هناك اعتقاد بأن الولايات المتحدة الأمريكية، بحروبها التي لا تنتهي، لا تتوقف عن إعطاء العالم درسا مجانيا ثمينا، وبأنه إذا كان من شيء إيجابي في هذه الحروب، فهو هذا الدرس.
هذا الاعتقاد سليم إلى حد بعيد. ففي الحروب الكثيرة التي خاضتها الولايات المتحدة على أمم مختلفة عبر العالم، يتكرر الدرس نفسه: الشعوب لا تنهزم والقوة لا تكفي لقهرها. من فيتنام في ستينيات القرن الماضي إلى إيران اليوم مرورا بالعراق وأفغانستان ومحطات أخرى، درس واحد يعيد نفسه. انهزمت أمريكا، أو لنقل لم تنتصر، وغادرت يلاحقها العار وجرائم لا تُمحى، وبقيت الشعوب. تعلم الجميع من هذه الحروب إلا أمريكا!
في فيتنام اضطرت أمريكا إلى الإقرار بأنها تسير في طريق مسدود، فأُجبرت على التفاوض.
في العراق اضطرت إلى الانسحاب بعد أن فشلت في تنفيذ أيٍّ من «الخطط» التي وضعتها، وبعد أن أدركت أن عدّاد جنودها الذين يسقطون في العراق مفتوح لن يتوقف.
في أفغانستان أُجبر جنود الجيش الأمريكي في صيف 2021 على الهروب تاركين وراءهم ألبستهم وعتادهم.
أما في إيران فستعود أمريكا أدراجها، عاجلا أم آجلا دون أن تحقق ما أرادت. السؤال هو «متى» وليس «هل».
بغض النظر عن الموقف الشخصي من إيران ومن أمريكا، لا يوجد سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن أمريكا ستنتصر في الحرب على إيران. حتى وإنْ كان مفهوم النصر والهزيمة نسبيا في هذه الحرب، بحيث يستطيع كل طرف ادعاء أنه المنتصر، سيكون من السهل على الإيرانيين القول إنهم انتصروا، لكن من الصعب على الأمريكيين ادعاء النصر. وإن ادعوا ذلك فلن يُسوِّقوه بسهولة.
يكفي أن يبقى النظام الحالي حاكما في إيران ليقول الإيرانيون إنهم انتصروا. ويكفي أن تحافظ إيران على قليل من مخزون صواريخها الباليستية وأسس تصنيعها ليقول الإيرانيون إنهم انتصروا. يكفي أيضا أن يحتفظ الإيرانيون بالحد الأدنى من قدرات برنامجهم النووي ليقولوا إنهم انتصروا.
في المقابل، لا يملك الأمريكيون ترف الجزم بالنصر، وما حديث الرئيس ترامب المتناقض إلا علامة على انسداد الأفق. يكفي النظر إلى تخبطهم وافتقارهم للأهداف والخطط والجداول الزمنية للاستنتاج بأن هذه الوصفة يمكن أن تكون كل شيء إلا وصفة نصر. من السهل أن يجادل أيّ كان بأن الأمريكيين انهزموا. والهزيمة هنا ليست بالضرورة أن تفقد جنوداً ودبابات ومقاتلات. أنت انهزمت لمجرد أنك أيقظت الفوضى وأشعلت النيران في منطقة كانت آمنة «تعيش وتعيّش»، وكنت أنت أكثر المستفيدين منها. ولمجرد أنك عبثت بممر بحري حيوي كان مفتوحا للعالم بالمجان، فأصبح مغلقا وإذا ما فُتح فقد يصبح العبور منه برسوم عالية تنعكس ندرة وغلاء في أسعار المواد الأساسية ومختلف السلع في الأسواق العالمية.
أمريكا لا تشعل الحروب لتنتصر فيها، وإنما لتُحرك بها دورتها الاقتصادية وتغيّر بها الواقع الموجود إلى آخر ليس بالضرورة أفضل
الهزيمة أيضا أن يقودك غرورك إلى إعادة تطبيق سيناريو «نجاح» عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قصره في كراكاس، مرة أخرى في إيران أو غيرها، غير مدرك للفروق ولخصائص البلد المستهدف.
إلى كل هذا يمكن إضافة أن الهزيمة هي كذلك أن تخوض حربا هي في الأصل حرب دولة مارقة في الشرق تقودها شلّة من المتعصبين الحاقدين دينيا وقوميا.
لكن التحليل السابق يقابله آخر فحواه أن أمريكا ليست غبية، وإنما تدرك فعلا ما تريد وما تفعل. وفق هذا المنطق، الحروب بالنسبة لأمريكا، بغض النظر عمّن في البيت الأبيض، ضرورة اقتصادية واستراتيجية، وخسائرها فاتورة إجبارية. لهذا فأمريكا لا تشعل الحروب لتنتصر فيها، وإنما لتُحرك بها دورتها الاقتصادية وتغيّر بها الواقع الموجود إلى آخر ليس بالضرورة أفضل. والحروب لا يريدها ويقررها من في البيت الأبيض جمهوريا كان أو ديمقراطيا. هناك جهات خفية أقوى من الأحزاب والكونغرس والرئيس هي التي تريد أو لا تريد. من دون حروب، وفق هذه المنطق، ستغلق مجمعات التصنيع العسكري، ويفلس لوردات الحرب الذين يشدّون خيوط مصير العالم من غرفهم المظلمة، وتفقد أمريكا أحد أسباب تفوقها.
تتميز الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بخاصيتين.. الأولى أنها ليست مجرد حرب «أخرى»، بل حلقة من عملية معقدة لإعادة رسم خارطة المنطقة كما جرى في عشرينيات القرن الماضي. والثانية أنها درس للأجيال المقبلة من شعوب العالم فحواه أن القوة ليست مرادفا للنصر أو ضمانة له، وأنها (الشعوب) تستطيع هزيمة أعتى الجيوش ولو كان الثمن باهظا. الشعوب تمتلك أهم سلاحين، الجغرافيا والوقت.
هذه الحقيقة قديمة، بدليل أن حروب التحرير انتهت عبر العالم بطرد القوى الاستعمارية، لكنها تتكرس اليوم أكثر لأسباب منها أن شكل الحروب تغيّر ومعها المسوغات والأهداف.
وللإنصاف يمكن تطبيق الدرس على كل مَن حاول إذلال شعب ضعيف. روسيا مثال آخر مناسب. اعتقد الرئيس فلاديمير بوتين أن غزو أوكرانيا سيكون نزهة سريعة تنتهي بقضم الأجزاء الشرقية من البلاد واستسلام سكانها، لكن أربع سنوات من القتال مرت ولا تزال روسيا تبحث عن تحقيق أهدافها لا تعرف هل تستمر أو تنسحب. ولأن الانسحاب معضلة والبقاء معضلة أكبر يراهن الرئيس بوتين على الموقف الأمريكي ويحلم بأن تقدم له إدارة ترامب أوكرانيا على طبق من ذهب. كل هذا لأن الأوكرانيين، مثل الشعوب الأخرى التي تعرضت لما تعرضوا له، يرفضون الاستسلام ومصممون على القتال إلى آخر رمق.
٭ كاتب صحافي جزائري