طرابلس – «القدس العربي»: وسط محاولات دولية متواصلة لإعادة تحريك الملف الليبي بعد سنوات من الجمود والانقسام، عادت العاصمة الإيطالية روما لتتحول إلى ساحة سياسية تجمع بين التحركات الدبلوماسية والرهانات الإقليمية المرتبطة بمستقبل العملية السياسية في ليبيا. وبينما تتشابك الملفات الأمنية والاقتصادية مع الاستحقاقات الانتخابية، جاءت زيارة رئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة عبد الحميد الدبيبة إلى إيطاليا في توقيت حساس، يتزامن مع ضغوط أميركية وأممية متزايدة لدفع مسار توحيد المؤسسات وتهيئة الأرضية أمام خطوات سياسية جديدة.
والتقى الدبيبة، الخميس، رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في العاصمة روما، ضمن زيارة رسمية وصفتها وسائل إعلام إيطالية بأنها تأتي في إطار تنسيق سياسي متجدد بين البلدين، بالتوازي مع تصاعد النشاط الأممي المتعلق بخريطة الطريق السياسية ومسار الحوار بين الأطراف الليبية.
وقال موقع «ديكود 39» الإيطالي، إن الزيارة تتزامن مع ضغوط أميركية وأممية لدفع عملية التوحيد التدريجي للمؤسسات الليبية المنقسمة، مشيراً إلى أن حجم الوفد المرافق للدبيبة يعكس رغبة حكومة الوحدة في تعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي أمام الشركاء الأوروبيين، ومحاولة تثبيت شرعيتها الدولية في ظل استمرار حالة الانقسام الداخلي.
وضم الوفد المرافق للدبيبة وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي، ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء محمد عمر بن غلبون، إلى جانب أربعة نواب وزراء، في خطوة ربطها مراقبون بطبيعة الملفات المطروحة للنقاش، والتي تجاوزت الجوانب الاقتصادية إلى قضايا الترتيبات السياسية والتنسيق الإقليمي.
وحسب التقارير الإيطالية، فإن روما كثفت خلال الأشهر الأخيرة اتصالاتها مع الأطراف الليبية في الشرق والغرب، بالتوازي مع دعمها للمسار الذي تقوده بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، خصوصاً بعد إطلاق آلية «الاجتماع المصغر» أو ما يعرف بصيغة «4+4»، التي استضافت العاصمة الإيطالية أولى جلساتها نهاية نيسان/أبريل الماضي.
واعتبرت وسائل إعلام إيطالية أن التحركات الجارية تعكس توجهاً دولياً نحو الدفع بخطوات تدريجية بدلاً من انتظار تسوية شاملة، مع التركيز على ملفات محددة مثل إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتعديل القوانين الانتخابية، وتوحيد بعض المؤسسات الاقتصادية والعسكرية.
وبرزت صيغة «4+4» كأحد أبرز المسارات السياسية التي تحظى بدعم أممي وإيطالي خلال الفترة الحالية، إذ استضافت روما الاجتماع الأول للمجموعة المصغرة بمشاركة شخصيات من الشرق والغرب الليبي، بينهم وليد اللافي، ومصطفى المانع، وعبد الجليل الشاوش، وآدم بو صخرة، وزايد هدية، إلى جانب شخصيات سياسية ودبلوماسية أخرى.
وأسفر الاجتماع عن اتفاق أولي يتعلق بآلية إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في خطوة قالت البعثة الأممية إنها تستهدف تجاوز حالة الانسداد السياسي المرتبطة بالمسار الانتخابي.
كما اتفق المشاركون على معالجة الخلاف القائم بشأن رئاسة مجلس المفوضية، عبر ترشيح النائب العام لأحد القضاة المعروفين بالكفاءة والنزاهة لتولي المنصب، إلى جانب التوافق على أسماء أعضاء المجلس الجدد استناداً إلى مخرجات سابقة لمجلسي النواب والدولة.
وتنظر الأمم المتحدة إلى هذا المسار باعتباره جزءاً من مقاربة أوسع طرحتها الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه، تقوم على تجاوز الخلافات التقليدية بين مجلسي النواب والدولة عبر آليات مصغرة ومحددة الاختصاص، تمهيداً للوصول إلى تفاهمات أوسع تتعلق بالعملية الانتخابية والحكم.
وفي هذا السياق، ربطت التقارير الإيطالية زيارة الدبيبة إلى روما بمحاولة استثمار الزخم الذي رافق اجتماع «4+4»، خصوصاً مع استمرار الحديث عن تحركات دولية لإقناع الأطراف الليبية بقبول خطوات مرحلية تتعلق بتوحيد المؤسسات وتنفيذ الترتيبات الانتخابية.
كما أشارت وسائل إعلام إيطالية إلى وجود مؤشرات على تنسيق محدود بين الشرق والغرب خلال الفترة الأخيرة، من بينها اتفاق الإنفاق العام الموحد، والمشاركة المشتركة في مناورات «فلينتلوك» العسكرية بمدينة سرت، والتي جرت بمشاركة قوات من مناطق مختلفة في ليبيا تحت إشراف القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم».
ويُنظر إلى هذه الخطوات باعتبارها محاولات لبناء حد أدنى من الثقة بين المؤسسات الليبية، في وقت لا تزال فيه الخلافات السياسية قائمة بشأن شكل السلطة التنفيذية المقبلة وآليات إجراء الانتخابات.
وفي موازاة الحراك السياسي، حضرت ملفات الطاقة والتعاون الاقتصادي ضمن أجندة الزيارة، إذ لا تزال إيطاليا الشريك التجاري الأول لليبيا، وتستحوذ على نحو 22.5% من صادراتها، فيما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 8 مليارات يورو خلال عام 2025.
كما ناقش الجانبان ملف صادرات الغاز الليبي إلى إيطاليا عبر خط «غرين ستريم»، في ظل استمرار تراجع التدفقات بسبب ارتفاع الطلب المحلي داخل ليبيا ومشكلات البنية التحتية. وتؤكد التقارير الإيطالية أن أي زيادة كبيرة في صادرات الغاز الليبي إلى أوروبا ستظل مرتبطة بتحسين كفاءة الإنتاج وتطوير البنية التحتية وإجراء اكتشافات جديدة. وفي هذا الإطار، برز مشروع تطوير حقل البوري البحري باعتباره أحد المشاريع التي تعول عليها طرابلس وروما لزيادة كميات الغاز المستغلة وتقليل نسب الحرق، عبر مشروع تنفذه شركتا «سايبم» و»روسيتي مارينو» لصالح شركة مليتة للنفط والغاز.
لكن الملف السياسي ظل الأكثر حضوراً في التغطية الإيطالية للزيارة، خصوصاً مع استمرار الاهتمام الأوروبي بمسألة الاستقرار في ليبيا وانعكاساته على أمن المتوسط والهجرة والطاقة.
ويأتي ملف الهجرة بدوره ضمن أبرز دوافع التنسيق بين الجانبين، إذ أظهرت البيانات الإيطالية تراجع أعداد المهاجرين الوافدين إلى إيطاليا خلال الأشهر الأولى من العام الجاري بأكثر من 50% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، رغم استمرار ليبيا كنقطة الانطلاق الرئيسية لمعظم الرحلات غير النظامية نحو أوروبا.
وتخشى روما من عودة ارتفاع التدفقات خلال فصل الصيف، خاصة مع استمرار الاضطرابات الأمنية في منطقة الساحل، وعلى رأسها مالي، وهو ما يدفع إيطاليا إلى تعزيز التنسيق الأمني والسياسي مع السلطات الليبية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو زيارة الدبيبة إلى روما جزءاً من مشهد سياسي أوسع تحاول من خلاله القوى الدولية والإقليمية الحفاظ على زخم المسار الأممي، ودفع الأطراف الليبية نحو تفاهمات تدريجية قد تمهد لإعادة ترتيب المشهد السياسي والمؤسساتي خلال المرحلة المقبلة، رغم استمرار التحديات والانقسامات التي لا تزال تعيق الوصول إلى تسوية نهائية شاملة.