الجزائر- “القدس العربي”:
بدأت بوادر تحسن العلاقات بين الجزائر وباريس تتكرس عمليا، بعد الزيارة الثانية لوزير في الحكومة الفرنسية إلى الجزائر منذ بداية السنة وعودة السفير الفرنسي لمنصبه واستئناف التعاون في قضايا حساسة مثل الذاكرة والهجرة والأمن والدفاع.
وتأتي هذه التطورات بعد نحو سنتين من التوتر غير المسبوق بين البلدين، على خلفية ملفات سياسية ودبلوماسية معقدة، أبرزها قضية الصحراء الغربية عقب تبني فرنسا لخطة الحكم الذاتي المغربية، وملفات الهجرة والنشاط القنصلي، إلى جانب قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز المسجون في الجزائر بتهمة الإرهاب.
وخلال اليومين الأخيرين، شكلت زيارة الوزيرة المنتدبة المكلفة بقدامى المحاربين لدى وزيرة الجيوش الفرنسية، أليس روفو، إلى الجزائر، محطة جديدة في مسار التهدئة، خاصة أنها جاءت في إطار مشاركة رسمية فرنسية رفيعة المستوى في إحياء ذكرى مجازر 8 ماي 1945، وهي مناسبة تحمل رمزية ثقيلة في الذاكرة الجزائرية الفرنسية.
وخلال زيارتها، توجهت الوزيرة الفرنسية إلى سطيف شرقي الجزائر، للمشاركة في إحياء ذكرى المجازر التي وقعت في 8 ماي 1945 في سطيف وقالمة وخراطة، والتي تعتبرها الجزائر من أبرز الجرائم الاستعمارية الفرنسية.
وحرصت باريس هذه المرة على إضفاء طابع سياسي ورسمي واضح على المشاركة، من خلال إقرار الرئاسة الفرنسية في بيان لها بأن المظاهرات التي خرجت في سطيف وقالمة وخراطة “تم قمعها خلال عدة أسابيع مما تسبب في سقوط آلاف الضحايا”، مضيفة أن “هذه هي حقيقة تاريخنا، وتتشرف فرنسا بالنظر إليها ومواجهتها”.
وعقب استقبالها من قبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وصفت أليس روفو المحادثات بأنها كانت “جد بناءة”، مؤكدة أن زيارتها جاءت “بتكليف من الرئيس ماكرون لإحياء، إلى جانب الجزائر، ذكرى الأحداث المأساوية التي وقعت في 8 ماي 1945”.
وقالت الوزيرة الفرنسية إنها تأثرت كثيرا بالاستقبال الذي حظيت به في سطيف، مضيفة: “نحن ندرك تماما ما تمثله مأساة 8 ماي 1945 بالنسبة للشعب الجزائري”. كما أكدت أن الرئيس الفرنسي كلفها “بالتعبير عن عزمه على إيجاد كافة السبل لإعادة بعث علاقة قائمة على الاحترام والندية والهدوء والثقة بين بلدينا”.
وخصصت روفو حيزا مهما من تصريحاتها لملف الذاكرة، الذي ظل أحد أكثر الملفات تعقيدا بين البلدين. وأوضحت أنها ناقشت مع الرئيس تبون موضوع اللجنة المشتركة للتاريخ والذاكرة، مشيرة إلى أن الرئيس الجزائري “أبدى موافقته على استئناف أعمال هذه اللجنة دون تأخير”.
ويُنظر إلى إعادة بعث اللجنة المشتركة للمؤرخين كإشارة سياسية مهمة، بعد أشهر من الجمود الذي طبع العلاقات الثنائية، خاصة وأن اللجنة كانت قد أنشئت لمناقشة الملفات التاريخية العالقة بين البلدين، وفي مقدمتها قضايا الأرشيف والمفقودين والتجارب النووية وجرائم الاستعمار.
كما أكدت أن المحادثات تناولت أيضا ملف الهجرة، مشيدة بما وصفته بـ”استئناف التعاون” بعد زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر خلال الأشهر الماضية. وأضافت أن الطرفين بحثا أيضا سبل تكثيف التعاون القضائي ومكافحة تهريب المخدرات، ووصفت هذه الملفات بأنها “بالغة الأهمية” بالنسبة للبلدين.
كما تحدثت الوزيرة الفرنسية عن ملفات إقليمية ودولية ناقشتها مع الرئيس تبون، من بينها الوضع في الشرق الأوسط ومنطقة الساحل ومضيق هرمز وأمن المتوسط، معتبرة أن هذه التحديات تجعل من “الضروري” إطلاق حوار “بناء ومعمق” بين البلدين.
وفي سياق الزيارة، استقبل الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الوزيرة الفرنسية بمقر أركان الجيش الجزائري، حيث بحث الجانبان سبل تطوير وتعزيز التنسيق في المسائل ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب حالة التعاون العسكري الثنائي والتحديات الأمنية التي يشهدها العالم.
وقال شنقريحة خلال اللقاء إن زيارة الوزيرة الفرنسية تأتي “تزامنا مع إحياء الجزائر لليوم الوطني للذاكرة المخلد لمجازر 8 ماي 1945، التي كانت محطة فارقة في تاريخ الجزائر الأزلي وفي مسار نضالها من أجل الحرية والانعتاق”. وأضاف أن “الشعب الجزائري، الذي شارك وضحى في الحرب العالمية الثانية، كان من حقه أن يطالب بدولة مستقلة سيدة في قراراتها ومزدهرة بثرواتها”.
كما أكد رئيس أركان الجيش الجزائري أنه “يتعين على البلدين العمل معا لتجاوز مخلفات هذا الماضي الاستعماري الأليم، دون نسيانه، والتطلع إلى مستقبل يسوده الاحترام المتبادل، والسعي سويا لتحقيق المصالح المشتركة، ورفع تحديات التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحتين الإقليمية والدولية”.
ولم تقتصر المباحثات على ملف الذاكرة، بل شملت أيضا ملفات التعاون الأمني والدفاعي. وقالت روفو إنها ناقشت هذا الجانب “مطولا” مع الفريق أول السعيد شنقريحة، معتبرة أن التعاون الأمني “مهم جدا في سياق إفريقي ودولي يتسم بعدم الاستقرار”.
وتزامنت زيارة روفو مع الإعلان الرسمي عن عودة السفير الفرنسي ستيفان روماتي إلى الجزائر بعد أكثر من سنة من استدعائه إلى باريس، في خطوة اعتبرت مؤشرا إضافيا على اتجاه العلاقات نحو التهدئة.
وكان السفير الفرنسي قد غادر الجزائر في أبريل 2025 في خضم أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين، تفاقمت لاحقا بسبب ملفات أمنية وإعلامية، من بينها الجدل الذي أثاره ظهوره في وثائقي بثته قناة “فرانس 2” حول ما وصف بـ”الحرب السرية بين فرنسا والجزائر”، وهو ما أثار استياء رسميا جزائريا آنذاك.
وفي بيان الإليزيه المتعلق بزيارة أليس روفو، أكدت الرئاسة الفرنسية أن السفير سيعود إلى الجزائر “لاستئناف مهامه والعمل على جميع جوانب التعاون الثنائي انطلاقا من مبدأ المعاملة بالمثل”. كما حمل البيان إشارة مباشرة إلى قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، حيث شدد على أن من أولويات باريس “عودة مواطنها كريستوف غليز إلى فرنسا”.
وفي هذا السياق، كشفت أليس روفو أنها طلبت من الرئيس تبون السماح بعودة الصحافي الفرنسي إلى بلاده، مضيفة أن غليز سيستفيد خلال الأيام المقبلة من أول زيارة قنصلية له، سيقوم بها القنصل العام الفرنسي في الجزائر. واعتبرت الوزيرة الفرنسية أن هذه الخطوة تشكل “مؤشرا على عودة الحوار” بين الجزائر وباريس.
وتأتي هذه التطورات بعد إعلان عائلة الصحافي الفرنسي تخليه عن الطعن بالنقض في الحكم الصادر بحقه، على أمل الاستفادة من عفو رئاسي. ويرى مراقبون أن هذا التطور قد يفتح الباب أمام تسوية محتملة للقضية، في إطار مناخ التهدئة الحالي بين البلدين.
وفي ملف الهجرة، بدت المؤشرات أكثر وضوحا بشأن استئناف التعاون العملي بين الجانبين. فقد أكد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز مؤخرا أن السلطات الجزائرية أصدرت أكثر من 140 تصريح مرور قنصلي منذ بداية السنة، وهي الوثائق الضرورية لترحيل الجزائريين الموجودين بطريقة غير نظامية في فرنسا أو الصادرة بحقهم أحكام قضائية.
وأوضح نونيز أن الجزائر لم تكن قد أصدرت أي تصريح من هذا النوع قبل زيارته إلى الجزائر في فبراير الماضي، معتبرا أن التطورات الأخيرة تعكس “استئناف التعاون” بين البلدين، رغم إقراره بأن النتائج لا تزال “دون المستوى المطلوب”.
ورغم أن الملفات الخلافية بين الجزائر وفرنسا لم تُغلق نهائيا، إلا أن التحركات الأخيرة تظهر رغبة متبادلة في احتواء الأزمة ومنع انزلاق العلاقات نحو قطيعة أعمق، خاصة في ظل تشابك المصالح الأمنية والاقتصادية والإنسانية بين البلدين.
ويرى حسني عبيدي، مدير مركز الدراسات والأبحاث حول العالم العربي والمتوسط، أن الرئيس إيمانويل ماكرون يريد إنهاء عهدته دون ترك ملف الذاكرة في حالة توتر مفتوح مع الجزائر، معتبرا أن عودة السفير الفرنسي إلى الجزائر والزيارات الرسمية الأخيرة، إلى جانب استئناف التعاون الأمني بين البلدين، تمثل مؤشرات على عودة تدريجية للديناميكية في العلاقات بعد أزمة سياسية واقتصادية حادة.
وأبرز عبيدي في حديثه لـ”القدس العربي” أن ما يجري حاليا لا يمثل انفراجا نهائيا، بل بداية تهدئة تدريجية، في ظل استمرار تعقيد العلاقات بسبب تداخل البعد التاريخي والدبلوماسي مع الحسابات الانتخابية الداخلية في فرنسا، خاصة مع توظيف بعض أطراف اليمين لهذا الملف في النقاش السياسي.
وتبقى الأسابيع والأشهر المقبلة كفيلة بإظهار ما إذا كانت هذه الخطوات ستتحول إلى مسار دائم لإعادة بناء الثقة، أم أنها مجرد تهدئة ظرفية فرضتها اعتبارات سياسية وإقليمية مشتركة.