الحداثة واللباس والسياسة في سوريا المعاصرة


فجر الثلاثين من مارس/ آذار عام 1949، استيقظت مدينة دمشق على شوارع مبللة بمطر الليلة السابقة، فيما كانت الدبابات والمصفحات تتمركز بهدوء حول المباني الحكومية والثكنات ومراكز الاتصال. خلال ساعات قليلة، دخلت البلاد زمناً سياسياً جديداً، مع إعلان الضابط حسني الزعيم أول انقلاب عسكري في تاريخ سوريا والمشرق العربي.
بدت المصفحات في شوارع دمشق مشهداً غريباً على مدينة اعتادت السياسة المدنية والبرلمان والزعامات التقليدية. دخل الجنود إلى المجال العام بوصفهم فاعلين سياسيين للمرة الأولى، في ما بدأت صورة الضابط المسلح تحل تدريجياً محل صورة السياسي المدني والطربوش العثماني. ومنذ ذلك الصباح، أخذت العلاقة بين السوريين والسلطة تتغير بصورة عميقة، لتدخل البلاد لاحقاً في زمن طويل من الانقلابات والعسكر والخوف السياسي.
دام حكم الزعيم مئة وسبعة وثلاثين يوماً فقط، مع ذلك كانت فترة مزدحمة بالأحداث والتحولات فهو لم يكتف بإعلان أول انقلاب عسكري في المنطقة، بل حاول أيضاً إعادة تشكيل صورة المجتمع والدولة والفضاء العام. ومن هنا تبدو قصته أوسع من مجرد مغامرة عسكرية عابرة، لأنها تكشف جانباً عميقاً من علاقة السلطة السورية الحديثة باللباس والهوية والجسد والحداثة.
منذ أواخر القرن التاسع عشر، عاشت دمشق، مثل بقية المدن العثمانية، تحولات واسعة في عالم اللباس والمظهر. أخذت الأردية الأوروبية الحديثة والبناطيل والمعاطف والطربوش تنتشر أكثر فأكثر داخل المدن الكبرى، بالتوازي مع إصلاحات الدولة العثمانية ومحاولاتها إعادة بناء مؤسساتها الإدارية والعسكرية.

قبعة كمال اتاتورك

كان الطربوش واحداً من أبرز رموز هذه المرحلة، فقد ظهر بقوة بعد إصلاحات السلطان محمود الثاني، حين سعت الدولة العثمانية إلى إعادة تشكيل جيشها وإدارتها على النمط الأوروبي. تحول الطربوش تدريجياً إلى رمز للحداثة والانضباط والبيروقراطية الجديدة، كما أصبح جزءاً من صورة الموظف العثماني المدني والعسكري. ومع نهاية القرن التاسع عشر، اكتسب الطربوش معنى يتجاوز وظيفته اليومية. صار جزءاً من قصة الحداثة العثمانية نفسها، وعلامة على انتماء مرتديه إلى عالم المدن والإدارة والتعليم الحديث. ارتدى الموظفون البناطيل والمعاطف الأوروبية مع الطربوش الأحمر، في محاولة للتمايز عن عالم الآباء الذين حافظوا على الجلابيب والعمائم والألبسة التقليدية. ومع ذلك، ظلت المدن العثمانية تحتفظ بتنوعها البصري والاجتماعي. بقي رجال الدين يرتدون عمائمهم، كما حافظت شرائح واسعة من السكان على القنباز والشروال والجبة. ولهذا لم يتحول الطربوش إلى لباس موحد لكل المجتمع، بل بقي رمزاً للنخب المدنية والإدارية أكثر من كونه زياً عاماً.
في هذا العالم ولد حسني الزعيم عام 1897 في مدينة حلب. كان والده رجل دين يعمل في الجيش العثماني، ولذلك نشأ الطفل وسط عالم تختلط فيه الرموز الدينية بالعسكرية. اعتاد رؤية والده بعمامته البيضاء وجبته التقليدية، قبل أن يدخل هو نفسه إلى عالم مختلف مع التحاقه بالمدارس، حيث كان الطربوش جزءاً أساسياً من حياة التلاميذ آنذاك. تحول الطربوش في المدارس إلى رمز للانضباط والأخلاق والوجاهة الاجتماعية. ويذكر كثير ممن عاشوا تلك المرحلة أن الذهاب إلى المدرسة من دون طربوش كان يعد أمراً معيباً. بدا وكأن الدولة العثمانية أرادت عبره خلق صورة بصرية جديدة للنخب الحديثة. لكن هذا العالم نفسه كان يتغير بسرعة. ففي عام 1909، وبعد ضم النمسا للبوسنة والهرسك، واجه العثمانيون أزمة في استيراد الطرابيش، التي كانت تصنع أساساً في المصانع النمساوية. دفع ذلك الجيش العثماني إلى اعتماد قبعات عسكرية جديدة تعرف باسم «الكابلاك»، وهي قبعات قماشية طويلة ارتبطت بالسنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية. مع التحاق حسني الزعيم بالجيش، بدأ انتقاله الرمزي من عالم العمائم والطربوش إلى عالم القبعات العسكرية والانضباط الحديث. وعلى خلاف والده وإخوته الذين اقتربوا من المجال الديني، اختار هو المؤسسة العسكرية طريقاً للصعود الاجتماعي والسلطة. لكن حياته نفسها ستبدو لاحقاً وكأنها سلسلة متواصلة من تبدل القبعات والهويات. فبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وانهيار الإمبراطورية، التحق بجيش الشرق الذي أسسه الفرنسيون في سوريا. وهناك، تعرف على نموذج جديد من الانضباط العسكري واللباس الأوروبي الحديث، في ظل الانتداب الفرنسي الذي حاول إعادة تشكيل المجتمع السوري سياسياً وثقافياً.
كان حسني الزعيم واحداً من أبناء الجيل العثماني الأخير، وفق تعبير مايكل برفنس، وظل يجيد قراءة التركية العثمانية لسنوات طويلة. وفي تلك الأثناء، كانت تركيا تعيش واحدة من أعنف معاركها الرمزية حول اللباس والهوية. ففي عام 1925، أطلق مصطفى كمال أتاتورك حملته الشهيرة ضد الطربوش، معلناً القبعة الأوروبية رمزاً للأمة الحديثة. عكس القرار رغبة واضحة في إعلان نهاية العالم العثماني، وافتتاح عهد الجمهورية التركية الحديثة. وصل صدى هذه المعركة إلى دمشق والقاهرة وكابول ومدن أخرى في الشرق الأوسط. بدا لكثير من النخب الشابة أن أتاتورك لا يغير القبعات فقط، بل يعيد تشكيل الإنسان الشرقي نفسه. وكان حسني الزعيم واحداً ممن تابعوا هذه التحولات بإعجاب شديد. رأى في أتاتورك نموذجاً للقائد العسكري القادر على اقتلاع العالم القديم وفرض عالم جديد بالقوة. في الثلاثينيات، بدأت دمشق نفسها تعيش انقساماً بصرياً وثقافياً واضحاً. جيل جديد أخذ يميل إلى خلع الطربوش وارتداء القبعة الأوروبية والبذلة الحديثة، بينما تمسك آخرون بالطربوش بوصفه رمزاً للهوية الشرقية ولمقاومة الانتداب الفرنسي. وفي الوقت نفسه، واصل كثير من السوريين ارتداء القنباز والشروال والألبسة التقليدية. بدت دمشق آنذاك مدينة متعددة الأزياء والهويات، يصعب على أي طرف فرض صورة واحدة عليها.
خلال تلك السنوات، كان حسني الزعيم يرتدي بزته العسكرية الفرنسية ويراقب عالم السياسة السورية من موقعه داخل الجيش. تابع صعود شخصيات مثل فارس الخوري وشكري القوتلي وجميل مردم بك، وهم يديرون البلاد بطربوشهم العثماني ولهجتهم السياسية المدنية. وبالنسبة إليه، كانوا يمثلون آخر جيل عثماني يحكم سوريا. بعد الاستقلال عام 1946، بدا شكري القوتلي في صور تلك المرحلة وكأنه تجسيد للعالم السياسي القديم. رجل يتحرك بطربوشه بين التحالفات والزعامات التقليدية، ويحاول إدارة التوازنات الدقيقة داخل البلاد. وفي المقابل، كان حسني الزعيم يجلس في مقاهي دمشق، يتحدث عن ضرورة «إنقاذ البلاد» وإعادة بناء الدولة على أسس أكثر حزماً وانضباطاً. ثم جاءت هزيمة 1948 في فلسطين لتفتح الباب أمام الانقلاب العسكري. شعر الجيش بالإهانة، واتهم السياسيين بالفساد والعجز والتسبب بالهزيمة. وفي ظل هذه الأجواء، عاد حسني الزعيم إلى الجيش، وبدأ يخطط لتحطيم «رجال الطربوش»، كما كان يصف النخب السياسية التقليدية. اتسعت معركة الزعيم لتشمل المجال الاجتماعي والثقافي أيضاً، وليس فقط إسقاط السلطة السياسية. فقد رأى أن الطربوش يرمز إلى عصر قديم يجب التخلص منه، وأن بناء سوريا الحديثة يقتضي فرض صورة جديدة للمجتمع. ولذلك أصدر مرسوماً يمنع الموظفين الحكوميين من ارتداء الطربوش، وروج للقبعة الأوروبية بوصفها رمزاً للحداثة والانضباط.
يذكر نذير فنصة سكرتير الزعيم، أن حسني اقترح ذات يوم شراء مليوني قبعة أوروبية لإجبار السوريين على ارتدائها. بدا وكأنه يحاول استنساخ التجربة الكمالية في سوريا، مقتنعاً بأن تحديث المجتمع يبدأ من شكل الناس وأزيائهم. لكن المفارقة أن الرجل الذي حاول فرض قبعة جديدة على السوريين، لم يمكث في السلطة إلا أشهراً قليلة. ففي أغسطس/آب 1949، اقتيد بملابس النوم إلى الإعدام، من دون أن يسمح له حتى بارتداء زيه العسكري. سقط الرجل الذي حلم بصناعة أمة ترتدي القبعة التي يريدها، قبل أن ينجح في تثبيت مشروعه السياسي. ومع ذلك، فإن ما بدأه لم ينته بموته. فقد تحولت العلاقة بين السلطة واللباس في سوريا إلى جزء ثابت من الحياة السياسية لاحقاً. البعثيون والقوميون والإسلاميون، دخلوا جميعاً معارك طويلة حول شكل اللباس المناسب للمجتمع، وتحول الجسد نفسه إلى ساحة للصراع السياسي والأيديولوجي.
في الثمانينيات، أمر رفعت الأسد عناصره بإجبار بعض النساء على خلع الحجاب في الشوارع، بينما رأى الإسلاميون في الحجاب والخمار واللحية رمزاً للدفاع عن «الهوية الإسلامية». وأخذ اللباس يكتسب مع الوقت أبعاداً سياسية وثقافية تتجاوز وظيفته اليومية.
تكشف قصة حسني الزعيم والطربوش والقبعة جانباً عميقاً من تاريخ سوريا الحديث. فهي لا تتعلق فقط بحاكم حاول تغيير شكل اللباس، بل أيضاً بمسار طويل سعت خلاله السلطات المتعاقبة إلى إعادة تشكيل المجال العام والهوية البصرية للمجتمع السوري. غدا شكل اللباس وهيئة الجسد، من القبعة والطربوش إلى الحجاب واللحية، جزءاً من تصور السلطة للمجتمع والفضاء العام في سوريا .

كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *