤكدا أن جميع الإجراءات المتخذة بحقه «باطلة بطلانا مطلقا».
واستند المحامون في موقفهم إلى المادة 44 من قانون المحاماة، التي تحدد، وفق قراءتهم، الضوابط الخاصة بمتابعة المحامي، إضافة إلى المادة 45 المتعلقة بالإجراءات الواجب اتباعها في مثل هذه الحالات.
كما اعتبروا أن أمر الإيداع يخالف المادتين 121 و138 من قانون الإجراءات الجنائية.
ولم يكتف البيان بالطعن القانوني، بل حمل أيضا بعدا حقوقيا وسياسيا واضحا، إذ اعتبر أن «المساس بالمحامي بسبب ما يبديه من آراء أثناء ممارسته لمهنته أو بمناسبتها يشكل مسا خطيرا بحقوق الدفاع وبضمانات المحاكمة العادلة وباستقلال المهنة».
وأكد المحامون أن استقلال المحاماة ليس امتيازا ممنوحا للمحامي، بل ضمانة للمجتمع بأسره حتى يتمكن الأفراد والمؤسسات من الحصول على دفاع قانوني دون خوف من الضغوط أو المتابعات.
أعادت هذه القضية إلى الواجهة العلاقة المعقدة أحيانا بين السلطة القضائية وهيئة المحامين في موريتانيا، وهي علاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة موجات شد وجذب مرتبطة بملفات سياسية وحقوقية وإعلامية.
ويرى مراقبون أن حساسية الملف تعود إلى تداخله مع عدة عناصر في وقت واحد: فهناك من ناحية حرية التعبير على وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك أيضا الحصانة المهنية للمحامي، كما أن هناك الملفات ذات الطابع السياسي أو الحقوقي، والقوانين الجديدة المتعلقة بالمعلومات المضللة وهيبة الدولة.
ويقول متابعون إن السلطات تبدو حريصة منذ فترة على ضبط المجال الرقمي ومواجهة الخطابات التي تعتبرها مهددة للسلم الأهلي أو مؤثرة على الرأي العام، خاصة مع تصاعد استخدام البث المباشر والمنصات الاجتماعية في النقاشات السياسية والقضائية.
في المقابل، تخشى هيئات حقوقية ومحامون من أن يؤدي التوسع في تطبيق قوانين «المعلومات المضللة» و»هيبة الدولة» إلى خلق مناخ من الرقابة الذاتية والخوف داخل المجال العام.
موقف نقيب المحامين.. تهدئة بدل التصعيد
ورغم حالة التعبئة الواسعة داخل صفوف المحامين، فإن تسجيلات صوتية متداولة لنقيب المحامين الموريتانيين بونا الحسن، كشفت عن توجه أكثر ميلا إلى التهدئة والمعالجة الهادئة للملف.
وقال النقيب لزملائه إنه «لا مصلحة للمحامين في خلق مشكلة لعبد الرحمن زروق، ولا في تحويله إلى مادة إعلامية أو مادة بطولات»، داعيا إلى التعامل مع القضية «بحكمة وعقل».
وأشار ولد بونا إلى وجود «نقاط حساسة» في الملف إذا أثيرت قد تتسبب في تعقيد وضعية زروق، مؤكدا أن النقابة تعمل على معالجة الملف بما يضمن إطلاق سراحه وعودته إلى أسرته.
وقد كشف هذا الموقف عن وجود مقاربتين داخل الوسط المهني: أولاهما مقاربة تصعيدية تعتبر القضية معركة دفاع عن حصانة المحامي؛ ومقاربة تفاوضية تفضل المعالجة الهادئة مع السلطات القضائية.

اختبار للقوانين الجديدة
وتشكل هذه القضية أول اختبار بارز نسبيا للقوانين المرتبطة بمكافحة التلاعب بالمعلومات وحماية الرموز الوطنية وهيبة الدولة.
وتواجه فهذه النصوص القانونية، التي تقول السلطات إنها ضرورية لحماية الاستقرار والسلم الاجتماعي في عصر الإعلام الرقمي، انتقادات متكررة من حقوقيين يخشون استخدامها بطريقة فضفاضة قد تحد من حرية التعبير.
ويبدو أن قضية زروق ستعيد فتح هذا النقاش بقوة، خصوصا أن الاتهامات مرتبطة مباشرة بمحتوى منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، وليس بأفعال مادية تقليدية.
ورغم أن الملف ما يزال في مرحلته التحقيقية، فإن أصداءه تجاوزت الإطار القضائي إلى المجالين السياسي والإعلامي.
فالمتابعون يرون أن القضية تتقاطع مع سياق أوسع تعيشه موريتانيا، يتميز بارتفاع منسوب النقاشات السياسية الحادة على الإنترنت، وتزايد حضور المحامين في القضايا ذات الطابع الحقوقي والإعلامي.
كما أن الطريقة التي ستتم بها إدارة هذا الملف قضائيا وسياسيا قد تؤثر على صورة العدالة وعلى طبيعة العلاقة المستقبلية بين الدولة وهيئة المحامين.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات وطلبات الدفاع، يبقى ملف عبد الرحمن زروق مرشحا لمزيد من التفاعل، ليس فقط باعتباره قضية تخص محاميا موقوفا، بل بوصفه مرآة تعكس التوتر القائم بين مقتضيات الأمن القانوني ومتطلبات حرية التعبير واستقلال الدفاع في موريتانيا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *