في تصريح صادم لوزير التخطيط العراقي بالوكالة قبل يومين، قال إن عدد الموظفين في العراق بلغ 4 ملايين؛ 62% منهم يعملون في الأجهزة الأمنية والعسكرية! ما يعني أن هناك ما يقارب 20 عنصر أمن/ عسكري/ ميليشياوي بين كل 100 ذكر فوق سن 16سنة! وأن هناك 5.3 عنصر أمن/ عسكري/ ميليشياوي لكل 100 مواطن عراقي! ويعني أيضا أن هؤلاء يشكلون ضعف ونصف المعدل العالمي الذي يقرر أنه إذا كان 2% من سكان بلد ما ينتسبون للقوات المسلحة، فإنَ هذا يعد مؤشرا على عسكرة مرتفعة في المجتمع!
بالعودة إلى قانون الموازنة الاتحادية الثلاثية للأعوام 2023 و 2024 و 2025 نجد أرقاما مختلفة؛ فوفقا لجدول القوى العاملة لسنة 2023، بلغ عدد العاملين في الدولة العراقية 4.074.697 ، وبلغ عدد أفراد الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للحكومة المركزية، 1.443.336 فردا (وزارة الداخلية 701.446، هيئة الحشد الشعبي 238.075، وزارة الدفاع 453.951، جهاز مكافحة الإرهاب 23.716، الأمن الوطني 14.308، جهاز المخابرات 11.840)، يضاف إليهم 269.000 فرد تابعين لحكومة إقليم كردستان، وفقا لأرقام المفوضية العليا المستقلة للانتخابات (قوات بيشمركة 145 ألفا، ووزارة الداخلية 124 ألفا). وهذا يعني أن القوات الأمنية والعسكرية تشكل ما مجموعه 1.712.336 فردا فقط وفقا لهذه الأرقام، أي ما نسبته 42%.
وبعيدا إذا ما كان الوزير قد أخطأ في أرقامه، أو أنه قد اعتمد على معلومات غير متوفرة لدينا، فثمة مشكلة تاريخية فيما يتعلق بالإحصائيات في العراق، و»فوبيا» حقيقية من المعلومات، وانعدام للمصداقية شبه كامل فيما يتعلق بأي معلومة تصرح بها الدولة، في المقابل ليس هناك إمكانية للوصول إلى المعلومات الرسمية، ليس بسبب عدم وجود قانون يعترف بحق الوصول إلى المعلومات في العراق، بل لأن المؤسسات الرسمية تتعامل مع المعلومات على أنها «أسرار» لا يجوز للعامة الاطلاع عليها!
وبالرجوع الى موضوع التعيينات، فإن الإفراط في التوظيف في القطاع العام شكَل سياسة منهجية للحكومات العراقية المتتالية، ونعتقد أن هذا الإفراط مستمر ما دام هناك ريع نفطي قادر على التغطية على هذا الإغراق الوظيفي الذي لم يخضع لأي معايير اقتصادية، بل كان نتيجة سياسات ارتجالية وشعبوية، هدفها الرئيسي رشوة الجمهور، والسعي لصناعة جمهور زبائني!
إن مراجعة الأرقام الرسمية المتعلقة بالتوظيف في القطاع العام ما بين عامي 2003 و 2026، تكشف عن تضاعف عدد موظفي الدولة الرسميين ثلاث مرات خلال 23 عاما، فلم يزد عدد العاملين في القطاع العام عن 1.074.000 فرد في العام 2004، فيما وصل هذا الرقم اليوم إلى4.074.697 فردا. وينطبق الأمر نفسه على المتقاعدين الذي تضاعفت أرقامهم بطريقة غير مفهومة لكنها تفضح عمليات تحايل واسعة، حيث ارتفع من 450 ألف متقاعد عام 2003 إلى ما 3.6 مليون متقاعد فعلي نهاية العام 2025 وفقا لرئيس هيئة التقاعد العام، فضلا على بضع مئات آلاف أخرى من المتعاقدين والعاملين بأجر يومي الذين لا يمكن الوقوف على أعدادهم الحقيقية بسبب اللاشفافية التي تحكم هذاه المسألة. يضاف إليهم 2.059 مليون أسرة تتقاضى رواتب رعاية اجتماعية، وهذه أرقام تستحق أن توضع في موسوعة غينيس للأرقام القياسية على مستوى العالم!
القوات الأمنية والعسكرية تشكل ما مجموعه 1.712.336 فردا فقط وفقا لهذه الأرقام، أي ما نسبته 42%
وبدلا من أن تستدعي هذه الأرقام وقفة حقيقية من الطبقة السياسية العراقية، عمدوا الى اقتراح قانون للعودة إلى التجنيد الإلزامي، لإضافة عبء آخر من الرواتب!
ووفقا للجنة المالية في البرلمان العراقي، يبلغ حجم الرواتب التي تتقاضاها جيوش الموظفين والمتقاعدين هؤلاء، حاليا، ما يزيد عن 7 تريليونات و831 مليار دينار عراقي شهريا، ما يعادل 5.933 مليار دولار شهريا، وبالتالي 71.196 مليار دولار سنويا. وإذا عرفنا أن موازنة العام 2025 قد بلغت 141.122 ترليون دينار عراقي، أي ما يعادل 106.1 مليار دولار، فهذا يعني أن الرواتب باتت تستنزف ما نسبته 67% من إجمالي الموازنة، وهذا رقم آخر يستحق أن يوضع في موسوعة غينس للأرقام القياسية! إذ وفقاً لمؤشرات البنك الدولي ومعايير صندوق النقد الدولي تعد نسبة الرواتب في القطاع العام مستدامة إذا بقيت في نطاق ما بين 30% و 40% من إجمالي ايرادات الموازنة العامة، وهو ما يجعل قدرة الحكومة العراقية على إدامة توفير هذه الرواتب مشكلة حقيقية، بسبب الإفراط في الإنفاق العام من جهة، والفساد الذي يضرب أطنابه في النظام السياسي، وفي بنية الدولة، وأخيرا بسبب الأزمة التي ترتبت على الحرب وإغلاق مضيق هرمز، والتي ستمتد لأشهر حتى بعد فتح المضيق، حتى يستعيد العراق قدرته على العودة إلى مستويات انتاج النفط السابقة للحرب!
كل هذا سيفرض على الحكومة العراقية القادمة تبني سياسات تقشفية صارمة، بضمنها العودة إلى خفض قيمة صرف الدينار العراقي أمام الدولار (قد يصل سعر صرف الدولار رسميا إلى 1.5 دينار عراقي)، من أجل خفض ضغط الرواتب على الموازنة العامة. وقد اضطرت الحكومة العراقية في نهاية العام 2020 إلى إجراء مماثل بسبب انخفاض أسعار النفط حينها، وعجز الموازنة الحاد، عندما قامت برفع سعر صرف الدولار من 1.19 إلى 1.45، ما أدى حينها إلى خفض حجم الرواتب الواجب دفعها بنسبة 21.8% قياسا إلى الدولار. وهكذا خطوة ستخفض حجم الرواتب من 5.933 مليار دولار شهريا إلى ما يقارب 4.5 مليار دولار فقط، وهي خطوة سينتج عنها بالضرورة، ارتفاع في التضخم بشكل قياسي!
وأخيرا فإن الدول لا تدار بالارتجال، أو وفقا للمصالح الشخصية للطبقة السياسية، ولا يمكن لعاقل أن ينتظر من نظام أنموذجي للكليبتوقراطية والزبائنية مثل النظام السياسي العراقي، إلا مزيدا من الخراب في أي لحظة يعجز فيها ريع النفط عن التغطية على العوار الحقيقي في بناء الدولة، وعمق الفساد الذي يحكمها!
٭ كاتب عراقي