صدرت مؤخرا للكاتب والشاعر المغربي محمد ميلود غرافي عن دار الأمان في الرباط، رواية بعنوان «لم أر الشلالات من أعلى»، يعالج فيها الكاتب بشكل خاص مسألة الاغتراب خارج الوطن وفي الوقت نفسه، عن طريق بنية موازية، الاغتراب داخله. لكن الذي يمنح الرواية طابعا خاصا على المستوى الجمالي والشكل الفني، هو اعتمادها بالأساس على عملية تفكيك مركزية البطل لأن الأشخاص الرئيسيين، سواء ربيكا (صديقة السارد) أو السارد نفسه، ليسوا هم، بالضرورة، الأكثر إثارة لانتباه القارئ، رغم أهميتهم القصوى في نسج الأحداث. فالرواية تركز على شخصيات تشبه الومضة التي تضيء النص لتبقى طويلا في الذاكرة، وهذه التقنية، تقنية تفكيك مركزية البطل، رغم تعقيدها في ترتيب الأحداث وتنضيدها، تنساب متدفقة وسلسة أمام القارئ الذي يستمتع بحضورها المركّز والطارئ في آن واحد، كما أنها، من جانب آخر، تتيح مساحة للإعجاب والدهشة ثم تختفي لتترك الحيّز للذين يتعاقبون في تأدية دور أوركسترالي متناغم كل يكمل الآخر. لا يمكن على سبيل المثال قراءة شخصية عمي الناجم الذي قضى أكثر من ثلاثين سنة من عمره في الغربة، إلا من خلال مغترب آخر، هو القبائلي أمقران، المهاجر الذي لا يتقن سوى كلمات محدودة من العامية العربية، والذي لم يزر موطنه الأصلي، القبائل العليا في الجزائر منذ مغادرته لها قبل عشرين سنة.
كما أن شخصية زهرة الخبيرة بالفطرة والتجربة في فهم نفسية الرجال، تقدم نموذجا آخر للمرأة التي تهاجر من المغرب إلى فرنسا، تستحضر، بهذا الخصوص، رجلا ثريا استجاب إلى غوايتها وقادها إلى غابة قريبة، وحالما استغرق في النعاس، سطت على محفظة نقوده، وتدبرت أمر هجرتها إلى فرنسا. ويواصل الكاتب تقديم نماذج بدلالات عميقة، وهذه المرة نجده يروي لقاءاته المتكررة بخيرة الجزائرية، التي هاجرت هي أيضا إلى فرنسا خلال العشرية السوداء. تشتغل خيرة نهارا طباخة في مطعم، وفي الليل نادلة في بار، ولا يكف زوجها عن الاتصال بها. تقول للسارد: «نورمال يقلق. ثم تضيف آسفة: والله غير عييت! بلادنا هتكوها خلاص!».
قصة خيرة، أو نادية كما يسمونها في البار، هي قصة من أبرع القصص التي وردت في الرواية، قصة مؤثرة وجميلة في الآن ذاته. يروي السارد أن خيرة ولدت في فرنسا، لكن والدها عاد بها وبأسرتها إلى الجزائر غداة الاستقلال، وتُعلق خيرة عن العودة المخيبة: «ظن (تقصد والدها) أن دزاير راح تعطيه كل ما يتمنى، مات بالسرطان وهو يقول: سامحوني! حين بدأ الناس يقتلون بعضهم بعضا، جرّت حقيبتها وسافرت إلى باريس، قالت لزوجها: عينك على الأولاد! ريثما ترتب إجراءات ولوازم التحاقهم بها». أحداث تُروى بإحكام، وتنقل للقارئ ضُعف الإنسان أمام ظروف أكبر من أن تجعله يفكر في كرامته والحرص عليها.
وأبعد من ذلك، تختزل هذه الأحداث مصائر أغلب شخصيات الرواية، إذ تتجلى ثيمة الاغتراب في تمظهراتها القصوى كقوة تستوطن الذات وتنعكس على الفضاء الخارجي. ونعاين ذلك بوضوح في الأماكن العامة التي ترتادها هذه الشخصيات، حانات المهاجرين التي تصدح فيها أغان عربية مغاربية بالخصوص، على غرار أغاني دحمان الحراشي وغيره. والشيء نفسه يلمسه القارئ في السكن الجماعي الذي أقام فيه السارد (سكن عمي صالح). إن الأمر هنا يتجاوز مجرد غربة في بلد بعيد، ليمتد هذا الاغتراب بداية من الوطن، ويتواصل في فرنسا بصيغ متباينة. وفي هذا الصدد، يبرز تعليق السارد على دهشة الطبيب من ضيق مسكنه في تجمع سوناكوترا، ليعكس بذلك مفهوما أوسع للاغتراب. ومن هذا المنطلق تتجلى أهمية هذا العمل الروائي المذهل في أنه لا يكتفي بنقل تجارب بعينها، بل يتجاوز ذلك إلى رصد الخلفيات والظواهر الإنسانية في تجلياتها المختلفة، في لحظات ضعفها كما في لحظات قوتها.
يزاوج الكاتب في هذه الرواية البارعة، بين المزاج الزمني لكل شخصية، وأثر الاغتراب في تصرفاتها وسلوكياتها. وهذا النمط من التعاطي الفريد، هو تجسيد قوي لقدرة الكاتب على رسم شخصياته بمهارة فائقة، كل شخصية مستقلة بقصتها الشخصية وبأسطورتها الخاصة، ورغم تفتيت خطية الحدث في الرواية، إلا أننا لا يمكن ملاحظة تشظٍ واضح أو بنية دائرية، هناك فقط فسيفساء مترابطة ومتجانسة وتكمل بعضها بعضا. هذه الحبكة تعتمد على استعراض أحداث مثيرة ولافتة للانتباه، وشخصيات متنوعة وغير نمطية على غرار الشاب الثلاثيني الذي يدخل السجن لمدة سنتين بسبب تورطه في تجارة المخدرات ليخرج، أو بعبارة قد تناسب موقعه الجديد بعد السجن داخل الرواية، بمشروع مزعج، كما يصفه الراوي، يتمثل في مزاولته لطقوس دينية غريبة، تتجسد في تحول مفاجئ في التركيبة المزاجية لهذه الشخصية. يصرخ وسط الليل، ثم ينخرط في نحيب طويل دون أي سبب. شخصية فريدة ومثيرة أدبيا، تظهر قوة وبراعة الكاتب في نحت شخوص سريالية وبانفعالات وأفعال عجائبية.
المثير في الرواية أن السارد يظل متنقلا بين شخوص متعددة، ولكنه في الآن نفسه يروي جوانب مؤثرة من حياته المتعلقة بريبيكا صديقته، ويُبقي السرد يمضي متوازيا، على نحو بارع، مع سرد حكايات شخصيات من محيطه القريب والبعيد، هذا التزامن السردي، الذي يقابله، في مرات أخرى، تباعد زمني، يمنح الرواية جماليات ممتعة. وهنا نجد أنفسنا كقراء إزاء رواية لا توثق للهجرة فقط، ولا رواية كتبت لأجل توصيف واقع الهجرة، أو رواية تركز فحسب على البعد الاجتماعي وجوانب الاغتراب في تمثلاته التقليدية. إن القارئ سيقف وهو يقرأ رواية «لم أر الشلالات من أعلى»، على قدرة الكاتب في رصد نفسية الإنسان المهاجر، تلك الصورة الكامنة التي تختفي خلف الصورة الواضحة، إنه يدخل عوالم كل شخصية ليُشرِّحها ببراعة، ويفعل ذلك بطريقة مثيرة للإعجاب، إنه لا يروي قصصا نمطية، يتعدى الكاتب كل ذلك ليجعل كل شخصية قصة بحد ذاتها، قصة تُقرأ ضمن سياق خاص، وبحبكة روائية بالغة الترابط رغم عدم ارتهانها لخط سردي تقليدي لا ضرورة له.
تتعدد الشخصيات في الرواية، ولكنها شخصيات قوية من حيث دورها البسيط ولكنه دور حاسم وفعال، تماما كما لو أن الكاتب يجعلنا نقف أمام لوحة تكعيبية، كل جزء مكسور يكمل جزءا آخر في فوضوية خلاقة، تعطي للرواية قيمة مضافة وعالية. وهذا بالضبط ما يجعل القارئ يساير قراءة شخصيات الرواية بانتباه وإعجاب شديدين، كما هو حال شخصية كريم المركبة، التي تواصل تطريز اللون الفسيفسائي المتنوع، الذي يضفي رونقا خاصا وبعدا إبداعيا يجعل من الرواية عملا يعتمد في لغته الشعرية العالية على التكثيف والاقتصاد اللغوي، بحيث تصبح القراءة في حد ذاتها متعة ولذة نص. وبهذه اللغة يفاجئ الكاتب القارئ في تنقله من حدث وشخصية إلى أخرى، ومن استعراض فكرة إلى أخرى. وهذا يقود إلى تكسير التوقع، وبالنتيجة نجد أنفسنا أمام رواية قوية ومؤثرة تكشف قدرة الكاتب على تطويع آليات البناء الروائي الحديث، ويصبح الأبطال في سياق الأحداث، هم وحدهم محور النص، بقدر ما هم أيضا أداة لإبراز التغيرات الدقيقة في مجرى الرواية.
في نهاية قراءة النص، وبعد المتعة والإبهار اللذين سيجدهما القارئ في أحداث وعوالم الرواية، سينتبه إلى شيء مهم وربما قد يكون نادرا في لغة الرواية العربية وهو أن لغة «لم أر الشلالات من أعلى» لا تكتفي بالاستفادة من تجارب فن كتابة الرواية الحديثة فحسب، ولكن أيضا تستفيد من نمط الكتابة نفسه، لغة حيوية ومتحررة ومخففة من الألفاظ الجافة، كما لو أن الرواية كتبت أصلا بالفرنسية التي تنحاز إلى الجمل القصيرة وترفض التكرار والتعابير الفضفاضة. ولعل هذا الأسلوب في الكتابة راجع إلى تشبع الكاتب بلغة الأدب الفرنسي وأيضا إلى إقامته الطويلة بفرنسا ومزاولة التعليم الجامعي بها.
إن رواية: «لم أر الشلالات من أعلى»، إضافة قوية للرواية المغربية والعربية، ورغم أن هذه هي طبعتها الثانية، إلا أنها أخيرا تستقر في دار نشر مغربية، وستكون متاحة للقارئ المغربي خلال معرض الرباط الدولي للكتاب. وهي مناسبة أيضا للانتباه لعمل فائق الجودة، ينتصر لكتابة روائية حديثة مدهشة، وتقدم للقارئ تجربة لا تنسى.
كاتب مغربي