فلسطينيون يحملون الأعلام الفلسطينية خلال مسيرة العودة السنوية لإحياء ذكرى النكبة قرب حيفا في مايو 2024 (رويترز)
الناصرة- “القدس العربي”- نستذكر النكبة في كل عام لأنها ليست حدثاً عابراً في التاريخ الفلسطيني، بل لحظة تأسيسية لا يمكن فهم ما جرى بعدها، وما يجري اليوم، من دون العودة إليها.
فمن لا يفهم ما حدث عام 1948، لن يستطيع أن يفهم جذور المأساة الفلسطينية المستمرة، بما في ذلك حرب الإبادة على غزة. ويكفي أن نعرف أن نحو 70 في المئة من أهل غزة هم من المهجرين، أو من أبناء وأحفاد المهجرين، منذ سنة النكبة، حتى ندرك أن الماضي هنا ليس ماضياً، بل حاضر مفتوح لم ينته.
استذكار النكبة ليس طقساً سنوياً ولا مناسبة خطابية فقط، بل هو جرعة مناعة في مواجهة النسيان والطمس وتقادم الأيام. فالأجيال الفلسطينية الجديدة تحتاج إلى أن تبقى موصولة بماضيها وجذورها، لأن الذاكرة إذا ضاعت تزعزعت الهوية، وإذا تزعزعت الهوية أصبح الشعب أكثر عرضة للتفكيك والاقتلاع مرة أخرى. ولهذا، فإن استذكار النكبة هو دفاع عن الذاكرة الوطنية الفلسطينية قبل أن يكون مجرد عودة إلى حدث تاريخي.
وفي هذا الاستذكار أيضاً معنى وطني جامع، لأنه يوحد الفلسطينيين في الوطن والشتات حول القضية الأم: قضية التهجير وحق العودة إلى الديار. فهناك من يسعى إلى دفع الفلسطينيين نحو النسيان، أو تحويل النكبة إلى ذكرى بعيدة، أو إلى ملف إنساني منفصل عن جوهره السياسي والحقوقي. لكن النكبة، في حقيقتها، هي جرح التهجير المفتوح، وهي أيضاً العنوان الأوضح لحق العودة الذي لا يسقط بالتقادم.
لكن الحديث عن النكبة لا يجب أن يحصر فلسطين في عام 1948 وحده. فلسطين أكبر من هذا الرقم، وأوسع من نكبتها، وأعمق من صورتها بوصفها بلداً مدمراً أو شعباً مهجراً فقط.
لذلك لا بد من العودة دائماً إلى فلسطين ما قبل النكبة: إلى ملامح الحياة في المدن والأرياف، إلى العلم والعمل، والثقافة العامة، والمواصلات، والأسواق، والأفراح والأتراح، وحتى التفاصيل اليومية الصغيرة.
هذه التفاصيل الصغيرة ليست هامشية، بل هي أجزاء من لوحة فسيفسائية كبيرة. من خلالها نستطيع أن نحمي أنفسنا من الضياع، والنسيان، والطمس والتجهيل. فاستعادة صورة فلسطين الحية، لا فلسطين المفقودة فقط، هي جزء من مقاومة النكبة ذاتها.
وهذا كله متوفر، لكنه يحتاج إلى من يذهب إليه، ويبحث عنه، ويعممه. وهنا يأتي دور الصحافيين والصحافة والكتاب والمثقفين: أن يعيدوا وصل الناس بذاكرتهم، وأن يجعلوا من التفاصيل الصغيرة طريقاً لحماية الحكاية الكبرى.
“القدس العربي” تواكب هذه الذكرى بتغطية تستعرض مآلات القضية الفلسطينية والمأزق الذي تعيشه اليوم في ظل حرب الإبادة الإسرائيلية، وهجمة الاحتلال على الفلسطينيين في الداخل وفي الضفة الغربية والقدس المحتلتين.