رغم أن الوقت لا يبدو موائماً، وهو دوماً غير موائم لمثل مواضيع هذا المقال الحساسة التي تبدو قطعية النتيجة عند أغلبيتنا، فإن حواراً مع صديقة تحيا معاناتها بلا رحمة فتحت لي باب هذ المقال الذي لن أوصده أبداً ما دام يحمل في طياته قضية إنسانية. أبدأ هذا المقال باعتذار نسوي لغوي عن تعثري في استخدام إشارات لغوية محايدة رغم أن فحوى المقال يستشكل التقسيمات الجنسية والجندرية، فاللغة العربية عصية على الحياد الجنسي والجندري، ومحاولة تحقيق مساواة لغوية بين الجنسين ستمد هذا المقال لأطول من ضعفه.
ورغم أن هذا الحوار عصي اجتماعياً ولغوياً وسياسياً، لكننا شئنا أم أبينا، نبقى جزءاً منه نحن العرب والمسلمين؛ لأننا ببساطة جزء من الإنسانية، وحقيقة الأمر أننا تأخرنا كثيراً في التعامل العلمي والعقلاني مع هذا الموضوع، مما يؤثر في الوضع الإنساني والحقوقي لعدد كبير من أبناء وبنات مجتمعاتنا. يبدأ الموضوع من جملتي الأخيرة بحد ذاتها، من تقسيمي الثنائي أو القطبي للمجتمع إلى ذكور وإناث، في حين أن العلم الحديث لا يختلف اليوم على استشكالية وسذاجة هذا التقسيم القطبي البيولوجي، حيث تتنوع الأجساد البشرية بيولوجياً وجينياً، بل وحتى كروموسوماتياً، إلى حد يجعل هذا التقسيم استشكالياً، طبياً ومجتمعياً وإنسانياً، إلى حد بعيد.
في ذلك تتحدث إليزابيث بارنز، أستاذة الفلسفة في جامعة فيرجينيا، في مقالها المعنون «ميتافيزيقيا الجندر»، الذي سيعتمد مقالي إلى حد كبير على معلوماته ونقاشاته، موضحة استشكالية هذا التقسيم. تقول بارنز إن التقسيم الكروموسوماتي XX وXY، الأول يشير إلى الإناث، والآخر يشير إلى الذكور، ليس هو التقسيم الكروموسوماتي الأوحد في الجسد البشري، حيث يولد البعض بكروموسومات XXY في حالات نادرة التجمع. كذلك، فإن الصفات الذكورية البحتة، مثل الأعضاء الخاصة أو الهرمونات الذكورية أو تفاحة آدم، كما الصفات الأنثوية البحتة، مثل كذلك الأعضاء الخاصة أو الهرومات الأنثوية أو المبيض والرحم، قد تتجمع وتختلط أحياناً في الجسد البشري بما يعيق تعريفها الجنسي الواضح.
يؤكد العلماء أن بعض البشر يولد بما يعرف بمصطلحIntersex body أو الجسد البيني أو متقاطع الجنس. ومثل هذه الحالة التي تسوقها بارنز في مقالها، تتمثل في البشر الذين يولدون بمتلازمة تعرف بإسمAndrogen Insensitivity Syndrome أو متلازمة عدم الحساسية للأندروجين، حيث لا يتواءم الجسد مع التوصيفات التقليدية للذكورة أو الأنوثة؛ كأن يولد الشخص بكروموسومات XY المصاحبة لكل المظاهر الخارجية للأنوثة، إلا أنه/ـا لا يولد برحم أو أنه/ـا تمتلك أعضاء ذكورية معلقة مكان المبيضين. هذا التعقيد البيولوجي لا يدخل في اعتبارات المجتمع حين تصنيفه لهذا الشخص على أنه أنثى، رغم أن الجسد يحكي حكاية مختلفة.
تؤكد بارنز، أننا كثيراً ما نحرص على أن نقدم تفسيرات جينية بيولوجية لتنميطنا الجندري للرجال والنساء، على الرغم من أن الأنماط التي تعتبر طبيعية وثابتة هي في الحقيقة متغيرة جداً طبقاً للمكان والزمان والمجتمع. تقدم بارنز مثالاً على النظرة لموضوع العاطفة والمشاعر في لندن القرنين الثامن والتاسع عشر، حيث كان ينظر للعاطفة في ذلك الزمن وفي ذلك المجتمع على أنها حكر على الرجال دون النساء؛ ذلك أن النساء، حسب المعتقد في ذلك الوقت، غير قادرات على ذلك العمق الشعوري الذي يمتلكه الرجال، حتى إنه حين كتبت شارلوت برونتي في رواية لها جملتها الشهيرة «النساء يشعرن بالمقدار ذاته الذي يشعر به الرجال»، دوت هذه الجملة وقتها في أرووبا بصوت صادم تماماً. العديد من الوظائف التي تعد أنثوية الآن مثل وظيفة السكرتارية، كانت حكراً على رجال هذين القرنين في لندن، في حين أن الوظائف الشاقة في المصانع والمناجم كانت موعزة للنساء والأطفال. وعليه، تؤكد بارنز، أن ما تربطه الثقافة بالذكورة أو الأنوثة النمطية هو متغير جداً عبر الزمان والمكان والمجتمع، حتى وإن بقيت الصفات الجنسية التشريحية ثابتة إلى حد كبير.
المثير للانتباه جداً في مثال بارنز السابق، كما تعود وتؤكد هي ذاتها، أن الصفات التي ترتبط بالذكورة تكتسب صبغة حميدة وتعدّ راقية ومتطورة، في حين أن الصفات ذاتها، حين ارتباطها بالأنوثة، تعدّ ناقصة ومنتقصة من الشخصية والقدرة الذهنية والنفسية لصاحبتها. فالعواطف الجياشة ذاتها حين كانت موعزة للرجل، كانت تعبر عن عمق نفسي وذهني، في حين أنها بإيعازها للمرأة، أصبحت تعبر عن هيستيريا وردود فعل انفعالية تقلل من القيمة الإنسانية لصاحبتها. التناقض ذاته موجود ومقبول في مجتماعتنا المحافظة المعاصرة؛ فالعاطفة الموعزة للرجل ينظر لها المجتمع على أنها عاطفة شريفة لحد أنها تبرر له جرائم الشرف في كثير من القوانين العربية، أما عاطفة المرأة فهي انفعال هستيري خالص، ذلك أنها لو ارتكبت جريمة القتل ذاتها لأسباب «الشرف»، فلا ينظر لها القانون بالاعتبار نفسه، وقد تصل عقوبتها حد الإعدام.
وعليه، ومع تطور فهمنا للجسد البيولوجي ومع استيعابنا للمتغيرات التقييمية الجندرية المصاحبة لهذا الجسد، تزداد عملية التعريف الجندري صعوبةً وتعقيداً، مجتمعياً وفلسفياً وسياسياً كذلك. هذه الصعوبة تتجلى في ذلك السؤال الذي لم ينجح أحد بعد في الإجابة الواضحة والمباشرة عنه: من هي المرأة؟ ورغم أن تعقيد التصنيف الجندري يمس النوعين، فإن السؤال العالمي يدور حول الأنثى جنسياً/المرأة جندرياً، في إشارة إلى أن هذه الهوية هي الأكثر تعقيداً وخطورة، ومن ثم تعرضاً للقمع والهدر الحقوقي. وعليه، نعود للتساؤلات وماهيتها: هل الأنثى جنسياً هي الإنسان المعرف بيولوجياً على أنه أنثى؟ وماذا لو كانت لا تمتلك مبايض أو رحماً؟ ماذا لو ولدت دون أن تحيض أو بتجمع كروموسوماتي نادر؟ هل المرأة جندرياً هي التي تستشعر تطابق ظروفها وقضاياها وتجاربها القمعية مع النساء عامة حتى ولو لم تكن أنثى جسدياً؟ هل المرأة هي التي تعرّف عن نفسها على أنها كذلك طبقاً لشعورها الداخلي النابع من هوية خفية بداخلها؟ هل يكفي الشعور الداخلي بالأنثوية لتوحيد الشعور والقضايا والهموم؟
حقيقة الأمر أن الموضوع في غاية التعقيد، وأنه لم ولن يصل إلى قطعيات في أي قريب عاجل. فالعلم يقول إن الهوية الجنسية البيولوجية غير كافية أو قطعية في تحديد نفسها، دع عنك تحديد الهوية الجندرية المتغيرة أصلاً عبر الزمان والمكان والمجتمع. التنوع الإنساني البيولوجي والنفسي هو حقيقة علمية غير قابلة للرفض، تشهد عليها البحوث والتجارب والأجساد البشرية بحد ذاتها. نحتاج لأن نفسح المجال لهذا الحوار لنفهم نوعنا الإنساني أكثر، فمقاومتنا لهذا الحوار تهدد نوعنا الإنساني وتضاعف عذاباته عموماً بقمع عدد كبير من البشر بيننا، وبتعذيب أحبة قريبين منا قد لا نتوقع أنهم يمرون بمعضلة هوياتية أو يعانون ضياعاً نفسياً أو جسدياً. هذا حوار يفرضه علينا العلم والمنطق والزمن الجريء الذي يتحدث إبانه غيرنا بما لا نجرؤ نحن على الحديث فيه. سيكون علينا مواجهة الأمر إن آجلاً أو عاجلاً، وبعيداً عن القراءات الدينية التحريمية أو المجتمعية التحريضية تجاه المختلف، ولن يكون لدينا خيار في ذلك.